حوارات المجلة

الشاعر العراقي عدنان الصائغ للمجلة الثقافية الجزائرية:

عبرتُ بحارَ المنافي بزورق القصيدة..

أجرت الحوار: باسمة حامد

يعتبر الشاعر العراقي عدنان الصايغ من الأصوات المميزة في عصرنا الراهن، فهو مبدع مثقف متنوع الأساليب الشعرية، أضاء بشكل خاص على غربة الإنسان العربي داخل وطنه وخارجه مستثمراً تجربته الذاتية مع الغربة كشاعر غادر بلاده مضطراً نتيجة الظروف السياسية منذ العام 1993 كغيره من شعراء جيله متنقلاً بين عدة بلدان عربية وأجنبية.
ضيفنا حاصل على عدة جوائز عربية ودولية وهو عضو في اتحاد الكتاب العراقيين والعرب، ومنظمة الصحفيين الدولية، واتحاد الكتاب السويديين ، ونادي القلم السويدي. وله الكثير من الأعمال الشعرية والنثرية تُرجمَ أغلبها إلى لغات مختلفة، ومن أعماله نذكر: “نشيد أوروك”، “تأبط منفى” ، “تحت سماء غريبة” ، “غيمة الصمغ” ، “خرجت من الحرب سهواً”، “السماء في خوذة”، “اشتراطات النص الجديد”، “حديقة النص”، وعبر كل تلك الأعمال وغيرها نجح الصايغ بتقديم كل ما يلزم القارئ من ابتكارات أدبية وجماليات بصرية ولغوية وتعبيرية استثنائية في تفاصيلها وتقنياتها وزخمها المعرفي.. ولعله ليس من المبالغة القول بأن هذه التجربة الإبداعية تستحق الكثير من الدراسة باعتبارها مساحة جميلة للمعرفة والحرية، للحلم، للحب، للتراث، للحكاية، للتاريخ والوطن، للماضي والمستقبل.. في هذه المساحة من السؤال والجواب تتوقف المجلة الثقافية الجزائرية مع عدنان الصايغ المبدع الشغوف الذي لا يشبه إلا نفسه بمناسبة صدور عمله الهام “نرد النص”:

حين ضاقت مساحة الوطن

(بورتريه للشاعر عدنان الصائغ) للفنان ستار كاووس (هولندا)

المجلة الثقافية الجزائرية: عقود طويلة مضت وأنت بعيد عن العراق بلد “المجاعات والنفط” كما أسميته.. كيف واجهت حالة البُعد والاغتراب في المنفى؟ وما دور الذاكرة في هذه المواجهة التي تتطلب قوة نفسية ووعي معرفي كبيرين؟
عدنان الصائغ: الوطن؛ أولاً وأخيراً هو ليس مكان الولادة في سجلات النفوس، بل هو فضاء الحرية الذي يمنحك قيمةَ أن تكون انساناً حرَّاً، تعمل وتفكر وتأكل وتقرأ وتحاور وتحتج وتقتنع وتعشق وتحلم.
لهذا شددتُ الرحال – مطالع التسعينات من القرن الماضي – كما الملايين حين ضاقت مساحة الوطن أعني: الحرية، أكثر وأكثر حتى لمْ… وتجيبك إحدى القصائد، فالشعر – كما أجده في كثير من الأحيان – أكثر تغلغلاً وصدقاً ودقة في الإجابة منّي:
“أَذكُرُ كنّا نجوبُ الشوارعَ
نَحْلُمُ في وطنٍ بمساحةِ كَفِّي وكَفِّكِ
لكنَّهم صادروا حُلْمَنا..
ها أنا الآنَ، أنظرُ من شقِّ نافذةٍ
للشوارعِ
وهي تَضِيقُ..
تَضِيقُ
تَضِيقُ
فأبكي…”
وفي مقطع آخر:
“.. أَصرُخُ منكمشَ الروحِ في جوفِ قنينتي
ولكنَّهم من وراءِ الزجاجةِ
لا يسمعونـ…(…ـني.
ألوّح للأصدقاءِ:
خذوني،
فما ظلَّ لي من هواءٍ هنا،
لمْ يعد كافياً
كلّما مرَّتِ الطائراتُ تسرَّبَ من رئتي وطناً من دُخانٍ نبدّدُهُ حسرةً، حسرةً، في السجائرِ والنأي والناي
لي كلُّ هذا الخراب الذي يتمدَّدُ تحتَ قميصي”.
أعود فأقول حين وصلت المنفى الأول عام 1993، فُوجئت بأعداد المهاجرين من أبناء وطني وأوطاننا العربية الأخرى، عبر الهجرات المتلاحقة خلال حقب السنوات والانكسارات من تاريخنا المعاصر.
أما اليوم ونحن في 2022 فقد غصّتْ منافينا بالهجرات العربية، كما غصّت البحار بالغرقى وسفنهم المطاطية وهم يحاولون اجتياز حدود القهر والموت.
لماذا حدث كلُّ هذا؟!!
لأن كل ما يتمناه المرء: “الشمسُ أجملُ في بلادي”، والأنهار، والبحار والصحاري، والجبال، والسهوب، والخيرات، والنفط، والتاريخ، ومنبع أولى الحضارات والأديان، وإلخ. لكن ما ينقصُ أوطاننا هو الحرية. وفقدان الحرية أثر كثيراً في دفعنا بعيداً عن عجلة التقدم والنمو، فركدنا في برك التخلف والخرافات وفي الصراعات السياسية والدينية والطائفية، إلى يوما هذا. ولا من جديد عدا ومضات الأمل هنا وهناك لكنها سرعان ما تُسحق.. ومع هذا فالأمل لا ولن يموت أبداً.
“هل خطأٌ أنْ نُحِبَّ الحياة!؟”

أنا الآن حرٌ تماماً

المجلة الثقافية الجزائرية: ما بين الكوفة مسقط رأسكَ، ومنفاك في السويد، وبريطانيا أخيراً، مسافات شاسعة.. كيف تعبرها؟
عدنان الصائغ: عبرتُ بحارَ المنافي بزورق القصيدة، تقلِّبني الأمواج تارةً، ورياح الحياة تارة أخرى. فالشاعر لا يملك من حطام الدنيا غير قصيدته؛ بيتاً، وشراعاً، وصليباً.
وقبلها عبرتُ حرائقَ الحروب ورماد الحصارات، وخلال ذلك عراك الأحزاب والأديان و”المثقفين” والطوائف. مؤمناً بالرب وحده، بلا أبواق وبزنس. ومؤمناً كذلك بالوطن والعالم والإنسانية والثقافة والقصيدة. وها أنا الآن حرٌ تماماً. أرى المشهد كاملاً، بعينين دامعتين صافيتين.
لقد منحت هذه الرؤية لقصيدتي أفقاً متسعاً وحريةً كاملةً، للاطلاع والبحث والفحص والمراجعة الشاملة لكل تراثنا وتاريخنا العراقي والعربي والإنساني. وقد تجلى ذلك أكثر في عملي الأخير “نرد النصّ” وقبله “نشيد أوروك”.

وسادتي الأرصفة.. وطني القصيدة

المجلة الثقافية الجزائرية: تجربتك الشعرية بعمومها تعبّر عن حالة الإنسان العربي المنفي داخل وطنه وخارجه.. لكن لو أراد الشاعر العراقي عدنان الصائغ تأريخ سيرته الذاتية شعراً ماذا سيكون عنوانها؟!
عدنان الصائغ: “أنا شاعرٌ جوّاب
يدي في جيوبي
ووسادتي الأرصفة
وطني القصيدة
ودموعي تفهرسُ التاريخَ
أشبخُ السنواتِ والطُرُقاتِ
بعجالة مَنْ أضاعَ نصفَ عُمرِهِ
في خنادقِ الحروبِ الخاسرةِ والزنازين”
……………
“…………..
وطني حزينٌ أكثر مِمَّا يجب
وأُغنياتي جامحةٌ وشرسة وخجولة
سأتمدَّدُ على أولِ رصيفٍ أراهُ في أوربا
رافعاً ساقيَّ أمام المارّةِ
لأُرِيهم فلقاتِ المدارسِ والمعتقلاتِ
التي أَوْصَلَتني إلى هنا
ليس ما أَحمِلُهُ في جيوبي جوازُ سفر
وإنَّما تاريخُ قهر”

المرأة هي عالمي الشعري المدهش

المجلة الثقافية الجزائرية: المرأة هي القصيدة في نصوصك.. كيف أسهمتْ بثراء تجربتك الشعرية؟
عدنان الصائغ: المرأة هي عالم الشاعر المترامي الجمال والدهشة والإلهام. كانت معي في كل محطات حياتي، وتشرداتها؛ حلماً فريداً لا يمكن الإمساك به.
في تفتح سنوات الصبا وما بعدها: كانت المدرسةَ الأولى، والأغنيات الأولى، والمسرّات الأولى، والملهمةَ الأولى، والمنهل الذي لا ينضب. فكان “انتظريني تحت نصب الحرية” 1984، و”أغنيات على جسر الكوفة” 1986.
وفي تلك السنوات المرّة العاجة بالحروب والدكتاتوريات والحصارات: كانت الملاذ والسمير، والسند والمحفز معاً في المواجهة والتحدي، فكان “سماء في خوذة” 1988 و”مرايا لشعرها الطويل” 1992، وقسم كبير من “نشيد أوروك”.
وفي سنوات التشرد والصقيع والغربة، كانت الخمر والخبز والشعر، ورفيقة الترحال. فكان “تحت سماء غريبة” 1994، و”تكوينات” 1996 و”و…” 2011 والقسم الآخر من “نشيد أوروك، و”نرد النص” 2022.
وبين تلك الدواوين تتموج وتتداخل المرأة في قصائد ونصوص أكثر من أن تُعدّ.
وتظل ذلك المعين، والإلهام، والشمس التي لا تخبو.
“سأقولُ لكلِّ الشوارعِ: إنِّي أُحِبُّكِ
أهمسُ للعابراتِ الجميلاتِ فوق مرايا دمي المُتكسِّرِ:
إنِّي أُحِبُّكِ
للياسمينِ المشاغبِ،
للذكرياتِ على شُرفةِ القلبِ:
إنِّي أُحِبُّكِ
للمطرِ المتكاثفِ،
للواجهاتِ المضيئةِ،
للأرقِ المرِّ في قدحِ الليلِ،
للعُشْبِ،
للشجرِ المتلفّعِ بالخوفِ،
للقمرِ المتسكّعِ تحت جفونكِ: إنِّي أُحِبُّكِ…”
……………
…………..
“صرختُ حزيناً: يا وطني
فارتجَّتْ جدرانُ الزنزانةِ: يـ…..ـا!!…….
واقتسمَ الحرّاسُ بقايا الأحرفِ
والتبغِ المخبوءِ ببطانيَّةِ إحدى المسجوناتِ قُبيلَ الإعدامِ…
صرختُ أُحبّكَ يا دمعَ النجماتِ على سفحِ الجبلِ المحروثِ بدوشكاتِ الجندِ،
أُحبّكَ يا بوحَ البرعمِ تحتَ قميصِ التلميذةِ،
يا أشعاري الممنوعةَ، يا أضلاعي الموقودةَ
فوقَ الجسرِ مصابيحاً، يا ميمَ الحلوة،
يا ألقي وجنوني وبكائي،
يا نهرَ طفولتِنا المُتَعرِّجَ
بين بساتينِ التِكِّي
والمركزِ، يا خجلَ الفتيات من النظراتِ الأولى”
“كتبتُ:
أُحِبُّكِ
فوقَ متونِ المسلَّاتِ،
في سعفِ النخلِ،
في حانِ شيراز
في نغمِ الجازِ،
في زرقةِ البحرِ،
في عرباتِ المساجين،
في صفحاتِ الطواسينِ،
في برجِ بابل،
تحت شموسِ بخارى..
فغنّتْ بشِعري العذارى] أقولُ لها: يا أنا
فتقولُ: أنا”

القصيدة للمرأة هي مرآتها الصافية

المجلة الثقافية الجزائرية: هل صحيح أن المرأة تُحب أن يُقال فيها الشعر؟ وهل تمنحها القصيدة طاقة جمال استثنائي فعلاً؟!
عدنان الصائغ: كل روح حيَّة هي توّاقة للشعر. فكيف إذا كانت هذه الروح هي لأشفِّ المخلوقات في الوجود. تلك التي أكد العارف محي الدين بن عربي بأن ما “لا يُؤَنّثُ لا يُعَوَّل عليهِ”.
فالقصيدة للمرأة هي مرآتها الحقيقية الصافية التي ترى فيه تفاصيل حياتها ومفاتنها وأحاسيسها الروحية والجسدية والفكرية، كما ترى فيه تفاصيل زمانها أيضاً بمسراته ومواجعه.
كما والشاعر يرى في المرأة مرآته الكونية والوجودية والروحية والعاطفية، وهي ملهمته ورفيقته الأولى والأخيرة، قبل كل شيء وبعد كل شيء.
أقول في قصيدتي “مطرٌ؛ بلندن”:
“تشابكتِ الرياحُ أو الرماحُ على دمي. ودمي وضوءُ صلاتهم. كيف استباحوه وراحوا يرقصون على طبولِ مفسّرٍ أعمى يرى بجمالِ مخلوقاتهِ أصلَ الغوايةِ، في موسيقى روحهِ رجساً، بخمرةِ وجدِهِ إثماً… وراحوا يطمسون بهاءَهُ الأَخَّاذَ في حجبٍ وأدعيَّةٍ. وهمْ لم يَحْجُبوا – في الكونِ – إلّا هنَّ؛ إلّا خمرةَ الروحِ التي اعتصرتْ يدُ الله الخبيرةُ. كمْ قضى ليكوّرَ الصدرَ اللجينَ، يسرّح الخصلَ الخضيلةَ، نافخاً من روحهِ فيها وروحي. آهِ – يا ربّاهُ – أجملَ ما خلقتَ من التمازجِ بين هذا الليلِ، والبحرِ – القصيدةِ. هل صحيحٌ أنْ تسمّيها – أجلَّكَ – عورةً… ماذا تسمّينا إذاً؟ ماذا تسمّي ذلك التاريخَ من عوراتِنا، وحروبِنا….!؟”

من الممكن تغيير طلائع القصيدة

لوحة (فوانيس الشاعر) للفنان علاء جمعة (لندن)

المجلة الثقافية الجزائرية: القصيدة قد تشرق في أي لحظة وعلى الشاعر أن يكون مستعدّاً لها وإِلاَّ فإِنَّها قد ترحلُ سريعاً إِنْ لم تجده جاهزاً لاستقبالها.. هل يستطيع الشاعر أن يغيّر طبائع القصيدة؟!
عدنان الصائغ: نعم. لهذا تجدين ثمة ورقة وقلماً معي حتى في سريري. ولا أخرج من البيت إلا وهما معي. هذا ما علمتني به تجربتي الطويلة مع القصيدة.
والمثير في الأمر أنني انتبهت لطبائع القصيدة هذه منذ بواكيري. ففي ديواني الأول “انتظريني تحت نصب الحرية” كتبتُ قصيدتين متتابعتين هما: في انتظار القصيدة” و”من أين تأتي القصيدة؟”.
أما شق السؤال الثاني فجوابه: إن الشاعر بعد أن يمسك القصيدة في الورقة، سواء كلمة واحدة أو ربما حتى عنواناً أو بيتاً منها أو مقطعاً أو كاملةً، فأنه يبدأُ بالعمل عليها حذفاً واضافةً وتغييراً وإلخ. ومعه وبعده يواصلُ مشواره النقدي والذوقي والحسّي والإنساني، لتأخذ شكلها النهائي.

تجربتي مرّت بمنعطفات حادّة ولم أخطط للتنوع أبداً

طيعات 2015

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل ما يلفت الانتباه في تجربتك الشعرية انفتاحها على العديد من الأنواع الشعرية (القصيدة العمودية، قصيدة التفعيلة، القصيدة المدوّرة، قصيدة النثر، إلى النصّ المفتوح)، ومن (القصيدة الطويلة جداً، إلى القصيرة جداً، والتوقيعات).. ما سرّ هذه الانتقالات؟ توتر الإنسان أم هاجس المبدع في التجريب والبحث السامي عن الجديد والأصيل في زمن الانترنيت والثقافة الجاهزة؟
عدنان الصائغ: ملاحظة ذكية. أقول: مرت تجربتي على مدار نصف قرن، بمنعطفات حادة متنوعة ومخاضات حتمية صعبة: شعرية وحياتية معاً. أثَّر أحدهما على الآخر وعلى الشاعر، فكان هذا التنوع أو التدرج اللذان ترينهما: قصيدة العمود والتفعيلة والنثر والنص المفتوح، وأيضاً المدورة والممسرحة والمغنّاة من جهة. ومن جهة أخرى: قصائد ومضة وتوقيعات لا تتعدى سطراً واحداً، وقصيدة طويلة واحدة بـ 550 صفحة (نشيد أوروك) تلاها (نرد النصِّ) بـ 1380 صفحة.
ما يهمني القول هنا أن هذه التجارب والأشكال مجتمعةً، لمْ أسعَ أو أخطط لها. كانت تندلق أمامي بعفوية وحتمية معاً، وبمصادفات وظروف لا يمكن تخيلها.
فلمْ أكن أتخيل وأنا في ذلك الإسطبل المهجور، سنوات الحرب العراقية الإيرانية المقيتة والمميتة، أن تلك السطور الأولى التي كتبتها بألم على ضوء الفانوس المُدخِّن، ستمتد إلى هذه التلال من الورق، ولم أتخيل أيضاً وأنا صافنٌ بحيرة وضياع أمام بحر بيروت أن تلك الوريقات الأولى ستمتد أيضاً إلى هذه الجبال من الصفحات.
وأقول أيضاً: بالتأكيد كان للبحث والفحص وللقراءات والمراجعات المتنوعة المتشعبة، أثرٌ كبيرٌ في فتح عينيْ تجربتي على الكثير والمثير والمرير.

الشعر مغامرةٌ ورسالةٌ جماليةٌ

المجلة الثقافية الجزائرية: التشكيل البصري في تجربتك الشعرية ظاهرة فنية لافتة للانتباه كونها أعطت القصيدة بعداً درامياً مؤثراً وفتحت مخيلة القارئ على دلالات جمالية خصبة تساعده على التفاعل مع النص بشكل خلّاق وفعّال.. ما مدى أهمية الإيقاع البصري في إنتاج المعنى وكشف مغاليق اللغة؟ ولماذا أحجم الكثير من الشعراء عن استثمار هذه الميزة برأيك؟
عدنان الصائغ: هذا الأمر لا يأتي من فراغ. فالإيقاعات والتشكيلات البصرية وغير ذلك تحتاج إلى دراية ورغبة وجرأة في التجديد والثورة والتجاوز. وبهذا فهو يصعب على بعض الشعراء الذين يميلون إلى السير بانتظام جنب الحائط، فانياً عمره دون أن يفكرَ لهنيهةٍ أن يقفزَ حاجزاً ليرى ما وراءه، أو يكسرَ اطاراً ليخرج منه.
لقد دأبتُ على أنَّ الشعر مغامرةٌ ورسالةٌ جماليةٌ في آن. كما هو ثورة في اللغة والحياة معا.
فمنذ تفتح وعي الشعري وجدتني أميل إلى التجريب والمغامرة سواء في اللغة أو الشكل أو الإيقاع، لإيماني المطلق أن الشعر مغامرة كبرى، وتجريب مستمر وبحث دؤوب وكسر مدروس جريء لكل القوالب على مدى تاريخ الإنسانية.
كما هو ايماني الراسخ أيضاً باشراك الشعر في كل الفنون والآداب والثقافات المتاحة. فكانت لنصوصي مساهمات، عربية وأجنبية (سعتْ إليها نصوص، وسعتْ هي إلى نصوصي)، في مسارح ومعارض فنية وموسيقية وغنائية وفوتغرافية، وفي السينما، وفي روايات وقصص وكتب أخرى.
فكان أحدهما يمنح الآخر ايقاعاتٍ بصرية ومفاتيح أخرى لا عدَّ لها.
فلغة الشعر أوسع من أن تحصرها بكتاب وإلقاء، بل دعها ترسم لها أشكالاً وتدخل في أشكال لمْ تُعهدْ من قبل. وذلك هو رهاني دائماً. وذلك أيضاً رهانٌ أمام المحنطين نصوصاً أو نفوساً، وممن يتشدفون بانحسار الشعر أو موته.

قصيدتي استفادت من كل التقنيات

المجلة الثقافية الجزائرية: صاحب (تأبَّط منفى) (أغنيات على جسر الكوفة) (العصافير لا تحب الرصاص) قدم الكثير من القصائد برؤية سينمائية احترافية.. دعني أسألك هنا متى تكون الظواهر الفنية مؤثرة داخل النسق الشعري ومتى تكون عبئاً عليه؟ وكيف تلعب ثقافة المبدع دورها الإيجابي على مستوى تقنيات الكتابة الإبداعية؟
عدنان الصائغ: لا خوف على القصيدة الحيّة ولا على الشاعر الحقيقي، من أية صدماتٍ أو مؤثراتٍ حياتية أو فنية. وكلاهما قد يضيف للآخر. لكن الاستسلام السلبي لأي منهما قد يعصف بالتجربة الرخوة. وأمامنا تاريخ الشعر بكل فصوله وميوله، من تجديد أبي تمام وأبي نواس، ثم الموشحات الأندلسية ثم قصائد المهجر، ثم ثورة قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، والخ.. لقد أغنت تلك التحولات عدداً مهماً من تجارب الشعراء الحقيقيين بينما أطاحت بالكثير الكثير منهم. وهذا الأمر ينطبق على كافة الفنون والآداب.
كذلك لمْ تثنِ الظروف القاهرة الحياتية والسياسية مجتمعةً، من أن يواصل السياب مشواره التجديدي وهو على سرير مرضه وارتباكاته. وظلت تقنيات قصيدته تُدرس لليوم. هذا من جانب ضراوة الحياة التي كثيراً ما يتشدق بها بعض ممن تغلبتْ عليهم.
وأيضاً من جانب تجديدات العصر وتقنياته المتسارعة ورؤى فنونه، فلك أن تتصوري أن بعض المبدعين سبقوا عصورهم. وخذي السياب مثلاً أيضاً، وخذي اليوت، وخذي جواد سليم، وخذي بيكاسو، بلْ اتركي كل هذا وخذي ملحمة كلكامش تجدي فيها رؤى سينمائية وانزياحات صورية، ورمزاً ضاجة، وانماطاً مختلفة وايقاعات وتشكيلات ومجازات وكنايات وصوراً حسية وذهنية وسيميائية وإلخ.. وقد استفادت قصيدتي بشكل أو بآخر من كل هذه التقنيات التي مرت عبر حقب الشعر، فأنا سليلُ هذه الملحمة وسليل كل الشعراء شرقاً وغرباً، الذين سبقوني والذين لحقوني أيضاً.

نشيد أوروك حلّق بعيداً في فضاء الحرية

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا يمثل لك (نشيد أوروك) كمنجز إبداعي.. كيف تنظر إلى هذه المحطة بعد هذا العمر؟
عدنان الصائغ: نشيد أوروك كان نشيج قهري، داخل بلدي الذي عشتهُ وبعض الأوطان العربية التي لجأت إليها وهي لا تقل انسحاقاً عنه إلا قليلاً.
لهذا جاء هادراً على شكل هذيانٍ مديد ومريرٍ. كان عنوانه الأول: “هذيانات داخل جمجمة زرقاء لا علاقة لعدنان الصائغ بها”. بدأ عام 1984 واستمرت الكتابة فيه بشكل سريٍّ، في خنادق الحرب وتوجس البيوت، حتى غادرت الوطن عام 1993 (بسبب العمل المسرحي المستمد منه تحت عنوان “الذي ظلَّ في هذيانه يقظاً” على خشبة مسرح الرشيد في بغداد في السنة نفسها. وهو من اخراج غانم حميد واعداد احسان التلال).
وكنتُ أظنه قد اكتملَ، لكن النشيد ظلَّ ممسكاً بخناقي في عمّان وبيروت مواصلاً ومتواصلاً مع هذياناتي حتى انتهى مني وانتهيت منه عام 1996 ليطبع هناك في بيروت.
لقد شقَّ “نشيد أوروك” – في عقديْ الثمانينات والتسعينات – طريقاً مختلفاً عن تجربتي الشعرية التي تميل إلى القصيدة القصيرة، واليومية. فحلَّق بعيداً في فضاء من حريةٍ لمْ يعهدها، وتوغل عميقاً في متون الميثولوجيا وهوامشها وكذلك الدين والتاريخ والسياسة، وغير ذلك.

في “نرد النص” كنت مع مزاج القصيدة

المجلة الثقافية الجزائرية: يقولُ (لوركا): “لا يحتاجُ الشِّعرُ إِلى مهنيِّينَ مَهرةٍ، بل إِلى عشَّاق”.. لكن عدنان الصائغ في (نرد النص) كان إنساناً وعالمياً حتى النخاع.. كان شاعراً محترفاً وكان مبدعاً ومثقفاً موسوعياً ومؤرخاً وباحثاً في التراث كان عراقياً مهنياً ماهراً ومغترباً وعاشقاً.. ما تعليقك؟
عدنان الصائغ: طريقة كتابة الشعر ليست واحدة عبر كل تاريخه الطويل مثلما هي أشكاله وأساليبه وايقاعاته ومنابعه ومناجمه وسبكه وإلهامه. فلكل قصيدة عالمها ومعجمها ومزاجها منذ تشكّل أولى صورها وحروفها في مخيلة الشاعر وحتى انهمارها على الورقة زخّاً أو رذاذاً، رعداً أم برقاً.
وأنا مع مزاج القصيدة وتقلباتها كما حدث في “نرد النص” فتارة تغوص بي في متون المصائر والمصادر، وتارةً تتسكع معي في هوامش الحياة واللحظة. تارةً تنسابُ رخيّة سلسلة بإيقاعها، وأخرى تحرن ولا تتحرك قيدَ أنملة. أحيانا تحلق بي عالياً في سديم الخيال والشطح، وأحياناً تغوص بي في قاع الواقع. طوراً تطلب المزيد من البحث والجهد والمراجع، وطوراً تكتفي بالأمل، لهذا كنت تجدينني في عملي الأخير “نرد النص” مثلاً، أقضي أياماً وشهوراً بل وسنيناً في مراجعة الأحداث التاريخية والبحث في كتب الدين والحضارات وغيرها، كما تجدينني سارحاً لفتراتٍ طويلة أتأمل الحقول والموسيقى.

“نرد النص” رفع ركام أحجار التاريخ والدين والسياسة المتآكلة

الشاعر عدنان الصائغ مع أدونيس 2012

المجلة الثقافية الجزائرية: العمل في الواقع يشكّل تحدياً إبداعياً غير مسبوق على مستوى الشكل والمضمون.. لماذا فكرت بتوظيف كل هذه الحمولة المعرفية والإبداعية في نص واحد؟! وإلى أي حد لعبت نرجسيَّةِ الشَّاعر دورها في هذا العمل؟
عدنان الصائغ: كل عمل ابداعي هو مواجهة وتحدٍّ للذات وللعالم معاً. وهذا يحدثُ في كل قصيدة لكن بمستويات مختلفة تبعاً للحالة والفكرة والنفس.
في “نرد النصّ” وقبله في “نشيد أوروك” كان التحديان كبيرين ومستفزين وإن كانا مختلفين.
الأول النشيد بهذا التدوير الايقاعي المتواصل (بحريْ: المتقارب والمتدارك) دون انقطاع على مساحة 550 صفحة، و12 عاماً.
والثاني النرد بهذا الانفتاح الشاسع على مساحة 1380 صفحة، و25 عاماً.
والقصيدتان مع بعض يصلان إلى حوالي 2000 صفحة. لمْ يكن الأمر مألوفاً بالنسبة لتجربتي التي عرفت بميلها إلى القصائد القصيرة والومضة كما أسلفت. كما لم أجد من سبق بهذه التجربة كما ذكرت وذكر الكثيرون وهذا ليس سباقاً أو نرجسيةً أو أي شيء آخر بقدر ما قادتني الظروف التي مررتُ بها وبلدي والعالم، إنْ أفتح سجلات التاريخ والأيدولوجيات الدينية والسياسية على مصارعها كلها، وأقف أمامها بمسؤولية أتفحصها وأحاورها وأحاججها وأحتجُّ عليها، عليَّ أجد تفسيراً لما وصلنا اليه: من أولى الحضارات التي غيرت مسار البشرية نحو تخوم المعارف والعلوم والآداب والفنون، الى آخر قائمة الشعوب، في المدنية والحرية والعيش والكرامة. ومن أغنى البلدان الى أفقرها. البلد الذي يطفو على النفط والحضارات لا يجد اليومَ ما يشعل به فوانيس روحه المطفأة.
كل هذا وغيره، هو ما دفعني للغوص عميقاً وواسعاً في النرد والنشيد، رافعاً ركام أحجار التاريخ والدين والسياسة المتآكلة، ليرى القارئ كيف تآكلت حياتنا ومصائرنا وآمالنا بسببها.

العمل كان تمرداً وجرأة

الشاعر عدنان الصايغ مع الراحل عبد الرحمن منيف ببيروت 1996

المجلة الثقافية الجزائرية: أعتقد أن عدنان الصائغ كان جريئاً جداً بهذه المغامرة كونه لم يساير عصره في متطلبات السرعة والإيجاز والاختصار، ماذا تقول؟
عدنان الصائغ: ربما كان الأمر درايةً وتتبعاً للحركة الشعرية عبر تاريخها، قبل أن يكون جرأة في التجريب والتغيير والمغامرة. وربما كان الأمر تمرداً وجرأة وكسراً للتابو والموروث، قبل أن يكون تتبعاً ودراية بحركة الشعر.
وربما كان إدراكا بأنْ لا بدَّ من شكل يمكنه أنْ يضمَّ كل لواعجك والتاريخ والعصر معا. وربما كان الإرثُ الضاغطُ والألم الضاغط هما من قادا إلى ذلك الأمر. وإلخ، وإلخ. وربما كان كلُّ ذلك معاً.

وهذا هو رهان النص..

المجلة الثقافية الجزائرية: ألا تعتقد أن عملاً أدبياً بهذا الحجم الكبير والعمق المعرفي بحاجة إلى قارئ من نوع خاص.. قارئ نشيط ومستعد لبذل جهد فكري مارثوني للإبحار ضمن ملحمة معرفية متشابكة ومتداخلة ومفتوحة على الذاتي والعام، على الواقع والأساطير، الدين والموت والحياة، الحب والحرب، الشعر والنثر، الأماكن، الموروث والوجدانيات، الأحداث، التاريخ، الحكايات، الراهن والماضي؟!
عدنان الصائغ: نعم، يا سيدتي، هذا العمل يحتاج قارئاً صبوراً وحراً كما أوضحتُ في مفتتح الديوان وخاتمته. لكن هذا العمل الماكر يمكنه استقطاب أي قارئ، صبوراً كان أم عجولاً بل حتى لو كان نصف قارئ أو ربعه. وهذا هو رهان النص. أنك ما أنْ تقلّبيه وتقع عيناك على أي سطر في أية صفحة، حتى يجرّك جرَّاً لأن تكملي نهاية الفقرة أو المقطع، وربما يستهويك (فضولاً أو احتجاجاً) إلى نهاية الصفحة، وربما إلى صفحات أخرى، ليتقلب بك النرد وتتقلبي معه حتى النهاية ولا فكاك. وهذا ما رأيته عند البعض وما حدثني به آخرون. حتى أن أحد الشعراء والباحثين كتب في صحيفة الزمان ساخراً وهو يعني ويعي ما يقول: “قبل أن تبدأ بقراءة هذا الديوان، ضعْ قربك علبة باراسيتول ومنشفة ونسخة من القرآن الكريم. الباراسيتول للصداع، والمنشفة لمسح التراب الذي ستثيره الكلمات، والقرآن لتقسم على عدم قراءة عدنان الصائغ مرة أخرى”..

النقد جعلني أمام مسؤولية كبيرة

الشاعر عدنان الصايغ مع الشاعر محمود درويش منتصف الثمانينات

المجلة الثقافية الجزائرية: كتجربةٌ شعريَّةٌ مميزة لها أسلوبها البلاغي وطابعها الخاص واقتراحاتها الإبداعية المتفردة في المدونة الشعرية العربية.. كيف تجد القراءات النقدية التي واكبت الشاعر عدنان الصائغ؟ وهل ترى أن النقد ضرورة للشعر؟ وبرأيك هل الشعر يحتاج الكتابةَ عنهُ، أم الإِحساسَ به؟
عدنان الصائغ: النقد؛ ضروريٌّ للشعر والشاعر، لرؤية النص من خارجه، وما له وما عليه. أقول: ضروري بقدر ما الشعر ضروري للنقد أيضاً لتحريضه ولتجديد أدواته النقدية. وهذا بالتالي (أي النقد) يدفع بالشعر إلى تجديدات وتحريضات أخرى. وهكذا دواليك: تكتمل الدائرة فتواصل العجلة دورانها الخلّاق.
وبناءً على ذلك أقول: نعم، الشعر بحاجة لتفحصهِ والكتابة عنه سلباً أو ايجاباً، لهزّ شجرته واسقاط الأوراق اليابسة منه. مثلما هو بحاجةٍ أيضاً إلى الاحساس به والتماهي معه. بحاجة للقارئ الناقد، والقارئ المتذوق، والقارئ العادي، والقارئ الرافض.
بالنسبة لتجربتي ربما كانت محظوظة لكثرة ما مرّ بها من نقاد وشعراء كبار أسهموا في تسليط من أضواء مختلفة عليها، من جيل الرواد وما بعده وحتى الجيل الألفيني. بالإضافة الى ما حظيت به من اهتمام أكاديمي لعدد من الجامعات في العراق والوطن العربي وخارجه.
وهذا جعلني أمام مسؤولية كبيرة وضاغطة. أمام كل ذلك الإرث النقدي، وأمام القارئ، وأمام نفسي.. فزاد من قلقي الدائم وبحثي القائم عن الجديد الحي، فكرةً وشكلاً وايقاعاً وحركةً وتجاوزاً..

الترجمة إبداع مضاف للشعر

الشاعر عدنان الصايغ مع الشاعر السويدي توماس ترانسترومر (نوبل 2011) الصورة سنة 2006.

المجلة الثقافية الجزائرية: بعض المبدعين يرون أن “ترجمةُ الشِّعرِ خيانةٌ” بينما يشدد بعضهم الآخر على ضرورة أن يكون الإِبداعَ الشِّعريَّ عالمياً باعتباره فعلٌ إِنسانيٌّ للإِنسانِ.. كشاعر تُرجِمت أعماله إلى أكثر من لغة عالمية.. كيف ترى المسألة؟ برأيك هل يمكن للترجمةُ أن تكون أمينة على رسالة الشعر أم تعيد خلقه وصياغته من جديد؟ وهل تفضّل أن يكون المترجم شاعراً؟ ولماذا؟
عدنان الصائغ: بل بالعكس تماماً، الترجمة إبداع مضاف للشعر، وتأويل يوسع منه ويغنيه. وهل كنا سنعرف اليوت ولوركا وشكسبير وريلكه واخماتوفا ووالت وايتمن وغيرهم، من كواكب الشعر الباهرة لولا الترجمة. وهل سيعرف الغرب شيئاً عن الحلاج والرومي والسياب وابن عربي وأدونيس ومحمود درويش وغيرهم، لولا الترجمة أيضاً.
وهنا يتحتم عليَّ القول بألم وغضة: إن الترجمات الإبداعية ناهيك عن العلوم، من – وإلى العربية، لهو أمر كارثي. بل ويقترب من الفضيحة المسكوت عنها ثقافياً. وقد ذكرتُ في كتابي “القراءة والتوماهوك، ويليه، المثقف والاغتيال” احصائياتٍ مخيفةٍ ومخجلةٍ وقد لمستُ الكثير منها عن قرب ودراية في تجوالي في المكتبات العامة والخاصة، ومعارض الكتب عربياً وأجنبياً.
لدينا عدد لا بأس به من المترجمين البارعين من – وإلى، لكن المعضلة الكبيرة هي في غياب المؤسسات التي ترعى هذا الحقل المهم وتدعمه.

لا أنفي مسؤولية المثقف العراقي ولكن..

الشاعرة الكبيرة تجلس بين زوجها زوجها الدكتور عبد الهادي حبوبة والشاعر عدنان الصايغ

المجلة الثقافية الجزائرية: للمثقف العراقي ريادة في الكثير من مجالات الإبداع.. لكن أين هو مما يحدث في العراق؟ ولماذا عجز المثقفون العراقيون عن إنتاج ثقافة حداثية ترسخ الهوية الوطنية الحضارية وتلغي الانتماءات الطائفية والسياسية؟
عدنان الصائغ: أنا في قلبه وهو في قلبي. مستعيراً قول العارف الحلاج: “نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا”. وذلك حال الأعم الأغلب من مثقفينا داخل الوطن وخارجه. وما يشذ هنا أو هناك من دخان أو عَجاج، فهو لا يغير من المشهد شيئاً. فالاكتواء بنار الداخل من دكتاتورية وحروب وحصارات واحتلال ومليشيات لم يكن سهلاً بالمرّة، وكذلك الاكتواء بصقيع الغربة والتشرّد والحرمان والملاحقات والتصفيات.
وهنا يتجلى وينفرز الصوتُ الحقُ، من بين جوقة الأبواق والرصاص.
لهذا يمكنني القول بثقة إن الأكثرية من المبدعين العراقيين والمثقفين الجادين وعموم الناس، لمْ يقصّروا في الوقوف ضد أعتى دكتاتورية عرفها تاريخ العالم المعاصر، ومن بعدها أشرس وأغبى مليشيات وحروب دينية طائفية معلنة ومضمرة.
فقد سقط على مذبح الحرية الكثيرون، قبلاً والآن. ففي انتفاضة آذار 1991 راح الآلاف في الأقبية
وتشرد الآلاف في المنافي، وفي انتفاضة تشرين 2019 راح أيضاً الآلاف بين شهيد وجريح في رصاص القناصة والدخانيات وتفرق الآلاف بين الزنازين، وبين المنافي.
أما لماذا ظل صوت المثقف خافتاً فيبدو أن تشخيص الباحثة والمستشارة البريطانية مسز بيل، في مذكراتها، بدايات القرن الماضي، كان دقيقاً وهي تشير إلى ظاهرة ملفتة في الشارع العراقي، منذ ذلك الوقت: بروز العسكري والإقطاعي ورجل الدين، وغياب للمثقف!
وهذا الأمر لا ينطبق على العراق فقط بل قد يشمل الأقطار العربية جمعاء، وإنْ بنسبٍ متفاوتةٍ هنا أو هناك.
والسبب يعود إلى عوامل كثيرة – دون أن أنفي مسؤولية المثقف نفسه منها – وهي الحكومات الدكتاتورية والإرث الغيبي المتراكم والجهل والظلام المتصاعد يوماً بعد يوم، على العكس مما يجري في الأمم الأخرى.

الشاعر حامل رسالة ثورية وجمالية

مالمو السويد 2002، سعدي يوسف بين حسن الخرساني وعدنان الصائغ

الثقافية الجزائرية: ماذا يعني أن تكون شاعراً في زمن عربي مريض متهالك.. بل في عالم كهذا مليء بالحروب والفوضى والدمار والأوبئة؟!
عدنان الصائغ: هذا يضاعف من مسؤولية النص وشاعره، أمام ما يحدث في وطنه وأمته والعالم. باعتبار الشاعر حامل رسالة ثورية، مثلما هو صاحب رسالة جمالية.
“سأكفرُ بالدمِ إنْ خثَّرتهُ السنونُ،
فسدَّ طريقَ جراحاتِنا الماردةْ
وأكفرُ بالشِعرِ
إنْ لمْ يزلزلْ عروشَ الطغاةِ
ويرسمُ في ريشةِ الفجرِ أحلامَنا الواعدةْ”
وفي كتابي “القراءة والتوماهوك، ويليه المثقف والاغتيال” لخصت جذر محنة أوطاننا العربية على شكل دائرة، لن تخرج منها إلا إذا كسرت أحد أقطارها: فالوطن “لا يتأسّس إلَّا بالحبّ الذي لا يتأسّس إلَّا بالإنسان الذي لا يتأسّس إلَّا بالحرية التي لا تتأسّس إلَّا بالوعي الذي لا يتأسّس إلَّا بالمعرفة التي لا تتأسّس إلَّا بالقراءة التي لا تتأسّس إلَّا بالكتاب الذي لا يتأسّس إلَّا بالكاتب الذي لا يتأسّس إلَّا بالحياة التي لا تتأسّس إلَّا بالجمال الذي لا يتأسّس إلَّا بالفن الذي لا يتأسّس إلَّا بالإبداع الذي لا يتأسّس إلَّا بالتجريب الذي لا يتأسّس إلَّا بالبحث الذي لا يتأسّس إلَّا بالاستشراف الذي لا يتأسّس إلَّا بالانفتاح الذي لا يتأسّس إلَّا بالأمان الذي لا يتأسّس إلَّا بالسلام الذي لا يتأسّس إلَّا بالقانون الذي لا يتأسّس إلَّا بالعدل الذي لا يتأسّس إلَّا بالمساواة التي لا تتأسّس إلَّا بالحق الذي لا يتأسّس إلَّا بالضمير الذي لا يتأسّس إلَّا بالأخلاق التي لا تتأسّس إلَّا بالتربية التي لا تتأسّس إلَّا بالتعليم الذي لا يتأسّس إلَّا بالتطور الذي لا يتأسّس إلَّا بالحوار الذي لا يتأسّس إلَّا بالفكر الذي لا يتأسّس إلَّا بالحرية التي لا تتأسّس إلَّا بالاستقلال الذي لا يتأسّس إلَّا بالإنسان الذي لا يتأسّس إلَّا بـ…….. وهلم جرا، دوراناً أزلياً: صعوداً، أو هبوطاً؛ في فلك رقي الحضارات، أو اندحارها”. والخ، والخ..

لا خيار لنا إلا الخيار الإنساني

المجلة الثقافية الجزائرية: عدنان الصائغ المبدع العراقي الذي راهن دائماً على الخيار الإنساني.. هل يشعر بأنه ربح الرهان؟
عدنان الصائغ: لا خيار لنا على سطح هذا الكوكب، إلا خيارنا الإنساني، وما عداه فهو دمارٌ دفعت البشرية أثمانه غالياً قتلاً ونفياً وخراباً، ولا تزال.
وهنا أتذكر قول تاو تسيان: “ربما خلَّفوا وراءَهم اسماً مشرّفاً ولكنه كلَّفهم حياةً من الحرمان..”.
وهذه ضريبة مشرفة؛ دفعها ويدفعها وسيدفعها كل الأحرار على مدى تاريخ الوجود، ومن تصدى ويتصدى وسيتصدى للطغيان والتخلف (الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي والخ). مشيرا إلى قول علي بن أبي طالب أو عمر بن الخطاب أو أكثم بن صيفي التميمي أو النعمانُ بن حُميضةَ البارقي (على تشتت المصادر التي تعكس تشتتنا أيضاً): ما ترك لي الحقُّ صاحباً.
وأُحرقتْ جان دارك وأغتيلَ فرج فودة وحُوكم غاليو من قبل محاكم التفتيش وظل يردد: ولكنها تدور. وظلتْ الشمس تدور، وقائمة التصفيات تطول وتعول وتدور أيضاً، وإلى يومنا هذا.
ويبقى السؤال الوجودي درساً لنا ولمن سيأتون: هل خسروا! أم ربحوا الرهان!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق