حوارات المجلة

الباحث الفلسفي العراقي علي محمد اليوسف للمجلة الثقافية الجزائرية:

أفكار الفلاسفة ليست مقدسة ولا معصومة من الأخطاء..

علي محمد اليوسف باحث فلسفي من العراق يصرّ على قول كلمته غير مكترث بالتجاهل والتغافل والتهميش الذي يتعرض له ولا بالصراعات الجانبية التي يخوضها البعض من أجل الشهرة. ضيفنا مبدع يسابق الزمن عمل في السلك الدبلوماسي وفي التعليم وقدم الكثير من الدراسات والأبحاث والمقالات الصحفية، لكنه استطاع لفت الانتباه إلى كتاباته بقوة مؤخراً ربما لأنه يختلف عن الكتّاب الآخرين كونه يكتب في الفلسفة التي لم يدرسها دراسة أكاديمية بل أحبها وبحث في نظرياتها وسبر أغوارها حتى استطاع تكوين وجهة نظر مهمة حول ما يجري في بلاده والعالم.. من مؤلفاته: (الكلمات ومحمولات المعنى) (الزمان الفلسفي وموضعة اللغة) (نقد في الفلسفة الغربية المعاصرة) (مأزق التحول في الفلسفة المعاصرة) (الفلسفة والوعي فلسفة العقل ونظرية المعنى) (الوجود والعقل في الفكر واللغة) وغيرها.. في هذه المساحة حاولنا الاقتراب من علي محمد اليوسف لفهم عوالمه، ونصّه الذي يشغل تفكيره والذي يشكل في النهاية هاجس كل مبدع حقيقي، فكان هذا الحوار:
حاورته: باسمة حامد

المشهد الثقافي العربي موبوء..

المجلة الثقافية الجزائرية: لنبدأ منك من الدبلوماسي والمعلم والباحث الفلسفي, إلى أي حد يمكن الرهان على الكلمة في العراق كبلد تتنازعه تجاذبات عقائدية وطائفية وصراعات سياسية مربكة؟
علي محمد اليوسف: أرحب أجمل ترحيب بالمجلة الثقافية الجزائرية الغراء, وأشكر رئيس وهيئة التحرير على ثقتهم. وأبدأ بالتسلسل الوظيفي كطالب ومعلم وباحث فلسفي وأخيراً كدبلوماسي. أنا من مواليد مدينة الموصل 1944 أنهيت مراحل دراستي بضمنها معهد المعلمين بالموصل عام 1962, وعينت معلماً في إحدى القرى. لعبت قضيتين محورتين في رسم حياتي الأولى: أني كنت أمارس لعبة كرة السلة بشغف كبير –هنا لا ننسى أفلاطون كان مصارعاً– ومثلت نادي الموصل الرياضي سنين عديدة حينها لم تكن القراءة هاجسي الكبير لكني كنت أقرأ كل ما يقع تحت يدي لا على التعيين.
الثانية: قضية لعبت دوراً عرضياً في مسيرتي الثقافية حين التقاني رئيس النادي الرياضي الفخري الأستاذ المرحوم عبد النافع محمود، وكان أستاذي بمادة اللغة العربية في الإعدادية المركزية تربوي ضليع متمكن جداً من اللغة العربية, قائلاً لي: “علي مستقبلك ليس مجال الرياضة بل مجال إكمال دراستك الجامعية والتخصص في الأدب والثقافة عموماً”. بعدها تركت الرياضة بشكل نهائي إلا أني لم أكمل دراستي الجامعية لأسباب يطول شرحها لا يسمح بها المجال.
وانكببت على القراءة بنهم شديد من غير التزام بمنهج ثقافي معين، ولكن أكثر ما جذبني في القراءة غير الممنهجة تخصصياً هو كلاسيكيات الفكر الماركسي وأدبيات اليسار الاشتراكي التي تيسرت مطالعتها بإقبال شديد بداية السبعينات من القرن العشرين في العراق.
أما كيف انتقلت إلى وزارة الخارجية وتعييني معاون ملحق ثقافي بلندن, فهي أني اجتزت اختبار معهد الخدمة الخارجية ببغداد عام 1984, بعدها أعارت وزارة التربية خدماتي الوظيفية إلى وزارة الخارجية وتم تعييني بوظيفتي الدبلوماسية بلندن عام 1986 ولغاية تموز عام 1990.
أما عن انتقالتي إلى باحث فلسفي فقد كانت طفرة نوعية ثقافية بدأت عام 2004 ونضجت بشكل لا بأس به منذ مؤلفاتي التي بدأت مع سلسلة كتاباتي الفلسفية التي صدرت عن دار (غيداء) بالأردن منذ عام 2017 تحديداً, فقد مارست قبلها الكتابة الصحفية المتقطعة في بغداد، وكان أغلب ما أرسله للنشر يرفض نتيجة السطو الثقافي عليه وانتحاله من قبل متنفذين وسرقته من قبل بعض ضعاف النفوس المنسوبين على الثقافة والإعلام بدون مؤهلات ثقافية حقيقية حيث كانت هيمنتهم على مرافق وزارتي الثقافة والإعلام ببغداد وقتذاك مطلقة تماماً مع كاتب مغمور.
في العام 2004 كنت أتوفر على مخطوطات خمسة كتب لا أجد من ينشرها لي لأني كنت ولا زلت انعزالياً عن الاختلاط بالوسط الثقافي الموبوء بكل سوءات التردي الثقافي القائم على النفاق والشللية وتبادل المجاملات الرخيصة ومحاربة الكفاءات الحقيقية، ولا زال الوضع على ما هو عليه إلى اليوم ليس بالموصل فقط بل في بغداد والعراق قاطبة، وإذا أردتم أن أكون أكثر صدقاً ضميرياً فأستطيع القول على مستوى الوطن العربي وليس العراق فقط يسود مشهده الثقافي، انحدار مهني لا أخلاقي ثقافي في تسويق التافه الرخيص بشتى وسائل التزوير والنفاق والعلاقات المشبوهة التي يصل بعضها ليس شراء الذمم بل وحتى ممارسات ما تحت حزام بنطلون الرجل وسرّة بطن المرأة في التكريمات والتلميعات لنكرات وتسليط الأضواء عليهم في صفقات تجري تحت الكواليس من شتى الأنواع وأبخس الوسائل الدنيئة والطرق المرذولة التي جعلت ثقافة الوطن العربي عامة تنزل ببطء منحدر نحو قاع الفقر المجدب ثقافياً وسط تلاطم أمواج هيمنة الازدواجية الثقافية.
ولم يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض إلا مع هيمنة الثقافة الالكترونية وانتشار الفضاء الافتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي والثقافي، فأصبح تحجيم الاعتياش الثقافي على الكذب غير المفضوح واقع حال لا يأمن أحد من الاصطدام بجداره. فلم يعد هناك مجال أن يبني الفاشلون من المثقفين والإعلاميين أمجاداً كاذبة يستطيعون تمريرها خارج نطاق محدودية شللهم المنافقة التي لا تمتلك سوى براعة المؤهلات في النفاق والكذب وتزييف حقائق الأمور.

