المجلة الثقافية الجزائرية

الحب في زمن قتلت فيه المشاعر

دعوة للحب: نسمة حالمة تنعش عتمة القلوب

شيرين فكري عثمان

   الحب مشاعر لاأحد يستطيع وصفها على وجه الأرض، فهي نعمة من خالق الكون زرعها في قلوبنا، فلا يسأل مٌحب لماذا أحببت؟، فهي خلطةُ سحريةُ من المشاعر المتضاربة في كل شئ، كأنه مغناطيس يجذبنا له دون أدنى قرار، فعندما تروي أغلب  قصص العاشقين، تأخذنا معها في تفاصيل ذكرياتها من  السعادة للألم، من الأشواق للجروح .

    عندما نتحدث عن الحب، وما أدراك ما الحب؟، فالحب يشبه كتلة من الذراتِ تتجمع وتتكون لتصبح مشاعر وأحساسيس، يُغلفها الكلام الذي يأسرالقلوب من أولِ نظرةٍ، ومن ثم تُترجمها الأفعال بمرورِالأيام لتصبح واقع جميل .. ومن منا لم يَعشْ الحب، وعاش معه مشاعر وأحاسيس مرهفة، كأننا طَير على جناح يمامة أو ريشة تَطير مع نسمةِ صيف منعشة .. فالحب تظهرعلاماته عندما نتحدث، لتلمع معها العيون،تعجز الكلمات أن تبوح، فتدق القلوب فرحًا بالأشواق، وترتعش الأيادي شوقًا للقاء.. مع الحب تبقى القلوب ساهرًا مع النجوم، تظل شاردة، مقيودة بأحلام ٍتراودها ليلًا ونهارًا، لتعيش الروح على أنغام موسيقى العُشاق أملًا بتحقيق الأمنيات، ولكن عندما تبخر الوعود، تنكسر القلوب وتتجرع معها مرارة الوجع والخذلان، فتتحول علامات الحب في لحظةِ الفراق إلى واقع مرير، وقالها يوما الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش:”يومًا ما قلنا لن نفترق إلا بالموت، تأخر الموت وافترقنا”.

     كم أنتَ عجيب أيها الحب، بسببك تمر الثواني بسرعة البرق وطعم الحياة يصبح كنعيمِ الجنة، وكأن كل الألوان تضج بالحياة، وبسببك أيضًا تنقلب هذه الثواني إلى كابوسٍ نحاول الاستيقاظ منه، ولذة الحياة تتحول مثل نارِالجحيم، وبكَ تتغيرألوان الحياة للأبيض والأسود.. فهل عندما قال الكاتب أنيس منصور مقولته: “اذهب حيث يرتاح قلبك، اذهب حيث ترغب أنتَ حيث تشعر بالأمان والاطمئنان ،لا تأخذ اتجاه لا يعجبك ، فقط لأن الآخرين قد أخذوه”، هل كان يعلم أن مفهوم الحب تبدل، ولم يعد شئيًا مقدسًا من قبل الكثيرين،أصبح مجرد لعبة ولا تأتي بثمارهِا لكلِ العُشاق في زمن مخيف وعالم افتراضي مزيف، لماذا أصبح الحب – بكل معانيه السامية – تتساقط أوراقه واحدة تلو الآخرى مع مرور الأيام؟، لماذا في هذا الزمن انقلبت الموازين،فعندما نذكر كلمة “حب” تأتي على الأذهان كلمة “عذاب”،وكأن شوق الأحبة مقترنًا باللوعة والفراق ثم انتقام بدلًا من السعادة والاحتواء ثم راحة البال؟، وكأن صار مسمى كلمة حب ليس كجوهر معانيه.

 

     يا له من إحساسٍ مؤلم عندما يتحدث القلب، ويصارعه العقل ، حين يسكن دواخلنا مشاعر مبعثرة، عقل يرفض وقلب يريده، هذه هى أسوء الحروب، لتحتار الروح على اتخاذِ أي قرارٍ، ولكنه القدر من يحسم هذا القرار سواء شئنا أو أبينا .. فلغة القلوب لغة لا تسطيع الآذن سماعها، ولا يمكن للعين أن تراها .. سبحانُه من جعل أعضائنا تتصارع خفيًا في التفكيرعلى شئ يحيرنا دون أن تتلامس.

 

    الحب من أصعب الصراعات عند تحديد مسارتنا “رزانة العقل أم عاطفة القلب”، فهو يمثلُ نقطة ضعف لأي شخصٍ حتى لو كان غليظ القلب .. فمع شرارة أول نظرة ، وتبادل أولُ كلمةً بين شخصينٍ تبدأ الحيرة بينهما”القلب والعقل”، فيقال إن الكلمةَ الأولى هى أصعب كلمة يواجهها كل العشاق، ﻷنها سيترتب عليها ما  بعدها، ولكن البعض الآخر يؤكد حينما يستحضر ماضيه، ليس الأصعب بالكلمة أوالنظرة الأولى، إنما المواقف التي تكشفُ حقيقة مع مَنْ نتعامل، ومَنْ نحنُ بالنسبة لهم، مَنْ يفهمك ومَنْ يعرفُ قيمتك، مَنْ يبقي معك ومَنْ ينسحبُ من حياتك دون سابق إنذار، مَنْ يحتويك وأنت في قمةِ ضعفك وليس في زهو قوتك، ومن هنا يصعبُ علينا جميعًا أن ندرك هل الحب زائر غريب يأتي ليكسر قلوبنا، أم جاء ليصبح شريكا يسكن روحنا ، يغرسُ أحلامه في قلوبِنا، لينبض كل شئ فرحًا للحياة ؟!.

 

    ومع كثرة الحيرة وصراع القلب مع العقل، تنشأ شخصيات آخرى بداخلنا ، حذره لما تعلمته كثيرًا خلف تجربتها مع قصةِ كانت وجعًا لمشاعرِ قلبها وروحها ، وألمًا لذكريات عقلها، وندبًا للحظات عمرها ! .. فكل من دق قلبه للحب يتمنى أن تصبح هذه المقوله واقع جميل وليس مجرد وهم:” أحب هذا الحب الذي لا يترك وجعًا في الذكريات ولا ندبة في الروح “.

   مهما اختلفت الأزمان ووسائل الحب والتعارف، سوف يظل الحب ولوعته بين قصص العاشقين للأبد.. سوف يظل الحب أسمى معاني الوجود لأنه الاحساس بالأمان مع منْ يحتوينا، فبدونه لا نحيا حياة ..يقال عن الحب على سبيل الفكاهة من كثرة لوعته:” إن قصة الحب رواها جد لأحفاده  قبل النوم ولكن غلبهم النعاس فوعدهم الجد أن يكمل لهم القصة، ولكن للأسف توفي الجد قبل ان يكمل القصة ، فبقى الحبُ قصةً لا أحد  يعرفُ نهايتها “.

 

   الكاتب الراحل مصطفى أمين صاحب فكرة اختيار يوم 4 نوفمبرعيدًا للحب، ، حيث تصادف وجوده -في هذا اليوم عام 1974- مع مرور نعش لأحد الرجال بمنطقة السيدة زينب وكان يسير وراءه ثلاثة رجال فقط، فاندهش من هذه الموقف، التى لا تناسب علاقات أهل الحى المشهور بالترابط والتآخي، وعندما سأل عن المتوفي عرف أنه رجل عجوز بلغ من العمر السبعين، لكنه لم يكن يحب أحدا، فلم يحبه أحد ، ليقوم بعد تلك الواقعة بعمل دعوة لتخصيص هذا اليوم عيداً للحب، فرصة للتآلف والتآخي بين الناس، نافذة أمل للجميع لنفض همومهم وآلامهم، متغلبين على مشاعر الحزن والكراهية،واستبدالها بزهرة حمراء، وكأنه يعطى قبلة الحياة لإنسانية البشر .

 

  ختامًا لا تبحثواعن الحب، فالأشياء تأتي من تلقاء نفسها دون عناء منك، وتذهب مهما حاولت جاهدًا الاحتفاظ بها، كما أن الأفعال هي التي تؤكد صدق المحبة، أما الكلام فالجميع يتكلم .. تنفسوا حبًا، ولا تندموا على ما فات مهما صارت قلوبكم مصدومة، حائرة من الاختيارات الموجعة، عند كل لحظة شعرتهم فيها بنشوة حبٍ كاذبةً .. كونوا على يقين أن هذه اللحظات إنما هى من تجارب الحياة لكم، حتى تعثروا على روحكم الثانية التي تستطيع أن تسعدكم وتمنحكم إحساسًا داخلي بالأمان قبل أن يكون سلاما ظاهريًا .. حاولوا أن تتنفسوا حبًا بكل أنواعه، حبًا يترك بداخلكم نورًا ليفتح نوافذ الأحلام والخيال بالأمل، حبًا يشع أملًا للأفضل لكي تستطيعوا أن تنشروا كل طاقة الحب حولكم.

معدة برامج  باذاعة البرنامج الثقافي مصر