الفكر الذي لا يعاديه أحد لا قيمة له

المجلة الثقافية الجزائرية: الفلسفة علم نحتاجه ولم نعطه حقه من الاهتمام، ومن يتتبع مسيرتك الثقافية يلاحظ انشغالك بهذا المجال وقضاياه, دعني أسالك ما الذي قادك إلى هذا الفضاء رغم غياب تأثير الخطاب الفلسفي في المجتمع العراقي؟
علي محمد اليوسف: أنا لم ادرس الفلسفة دراسة أكاديمية جامعية, وتوجهي نحو الفلسفة جاء انعطافة فكرية كانت تلازمني لاشعورياً بعد تجربة 30 عاماً في الكتابة الثقافية التي وجدتها تجربة خاسرة للكلمة الجادة في سوق تزييف كل ماله صلة بالثقافة الحقيقية الملتزمة كنت خلالها أفكر هل أواصل كتابة الشعر؟ هل أكتب قصة قصيرة أطمح بعدها إلى كتابة رواية؟ هذه الدوامة من التوهان والضياع الثقافي الذي توزعني من غير امتلاكي هوية ثقافية أدبية معينة بجنس تعبيري في سؤال أطرحه على نفسي بلا إجابة شافية أي من الأجناس الأدبية يلائم قدراتي الفكرية والثقافية؟ كل هذا جعلني أعود إلى مواصلة الكتابة الفلسفية استكمالاً لما بدأته في كتابي (فلسفة الاغتراب).
أما بالنسبة لعدم فاعلية الخطاب الفلسفي بالعراق فهي كنبات الصبار في صحراء ثقافية مقفرة؟ فكانت بمثابة تحد ثقافي مارسته بقصدية ناضجة بذهني لتعويض الغبن الثقافي الذي لازمني طيلة ثلاثة عقود في التعتيم على كتاباتي وسرقة غالبيتها, في محاربتي وحجب النشر عني ومعاداتي على الضلالة. فقد حاربتني مدينتي من منطلق الإسفاف الثقافي بكل عيوبه. وعادتني مؤسسات بغداد الثقافية ولحد اليوم في المشهد الثقافي بالعاصمة والمحافظات التي تقوم على اجترار إفلاس ثقافي من جهة ومحاربة أفظع منه ممارسة عدائية تقوم على الطائفية المذهبية الدينية في وجوب سيادة ثقافة التجهيل المبرمج سياسياً..
وأنا لا أستغرب أن لا يكون أعداء لكل مثقف يحمل بصمة ثقافية تقوم على رأسها الفلسفة التي هي غريبة الوجه واليد واللسان في العراق. مفهوم نخب ثقافية تعبر حواجز الإعاقة والمحاربة بمختلف الوسائل الخبيثة وتضطلع حمل رسالة ثقافية تخدم الحياة لا وجود لها بالعراق. الفكر الذي لا يعاديه أحد لا قيمة له لذا نجد ماله قيمة ثقافية عراقية استوطن بلاد المهجر. طبعاً أصعب الأمور على المثقف حين يجد حريته الإبداعية الثقافية بات يجدها خارج بلده. وهذا لا يلزم عنه التعميم فنجد من يحفر وجوده الثقافي بأظافر يديه في صخرة المعاناة ومحاربته الرخيصة.
وأود أن ألفت الانتباه إلى أنه لو لم تتبن مواقع الكترونية في أقطار المغرب العربي (إحداها المجلة الثقافية الجزائرية) نشرها كتاباتي الفلسفية وتقوم دار نشر أردنية (غيداء) طبع مؤلفاتي الفلسفية لكنت مغيباً عن الساحة الثقافية إلى اليوم.

مجال الفلسفة هو ما كنت أبحث عنه

 المجلة الثقافية الجزائرية: كيف كانت انتقالتكم نحو التخصص بالكتابة الفلسفية؟
علي محمد اليوسف: قبل عام 2017 صدر لي كتاباً جديداً عن دار (جرير) بعمان بعنوان (إشكالية الثقافي العربي /مغايرة التجاوز والتجديد) الذي بدأت فيه إرهاصاتي الانتقالية نحو الفلسفة. وكانت مواضيع الكتاب مناقشات نقدية فكرية في عرض توجهات المفكر الكبير محمد عابد الجابري في نقده العقل العربي في نقد مقارن لأفكار المفكر محمد أركون في نقده العقل الإسلامي.
بهذا الكتاب وجدت نفسي أكتب هوامش فلسفية وليس نقداً فلسفياً مقارناً خاصاً بوجهة نظري، الذي كان يعتمل في داخلي هاجس عميق لازمني أن مجال الفلسفة هو ما كنت أبحث عنه لأجد نفسي فيه بعد سلخ أكثر من ثلاثين عاماً أعتبرها اليوم ذهبت هدراً في تبديد طاقتي الثقافية في كتابة مئات المقالات وأكثر من عشرة مؤلفات لم تكن تمثلني ولم أشعر اليوم أنها كانت أكثر من إشباع رغبتي في النشر بعد حرماني منه طويلاً. بمعنى لم أكن امتلك منهجية في الكتابة على صعيد التجنيس الأدبي المتخصص بلون واحد وليس على صعيد الفكر المحسوم نحو اليسار الاشتراكي عندي كمنهج وليس عقيدة.
اليوم مثلاً عندما أتصفح كتابي (جهات أربع مقاربة في وحدة النص) الذي جمعت به قصائد شعرية لي زائداً قصص قصيرة زائداً لها مقالات نقدية أدبية ومقالات وخواطر ومقالات سياسية.. أجد المفارقة ليس بانفصامية العنونة مع المحتوى أو المتن, وإنما وجدت فيه تجميعاً في نمط من الكتابة التي لا يحتويها جنس أدبي مثل سيرة ذاتية أو ارهاصات في توليفة أدبية أجناسية ممكن أن تكون رواية. كانت هذه واحدة من تجاربي الثقافية التي لم أجد نفسي بها كما وجدتها بمؤلفاتي بالفلسفة.

اهتزت ثقتي بالكتابة ولكن..

المجلة الثقافية الجزائرية: قلت أنك في العام 2004 بعد تغيير نظام الحكم عن طريق الاحتلال الأمريكي للعراق كنت تمتلك خمس مخطوطات كتب لا تجد من ينشر لك منها فصلاً واحداً لا في صحيفة عراقية ولا مجلة وحتى على صعيد الوطن العربي, كيف تصرفت بها وما هي عناوينها؟
علي محمد اليوسف: فعلاً كان هذا واقع حال الإعلام والثقافة المتردي بمتوالية رياضية نازلة لا نهاية ولا قرار لها, لم أكن أحظى بنشر ما اكتبه سوى على فترات متباعدة, فوصلت حد اليأس النفسي واهتزاز الثقة في استمرارية الكتابة وقررت مع نفسي الإقدام على مسالتين أختبر بهما صحة قلقي النفسي الذي يلازمني الأولى: التحقق هل ما أكتبه لا يستحق النشر فعلاً بمقدار السطو عليه وسرقته بلا وازع أخلاقي ولا ضمير من أناس يعتبرون أنفسهم نخبة مجتمعية وهم في دواخل حقيقتهم في السلوك والهدف والوسيلة نفايايات مزبلة التاريخ، فأرسلت مقالة إلى مجلة الآداب اللبنانية ونشرت, مقالة كتبتها بخط يدي تحت عنوان الشعر الجديد والجمهور تناولت ظاهرة (الإبهام الطلسمي والتغريب الشعري) أبّان هوس شعراء الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين المحموم في تضمين الاجتزاءات الأسطورية والمناخات الاستشراقية في الركض اللاهث وراء تمجيد مقدسات ما يكتبه شعراء فرنسا وأمريكا وجميع دول العالم ممن نعثر على ترجمات عربية لهم لأي شاعر عالمي تترجم أعماله الأدبية الروائية أو الشعرية إلى العربية.
بالحقيقة كان إرسال مقالة أدبية إلى مجلة بوزن ومكانة مجلة الآداب البيروتية ونشرها صدمة لي لم أستطع استيعابها!! لأني وجدت نفسي بمقدار فرحتي بنشر المقال إلا أن الأهم هو كيفية الحفاظ على نجاح ضربة الحظ الذي فاجأتني!
وكانت صدمة لكل مثقف ناقد دعي يصول ويجول على صفحات الجرائد والمجلات العراقية والعربية وتكالبهم على تسلق أكتاف الانتهازية لتبوأ مناصب وظيفية يترتب عليها امتيازات وإيفادات وحياة ليلية باذخة حتى باتت بغداد تنافس الكويت في استقطابها العشرات من المثقفين العرب خاصة إبان فترة حكم السادات في بناء ثقافة تنسب لقطر عربي بعينه لم يسهم في تشييدها ولا مثقف واحد من مثقفي ذلك القطر العربي بل بجهود المثقفين العرب الوافدين لها.
وقمت بنشر خمس مخطوطات كتبي على نطاق محدود داخل مدينة الموصل طباعة ريزو على نفقتي الخاصة بنسخ محدودة جداً لأقطع الشك باليقين من حقيقة ما أكتبه ولو أني كنت أعلم أن هذا المعيار سيكون مقدماً في غير صالحي كونه لا يمتلك أخلاقيات المعيار النزيه ثقافياً.. وحصل فعلاً توقعي.
المسالة الثانية: التي جعلتني متأرجحاً في شكي النفسي بعد نشر مجلة الآداب لمقالتي العدد الحادي عشر عام 1972, أني أقدمت على امتحان ثان أطار من رأسي فرحة نشر مقالتي في لبنان هو أني قمت طبع مخطوطات خمسة كتب لي عام 2004 على نطاق مدينتي الموصل بنسخ معدودة وتمويل ذاتي. حيث كانت ردود أفعال الوسط الثقافي التي تأكدت لي في عدم الاكتراث لها يجعلني أعيد حسابات التوازن بين مقدرتي امتلاكي مؤهلات ثقافية, وعدم امتلاكها حين وجدت مخطوطات كتبي المحدودة النسخ على صعيد الموصل تضيع تماماً وسط ضجيج المزايدات الثقافية التي همّها الوحيد كيفية اقتناص فرص الحصول على امتيازات توفرها الصحافة والثقافة العراقية الحكومية التي كانت تبذخ بلا حسيب ولا رقيب على إعلام هابط إلى أدنى مستوى وثقافة شراء ذمم وضمائر بأسلوب الترغيب والترهيب والذي لم ينج بجلده بالهجرة طالته غياهب السجون وزنزانات الإعدام المرعب بوسائل وحشية..

حاولت اقتفاء أثر نزار قباني في الغزل ولكن..

المجلة الثقافية الجزائرية: لكن دكتور علي لم تقل لنا ما هي عناوين كتبك التي طبعتها بنسخ محدودة على صعيد مدينتك الموصل وما مصيرها لاحقاً؟
علي محمد اليوسف: كتابي الأول نشرته بعنوان: (سيسيولوجيا الاغتراب Alienation) عام 2004 كما ذكرت. وطبعته لي دار الشؤون الثقافية ببغداد لاحقا طبعة اولى عام 2011, وفي عام 2013 طبعته دار الموسوعات العربية بلبنان بعنوان (فلسفة الاغتراب.. قراءة نقدية منهجية في فلسفة الاغتراب). وتجدون مرفقات صور أغلفة الطبعتين ماعدا طباعته الطبعة الأولى على نطاق الموصل. ويطبع الآن طبعة رابعة تصدرها قريباً دار (غيداء) بالأردن.
الكتاب الثاني بعنوان (الحداثة إشكالية التوصيل والتلقي) طبعته لي لاحقاً أيضاً دار (الشؤون الثقافية) ببغداد بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013, ثم طبعته دار (روافد) ببيروت طبعة ثانية عام 2015 بالاشتراك مع دار ابن النديم. ولا أعتبر الكتاب الآن موفقاً في إيفاء عنونة الكتاب حقها بمنظور حداثي مرتكزه التحول اللغوي وفلسفة اللغة والمعنى..
الكتاب الثالث هو (العولمة بضوء نهاية التاريخ وصدام الحضارات) طبعته لاحقاً لي دار (دجلة) بعمان عام 2012. ولي ملاحظات عليه أذكرها لاحقاً.
الكتاب الرابع (جهات أربع مقاربة بوحدة النص) طبعته لي دار (دجلة) أيضاً عام 2016. ولي توضيح نقدي له تجدونه لاحقاً.
الكتاب الخامس مجموعة شعرية بعنوان (توهج العشق .. احتضار الكلمات) هذا الكتاب بالغزل جريت به اقتفاء أثر الشاعر نزار قباني ولاقى في طبعاته بالموصل إقبالاً شرائياً من جمهور طلبة جامعة الموصل والباحثين على كتابات رسائل غرامية ما جعلني اليوم أخجل مما كتبت بالغزل. ولا زالت مخطوطة الكتاب موجودة لا أجرؤ طباعتها لأني أعتبرها نوعاً من المراهقة الثقافية.
الإرادة الإنسانية تلعب الدور الحاسم في تصحيح انحرافات مسارات التاريخ

المجلة الثقافية الجزائرية كتابك العولمة في ضوء نهاية التاريخ وصدام الحضارات الذي طبعته لك دار دجلة 2015, هل كنت تحاول فيه تفنيد راي فرانسيس فوكو ياما في نهاية التاريخ, ونظرية صوموئيل هنتكتون في صدام الحضارات؟ أم كنت ترمي إلى غير ذلك به؟
علي محمد اليوسف: أود أن أعطيكم مرتكزات حفزتني على كتابتي العولمة بضوء نهاية التاريخ وصدام الحضارات وبروز ظاهرة الإرهاب وهي:
1. قرأت مقدمة رائعة كتبها الأستاذ الجدير دكتور سعد الشلماني أستاذ جامعة درم ونشرتها له مجلة (المستقبل العربي) بيروت 2012 يستعرض بها أربعة كتب صدرت (لبنيامين نتنياهو) باللغة الانكليزية يؤبن بها مقتل شقيقه (جوناثان) في عملية (عينتيبي) التي جرت في أوغندا حول تحرير رهائن يهود على يد ما أسماه (نتنياهو) الإرهاب الإسلامي ..عناوين الكتب بالعربية هي: كتاب محاربة الإرهاب: كيف تستطيع الديمقراطيات هزيمة الإرهابيين المحليين والدوليين./ كتاب الإرهاب: كيف يمكن للغرب أن ينتصر./ كتاب مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم. / كتاب الإرهاب الدولي: تحدي واستجابة: وقائع مؤتمر القدس حول الإرهاب الدولي.
2. الأهم من مقدمة دكتور سعد الشلماني الرائعة على صفحات مجلة (المستقبل العربي) أن (بنيامين نتنياهو) كان يستعرض في كتبه الأربع المذكورة عن الإرهاب الإسلامي القادم تنبؤات موضوعية سياسية بيقين يقرأ المستقبل العربي بمرآة أنه كان يعرف كيف سيتم انقلاب السحر على الساحر ويكون مرتكز تخريب الإرهاب الإسلامي القادم سيتم على وفق منهج دعا له (نتنياهو) قيام أميركا الاضطلاع بمهمة تصديره للعالم العربي والإسلامي وسط موجة من التعتيم الإعلامي والتضليل السياسي الذي كان يعمد تشويه الأمور بوسائل تشتيت ذهن المتلقي العربي في إضاعة الحقيقة مع من؟ وما هو تعريف الإرهابي بالضبط؟ خاصة حينما تكشفت خيوط تورط تمويل بعض الأقطار العربية لتنظيمات إرهابية إسلامية متطرفة كانت ترى فيها وسيلة تصفيات حسابات طائفية تقوم على المذهبية والانتقام من دول عربية بعينها..
3. أنا لم أسع بكتاب العولمة تفنيد مقولتي فوكوياما وهنتكتون بقدر سعيي في ذلك الوقت تحديد (هوية) الإرهاب عقائدياً – سياسياً، وما هي الأسباب الكامنة وراء ظهوره بأشكال ونسخ وهيئات سياسية ودينية مذهبية متداخلة مربكة.. ويبدو لي الآن أن ما ذكره (نتنياهو) في كتبه الأربع جرى تطبيقه على الأرض بغض النظر عن مقولتي فوكاياما وهينتكتون, بل برغبة أمريكية – إسرائيلية أدوات تنفيذها أنظمة عربية سهلت دخول تيارات إرهابية لتدمير أقطار عربية بعينها دون غيرها تحت مسميات شتى، ولم تستفق تلك الأنظمة الممولة المتواطئة مع الإرهاب إلا بعد وصول النار إلى أذيالها. وبانت حقيقة الإرهاب تصنيع أمريكي بتمويل عربي معد للتصدير في تخريب الوطن العربي والإسلامي وهو ما حصل في استفحال نفوذ دول جوار الوطن العربي على دعوة تقسيم الأقطار العربية ومحاولة ابتلاع تلك الأقاليم العربية المنقسمة والاستيلاء على مواردها النفطية وخيراتها.. ولا أنكر الدور الإيراني في هذا السيناريو والطمع المكشوف في نهب ثروات العراق من جهة. والإبقاء على عراق ضعيف تلهب به التدخلات الأجنبية من جهة أخرى.
4. أنا ذكرت بكتابي (العولمة) نقطتين هامتين جداً لم ينتبه إليهما أحد هما: عشوائية التطور التاريخي خارج مساريّ التنبؤ الماركسي, والتنبؤ الرأسمالي معاً, ودور (الصدف) المحوري في التأثير بعشوائية المسار التاريخي الذي يسحب النظريات والتنبؤات السياسية وراءه وليست النظريات تجر التاريخ وراءها ويتبعها هو.
النقطة الثانية التي ذكرتها وتبلورت عندي الآن بشكل يقيني أكدته أحداث التاريخ هو عدم إمكانية (إقفال) التطور التاريخي بمرحلة معينة، فالتاريخ سيرورة إنسانية دائمة لا تلعب فيها النظريات القبلية الدور الحاسم بل تلعب الدور الحاسم فيه الإرادة الإنسانية التي تقوم على تصحيح انحرافات مسارات التاريخ وتخليصه من التراجعات القاتلة على وفق مبدأ الفعل ورد الفعل، ولا توجد نظرية تستوعب مسار التاريخ وتحتويه بعد ثبوت خطل لعبة إقفال التاريخ في مرحلة معينة تسندها إيديولوجيا سياسية هو الجنون بعينه..

العولمة ولدت من صدفة عشوائية طارئة على الاستقراء التاريخي

 المجلة الثقافية الجزائرية: هل بإمكانك توضيح ما ذكرته حول دور الصدف في تغيير مسارات التاريخ وحول عدم إمكانية إقفال التاريخ في مرحلة معينة لا في منهج العقيدة الماركسية ولا في المنهج الرأسمالي؟
علي محمد اليوسف: غالبية النظريات وفلسفات التاريخ والمفاهيم الوضعية الحديثة وتفاسيرها في دراسة التاريخ البشري تذهب إلى أن مسار التاريخ التطوري تحكمه (غائية) أو غائيات مراحلية مصاحبة رافقته وقادته إلى حتميات معدّة على وفق حسابات إيديولوجية مرسومة له سلفاً سعى التاريخ الوصول لها.
وأكثر من ذلك عمد المؤرخون إلى زرع محفزّات تطوّرية ذاتية في ثنايا المراحل التاريخية, تشكّل إرادة شغّالة تلهم التاريخ التقدم إلى الأمام على وفق حتميات متنوعة مرجوّة وغايات مطلوبة لاحقاً. بمعنى مقارب أوضح أنه صار بمكنة المؤرخ كتابة تاريخ آخر مغاير للوقائع التاريخية بدوافع سياسية التي جرت وحصلت قيد البحث والدراسة حسب اجتهاده أو استنباطه قوانين شغّالة تحكم سيرورة وتطور التاريخ البشري في تطويع حقائق التاريخ لمنهجه التنظيري.
كان التفسير الجدلي الماركسي استقراءاً واستنطاقاً للتاريخ كماض اختط مساره, قبل اكتشاف قوانين المادية التاريخية وصياغة فلسفتها المعروفة, وتبلورها المتكامل في التطبيق الاشتراكي الشيوعي على وفق ديناميكية تحفيزية ذاتية حملها التاريخ في مساره التطوري الطويل لآلاف السنين أو يزيد, متجاوزة بذلك أية عشوائية أو سلسلة مصادفات أن يكون لها سبباً أو تأثيراً سلبياً أو إيجابياً في مسار تطور التاريخ عبر العصور. تفكك الاتحاد السوفييتي القديم بداية التسعينات هي نتيجة صدفة تراكمية رافقت إخفاقات إيديولوجية لازمتها لم يكن أحد يعيرها الاهتمام..
بمعنى أن التاريخ البشري كان محكوماً -حسب الماركسية- بالتطور الذاتي والموضوعي الطبيعي قبل اهتداء الماركسية اكتشاف تلك القوانين المادية الجدلية حسب أدبياتها الحزبية. وأن هذه المراحل التطورية أخذت نصيبها في التطبيق المراحلي الانتقالي من مرحلة إلى أخرى أكثر تطوراً وتقدماً في حياة الإنسان ووجوده كحتميات يجب أن تحصل في التاريخ البشري عموماً.
الملفت للملاحظة أن التفسير الماركسي (قفل) التطور التاريخي بمرحلة افتراضية في حتمية ووجوب انحلال الراسمالية الامبريالية لتعقبها المرحلة الاشتراكية الشيوعية, وهكذا تتوقف دورة التطور التاريخي وهو ما لم يحدث.. بالمقابل نجد أن الرأسمالية (المعولمة) هي الأخرى (قفلت) التطور التاريخي بنهاية التاريخ عولمياً من جانبها عقب استفادتها التاريخية المجّانية من تمزّق الاتحاد السوفييتي وانهيار النظام الشيوعي دراماتيكياً ونادت بعدها أنه لا تاريخ بعد العولمة الرأسمالية وأن العولمة هي نهاية التاريخ وأفول نجم وعصر الإيديولوجيات.
لم يكن وارداً في الاستقراء التنبؤي الماركسي أن ينهار النظام الشيوعي قبل انهيار الرأسمالية الإمبرالية, هكذا كان التفسير الاستقرائي الماركسي للتاريخ القائم على مركزية الفهم أن التطور البشري منذ العصور الأولى للبشرية, كان محكوماً بغائيات وحتميات وقوانين طبيعية تقود التاريخ قسراً وبمعزل عن إرادة الإنسان, قوانين ذاتية مصدرها الواقع المعيشي للبشر, ونضجهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي موضوعياً.
نخلص بإيجاز أن تطور التاريخ ماركسياً بنوع من الغائيات والحتميات كان مرتكزه التحفيز الذاتي الديناميكي الشغّال فيه باستمرار هو تطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي ومن ثم الثقافي أيضاً في قيادة إيديولوجيا السياسة له, هذا التفسير تم دحضه تاريخياً في بروز وانبثاق عصر العولمة وعدم انحلال النظام الرأسمالي الامبريالي, رافقه انحلال النظام الاشتراكي الشيوعي في منظومة الاتحاد السوفييتي القديم, وبذا تنتفي الحاجة لدحض ما سبق وتم دحضه تاريخياً واقعياً على الأرض, بالتنظير الإيديولوجي أو الفلسفي في الفكر والإيديولوجية ماركسياً.
من جانب آخر تلتقي العولمة مع الماركسية في اعتمادهما الغائية والحتميات في التفسير التاريخي من جهة وفي إقفالهما التاريخ المراحلي كلاً حسب احتياجاته السياسية، من جهة أخرى, الماركسية أوقفت التاريخ على رأسه بدلاً من قدميه حين اعتبرت الشيوعية آخر مراحل تطور التاريخ البشري. وكذا فعلت العولمة في اعتبار أنها تمثّل مرحلة نهاية التاريخ ونهاية عصر الإيديولوجيات وأنه لم تعد هناك حاجة ولا ضرورة لمرحلة تاريخية تلي العولمة وتعقبها.
العولمة لا تمثل صيرورة تاريخية في وصولها لحتمية تاريخية أوجدتها ومهدّت في انبثاقها, كانت متوقعة ومحسوبة لا بد أن يصلها تطور التاريخ البشري, بل ولدت العولمة من صدفة عشوائية تطورية نوعية طارئة على الاستقراء التاريخي الممنهج إيديولوجياً, ساهم بوجودها انهيار الشيوعية السوفييتية بشكل دراماتيكي غير متوقع. ولم تنبثق العولمة بعوامل تحفيز ذاتية اعتملت مع فاعلية الجدل الموضوعي بإيجادها تاريخياً. إذ كان النظام الرأسمالي حينها يراوح بمشاكله, ولم تدب به الحركة إلا بعد انهيار النظام الشيوعي, لتأخذ العولمة دورها المتفرد في الهيمنة في غياب الند والمنافس. يمكنكم مراجعة مقالتين لي تعطي تفاصيل أكثر الأولى بعنوان (وهم نهاية التاريخ) والثانية ( الإيديولوجيا و نهاية التاريخ الغائي) لا يسعني المجال هنا الدخول يها.

التاريخ هو إرادة صنع الإنسان للحياة في جريانها المستمر وستبقى

 المجلة الثقافية الجزائرية: هل لا زلت تؤمن بأرجحية الصدف سبباً قوياً في انحرافات مسار التاريخ ووضعه في مسار عشوائي؟ وكيف برأيك يتطور التاريخ خارج النظريات المعدّة سلفاً؟
علي محمد اليوسف: نعم باختصار شديد تحسباً لتقيدي بمساحة الحوار الممنوحة لي أقول لا يوجد مسار غائي يحكم التاريخ في تطوره إلى الأمام, ولا توجد نظرية تتجاهل تداخل الصدف غير المحسوبة في صناعة التاريخ خارج كل الحسابات التي ترى تقدم التاريخ الذي تتخلله طفرات نوعية لا تلعب الصدف دوراً مزدوجاً بمساره، فإما أن تكون الصدف عوامل موضوعية تعمل على تسريع مسار التاريخ إلى الأمام وإما أن تكون الصدف التي تقاطع مسار التاريخ تمثل عوامل إعاقة لتقدمه الخطّي إلى الأمام.
حتماً سيكون هناك تساؤل إذاً: ما هو المحرك الأول في تصحيح مسارات التاريخ العشوائية المنحرفة؟ قبل إعطاء رأيي أود الاستطراد البسيط التالي: الماركسية في محاولتها تخليص التاريخ من عشوائية الصدف ذهبت إلى أن الصدف ملزمة بضرورات تقدم التاريخ الخطي إلى الأمام وهو تقدير نظري تبريري خاطيء, والنظام الرأسمالي أقر بالصدف التي اعتبرها ضرورية في ملازمتها التاريخ لكنها ليست من الفاعلية التأثيرية في حرفها المسار الرأسمالي المتطور على الدوام، وأقصر الطرق التي عمادها الاقتصاد السياسي والإيديولوجيا كما الحال في الماركسية حينما أقام ماركس تطور التاريخ في كتابه (رأس المال) اعتماده الاقتصاد السياسي الذي تقوده إيديولوجيا الحزب الشيوعي الواحد. الرأسمالية ليست بمنجاة من مصيرها الأسود القادم الذي ينتظرها وملأت فضائح التضليل الرأسمالي اليوم أرجاء المعمورة. إن النظام الرأسمالي غاطس بالأزمات التاريخية التي تقوده نحو حتمية التفكك كما جرى للاتحاد السوفييتي القديم ليس شرطاً ملزماً على صعيد تمزيق جغرافي..
أرجو الانتباه جيداً عندما أقول أن الصدف تلعب دوراً محورياً في صناعة حياة الإنسان ومسار التاريخ لأنه لم يتبق أية عوامل تساعد التاريخ على التقدم إلى الأمام لكن أمر سريعاً على بعضها:
– الإرادة الإنسانية التي تمتلك حسّاً تاريخياً إن التاريخ سيرورة دائمة تحكمها إرادة الإنسان في تصحيح الانحرافات الداخلة على مسار التاريخ هي الفاعلة بتقدم التاريخ وتخليصه من العشوائية. التاريخ لا يتطور بمعزل عن إرادة الإنسان في وجوب انتقالاته النوعية.
– التاريخ هو الحياة ولو كانت باستطاعة الظروف الضاغطة على مسار التاريخ أن تتمكن منه لأصبحت البشرية إلى اليوم تعيش العصر الزراعي أو ما دونه. التاريخ هو إرادة صنع الإنسان للحياة في جريانها المستمر وستبقى. ربما أخرج عن السياق العادي بالقول: إن الإنسان بمقدار صنعه الحياة فهي لا تتوانى عن صنعها له. الحياة هي كما الطبيعة بمقدار فرضها التكيّف على الإنسان بمقدار ما تمنح الإنسان وسائل سيطرته عليها.

المثقف العربي مهتم بإثبات وجوده النرجسي..

المجلة الثقافية الجزائرية: برأيك ما أهمية أن يدرك المثقف العربي حركة التاريخ في بلادنا التي تعاني من جهل وتخلف وتغييب وعي؟
علي محمد اليوسف: أرجو أن أكون واضحاً بما فيه الكفاية أمام الحقائق التي اصطدم بها وربما تكون لا تلازم تفكير غيري أيضاً:
1. من دون تجني لا على المثقف العربي ولا على حركة تاريخنا العربي أقول لا توجد لدينا إمكانية ثقافية لا تصطرع مع غيرها من وجهات نظر فكرية في التنافس الاحتدامي بين طرفين أو أكثر في محاولة خوض معركة الاختلاف المتطاحن من أجل تسفيه أحدهما رأي الآخر. في غياب التفكير كيف نصنع تاريخاً معاصراً؟ في هذه المعادلة الاصطراعية الثقافية يغيب هاجس اهتمام المثقف تفكيك حركة التاريخ بقدر الاهتمام بإثبات الوجود الثقافي النرجسي ولا أقول الذاتي..
2. صناعة تاريخ بمقومات حضارية لا تحتاج كاريزما ثقافية بل تحتاج كاريزما سياسية بمؤهلات قيادية, لذا أجد أن المثقف العربي لا يمتلك كمثل السياسي الفاشل مهمة قيادة شعب مغيب الوعي غاطس في التجهيل الخرافي الممنهج. إلقاء اللائمة على السياسي الحاكم في غمط وتغييب دور المثقف هو تعليق العجز الثقافي على شماعة الحاكم السياسي الفاشل. وكلاهما فاقد الشيء لا يعطيه.
3.تفاؤلي الوحيد في أن نتمكن صناعة تاريخ حضاري عربي مادته شعب يعرف دوره بالحياة هو أن نحقق معجزة كان المفكر محمد أركون دعا لها. البداية في نقد العقل العربي الإسلامي بمبضع جراح كي تكون بداية خروجنا من القرون الوسطى العربية التي نعيشها بأريحية قدرية مكتوبة علينا بتضليل وصل حد العظم.. الشعوب التي لا تمتلك وعياً تاريخياً تصنعه بقدراتها لا ينفرز عنها قادة سياسيين ونخبة ثقافية تجمعهما رغبة واحدة في بناء تاريخ معاصر.

المثقف التنويري تستهدفه سيوف الجلادين

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل تعتقد أن المثقف العربي أو التنويري اخفق في تفكيك التاريخ وبالتالي بتصفيته من التشوهات والمبالغات؟
علي محمد اليوسف: المثقف التنويري العربي الذي فضح وكشف الزيف في مجمل مناحي الحياة العربية هو ذلك المثقف مشروع الشهادة الذي استهدفته وتستهدفه سيوف ثلاثة جلادين عتاة هم سيف الجلاد السلطوي الحاكم الغاشم, وسيف المجتمع الجاهل المغيّب الوعي, وأخيراً سيف المثقف المأجور الذي يناوءه التفكير في بناء أمجاده الثقافية وترك التاريخ يصنع نفسه ذاتيا بعشوائية واستبداد الحاكم والجماهير التي تستمرئ التخلف والجهل..
أجد فرقاً كبيراً بين مفكر تنويري عاش معاناة شعبه الكارثية وضم أوجاعهم بالفقر والمرض والتشرد, وبين مثقف غير عضوي بتعبير (غرامشي) يسعى لبناء أمجاده الثقافية الكاذبة فقط. أضرب لكم مثلاً حين قام الجنرال الدكتاتور (أوجست بينوشيه) بانقلابه العميل لأمريكا على نظام (سلفادور اليندي), انهالت على الشاعر الكبير (بابلو نيرودا) رسائل دعوة لجوء سياسي من عديد من رؤساء دول العالم لكنه رفضها جميعهاً ورأى فيها إهانة له وليس تكريماً له. كم مثقفاً تنويرياً عربياً عدا قلة قليلة ينطبق عليها في أدنى الدرجات تجربة نيرودا؟! ثمة فرق كبير بين مثقف عربي يعيش التاريخ لينقيه من كل خرافات التجهيل والتضليل والأكاذيب. وبين من يدعي التفكير بمصير شعبه التاريخي وهو مقيم في إحدى عواصم العالم يكتب بأريحية سياحية.
كي نصل عتبة الحداثة..

 المجلة الثقافية الجزائرية: كتابكم (الحداثة .. إشكالية التوصيل والتلقي) طرح الحداثة والعولمة كمفاهيم متداخلة بكل معالجاتها الفكرية والتاريخية والإيديولوجية, ولكن برأيك ما العوامل التي تعترض طريق الحداثة ومستقبل الشعوب العربية؟
علي محمد اليوسف: أستطيع الآن تصنيف هذا الكتاب على أنه كتاب في النقد الأدبي القائم على الإيديلوجيا السياسية اليسارية القائمة على ثيمة الالتزام بالأدب. انعطافة الحداثة في الشعر العربي منتصف القرن العشرين كان نزوة حداثية لا تعرف هدفها بالأخص إذا ما كان التجديد الحداثي الشعري الذي جرى في الخروج على نظام القصيدة العمودية وصلت إلى طريق مسدود في قصيدة النثر ولم تكن استجابة تلبية حاجة تحديثية يحتاجها المجتمع العربي الذي تمثل نسبة الأمية الأبجدية فيه أكثر من أربعين بالمائة, وفي مجتمع عربي يتشكل وعيه الجمعي من تركيبة دينية في تغليب كل ما هو محسوب على التراث يعتبر من المقدسات في تحريم المساس به.
لذا نجد ما قام به السياب ونازك الملائكة وآخرين في كسرهم عمود الشعر لاقى استجابة فورية في نقل الشعر العربي بلبنان إلى نمط شكلانية الموروث السائد فرنسياً في تيارات شعرية أدبية وفنية تتزعمها مثل البرناسية والدادائية والسريالية ذات الحاجة المجتمعية لها في بلدانها, وفي محاولة رواد التجديد العربي إلباس الواقع العربي هذه التقليعات المستوردة المقطوعة جذور الاستنبات عربياً. حتى وصل الإقبال على الشعر أدنى مستوى له بمعيار التلقي الذي كنت حذرت منه في مقالتي التي نشرتها مجلة الآداب لي بداية السبعينات. وجاءت نظريات فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية فائض معنى النص لتأكيد حقيقة لا يوجد قيمة لنص يفتقد استقبالية التلقي.
أما ما هي الأسباب التي تمنعنا دخول المرحلة البدئية الأولية من الحداثة مجتمعياً تاريخياً حياتياً فهذه إشكالية أخذت من تاريخ الأمة العربية قرنين من الزمن 19 و 20. راجعوا الاحتكام مثلاً في دعوة المفكر محمد أركون دعونا نبدأ الحداثة بنفس المسار الذي سارت عليه أوربا, نبدأ في نقد العقل الإسلامي الديني – ولم يقل نقد العقل العربي الذي قال به محمد عابد الجابري وهو الأصلح بنظري من ناحية واقعية المقومات– وتشذيب تراثنا بما علق به من مغالاة نموذجية, وأكاذيب وخرافات, لنصل مرحلة العلمانية في ترك الحياة تسير بمجراها المعاصر.
ما طرحه أركون كان سلخ قبله من اجتهادات المفكرين العرب والإسلاميين قرناً كاملاً هو القرن العشرين -ولا أقول منذ القرن التاسع عشر- في وجوب إصلاح الفكر الديني الاجتهادي الوضعي وليس الدين بثوابته المقدسة الإلهية المعروفة.
طالب جميع المفكرين والمصلحين على امتداد الوطن العربي تحرير الاجتهاد الديني من سجن رجال الدين وخلفهم قطيع الجهل والتجهيل الممنهج من حملة لواء تغييب الوعي الحداثي في مرتكز الاستمساك الأعمى بمصطلح الهوية والتراث.
أطلق جورج طرابيشي مصطلحاً اسماه (مذبحة التراث) في إشارة إلى أنه لم يوجد مفكر عربي لم يكن طرفاً بهذه المذبحة, في تنافس ظاهره كيف نجعل من التراث وسيلة تحقيق حداثة, لا أن نجعل منه وسيلة تعميق تغييب مجتمعاتنا عن الحداثة والمعاصرة. وفي حقيقته كانت مذبحة التراث لا علاقة لها في استنبات حداثة عربية بملامح معاصرة. ولكن كيف نملأ مكتباتنا العربية بمؤلفات تراثية وجامعاتنا بأوصياء أساتذة من حملة (دال) يفكرون كيف يبنون لهم أمجاداً ثقافية تاريخية كاذبة في مناطحة غيرهم في مبارزة أيهما يقدر تسفيه الرأي المقابل خارج منهجية الحداثة. وبرأيي المتواضع -الذي ربما سبقني به العشرات- لكي نصل عتبة الحداثة لا بد من التسليم بما يلي:
– لا عصمة ولا قدسية لأي اجتهاد وضعي يكتبه رجال دين يريدون بعث الأموات من قبورهم ليحكموا الأحياء في دنياهم.
– لا يمكن خلق أجيال تتوارث رغبة المعاصرة بالحياة إلا من خلال البدء بمراجعة جميع مراحل التعليم من الابتدائي وصولاً إلى الجامعي. على صعيد إعداد الأساتذة ومناهج التعليم ومواد المعرفة العلمية المواكبة للعصر.
أفكار الفلاسفة ليست مقدسة ولا معصومة من الأخطاء

الثورة الأولى على أفكار أرسطو التي أدخلت أوربا في القرون الوسطى نقلت الفلسفة إلى فضاء آخر يهيمن عليه العقل والعلم

 مجلة الثقافية الجزائرية: في رصيدك الإبداعي العديد من المؤلفات الفلسفية المهمة كنتاج جهد فكري عميق, لكن ضمن عملية البحث في مفاهيم الثقافة الفلسفية وأسئلة المعرفة والوجود, ما الذي وصل له التفكير الفلسفي لعلي محمد اليوسف؟
علي محمد اليوسف: لاحظتم من خلال نشر موقعكم الأغر أني أسابق الزمن بالنشر والسبب هو تأخر ظهور طاقتي الفكرية بالفلسفة خارج الأجناس الأدبية والمقالات السياسية التي أخذت من جهدي الثقافي الذي أعتبره ضائعا أكثر من ثلاثين عاماً ليس على صعيد كتابة مقالات بل حتى على صعيد مؤلفاتي غير الفلسفية.
مسيرتي الثقافية الحقيقية بدأت العام 2004 وقد أوضحت لكم كيف كانت ظروفي حين أقدمت على طباعة خمس مخطوطات لمؤلفاتي على نطاق مدينتي الموصل. وكي لا أدخلكم معي بتفاصيل لا يحتملها المقام, أول كتاب فلسفي (سيسيولوجيا الاغتراب… قراءة نقدية منهجية في فلسفة الاغتراب) أصدرته لي دار الشؤون الثقافية ببغداد عام 2011, بعدها عام 2013 صدر طبعة ثانية عن دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013. ويصدر قريباً طبعة ثالثة قريبً عن دار (غيداء) بالأردن .
بعد ـربع سنوات أصدرت لي دار جرير في عمان كتابا بعنوان (إشكالية الثقافي العربي/ مغايرة التجاوز والتجديد), وكان محتوى الكتاب موزّعاً بين الفلسفة والفكر والمقالة. في مجال الفكر ركزت بعرض نقدي مقارن الاختلاف في مفهوم مشروع النهضة العربية بين المفكر محمد عابد الجابري في مرتكزه (نقد العقل العربي) وزميله المفكر الجزائري محمد أركون في مرتكزه على نقد (العقل الإسلامي) مقتفياً آثار الحداثة الغربية منهجياً.
بعد هذا الكتاب قررت بشكل نهائي التوقف عن الكتابة في الأجناس الأدبية أو المقالات السياسية والتوجه نحو الفلسفة بعد امتلاكي ذخيرة فلسفية لا بأس بها, فتوالت إصداراتي بالفلسفة عن دار (غيداء) بالأردن الذين اهتموا بمؤلفاتي ومن بين تلك الإصدارات الفلسفية:
الوجود والعقل في التفكير واللغة.
مناظرات نقدية في الفلسفة والفكر.
قضايا فلسفية معاصرة بضوء المنهج المادي الجدلي.
الفلسفة والوعي / فلسفة العقل ونظرية المعنى.
فلسفة اللغة مداخلة نقدية.
نقد في الفلسفة الغربية المعاصرة.
مأزق التحول اللغوي في الفلسفة المعاصرة.
الكلمات ومحمولات المعنى
ولي تحت الطبع:
الزمان والفلسفة .
الدين والفلسفة.
من خلال قراءاتي وكتاباتي الفلسفية وجدت حقيقة لا أستغربها أن مجال الكتابة بالفلسفة وتاريخ الفلسفة عموماً لم يكن ولن يكون معصوماً من الأخطاء بعضها قاتلاً. وبالنسبة لي كنت أتدارك باستمرار أخطائي التي غالباً ما أجدها شبحاً يلازمني.
بماذا حاولت التمايز البحثي في مجال الفلسفة عن غيري؟ الإجابة الضافية ذكرتها في مقدمات كتبي مراراً وتكراراً. مؤلفاتي لا تتمركز حول عرض الموضوع الواحد عند فيلسوف معين, بالنسبة لي خرجت عن هذا القالب الكلاسيكي بمسألتين: الأولى كل كتاب عندي يحتوي من المواضيع المتنوعة المختلفة المتعددة تحاشيا الانزلاق الدوران حول موضوع واحد عند فيلسوف معين الذي يكثر فيه الحشو الزائد والخروج على مركزية العنونة التي أعلن عنها الكاتب. لم أكتب سير ذاتية لفلاسفة باسم الفلسفة.
المسألة الثانية التي أتمسك بها موجود ضمن محتويات مقالاتي ومؤلفاتي وهو المنهج النقدي المادي الذي أعتمده ولا أحيد عنه في بحثي عن الحقيقة. ولا أعطي ثقتي المطلقة بما أقرأه. أفكار الفلاسفة ليست مقدسة ولا معصومة من الأخطاء ليس فقط بسبب تقادم الزمن عليها بل حتى في مقاييس عصرها.
أما عن حصيلة جهودي الفكرية البحثية بالفلسفة, فأود الاستطراد قليلاً لأقول: حين غادر تاريخ الفلسفة الموروث الذي عاشه عصورا طويلة في معالجته قضايا اغلبها أكتشف لاحقا ضحالتها وهامشيتها, كانت الثورة الأولى على أفكار أرسطو التي أدخلت أوربا في القرون الوسطى نقلت الفلسفة إلى فضاء آخر يهيمن عليه العقل والعلم, والثورة الثانية جاءت بالخروج على تعاليم ديكارت حين اعتبر جوهر الفلسفة هو العقل في الحصول على المعرفة.
ديكارت رغم الترويج المبالغ فيه فإن اعتباره (أبو الفلسفة الحديثة) هي واحدة من المطبات التي وقعت بها الفلسفة كتاريخ, حيث أراد ديكارت الجمع بين العقل والعلم والدين والإنسان في توليفة واحدة غير قابلة التسليم بصحتها بخلاف بيكون الذي كان علميا بجدارة خارج المآخذ على سيرته الشخصية.. ديكارت الذي نادى أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ تفكير العقل السعي الحصول على المعرفة. جاءت الثورة على أفكاره الفلسفية من قبل فريجة ودي سوسير في التحول اللغوي عام 1905 الذي أمسك به فينجشتين قوله تاريخ الفلسفة هو تاريخ (نقد) معنى اللغة ليتبلور المفهوم إلى فلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى وعلوم اللسانيات عامة.
برأيي من خلال متابعتي المحدودة وجدت فلسفة اللغة وما انبثق عنها من تيارات فلسفية لتصبح فلسفة اللغة هي الفلسفة الأولى بعد منتصف الخمسينات من القرن العشرين, أقول أنها أي فلسفة اللغة أدخلت تاريخ الفلسفة بانعطافة متاهة لم يجد الفلاسفة المحدثين طريق الخلاص منها.
رغم أن الفلاسفة الأميركان اشتغلوا على فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ونظرية فائض معنى اللغة خارج مركزية الابستمولوجيا, لكن بفرق جوهري كبير أن الفلاسفة الأميركان وقبلهم الانجليز أصحاب الوضعية التحليلية المنطقية, إنما كانوا جميعهم مستندين إلى مرجعية ثابتة لديهم لا يجوز الخروج عليها هلي الفلسفة البراجماتية الأم.
الأهم أن الفلاسفة الأميركان لم يعلقوا ثغرات وأخطاء تاريخ الفلسفة على مشجب خيانة اللغة التعبير عن المعنى. لذا في تقديري المتواضع أنه بمقدار ما وصلته فلسفة اللغة من مرتبة هي قمة تاريخ الفلسفة اليوم إلا أنها إلى زوال حتمي ليس بسبب التقادم الزمني عليها بل لأنها أصبحت فلسفة تنجب قضايا فلسفية وهمية وغير رصينة تتسم بالفنتازيا والتضاد داخل التيار الفلسفي الواحد. رغم كل ذلك أنا لست مع مقولة عالم الفيزياء غير الفيلسوف ستيفن هوكنج العبقري في مجال الفيزياء أن :”الفلسفة ماتت ولا مستقبل لها أمام تقدم منجزات العلم”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق