المجلة الثقافية الجزائرية

مفكر موسوعي من الشرق

أ.د. عصام فتوح

يعتبر جورج طرابيشي (1939-2016)، الفيلسوف والمترجم السوري، الملقب “بفولتير العرب”، مثالاً نادراً للمثقف العربي الذي وهب عمراً بأكمله للترجمة والفلسفة والنقد الأدبي، وساهم في تأسيس أهم المجلات والدوريات العربية وكتب فيها، سواء داخل سوريا أو خارجها. وكان على الرغم من انشغاله وتبنيه العديد من القضايا السياسية والفكرية، عضواً بارزاً في حزب البعث السوري الذي انضم إليه في شبابه الأول، وكان ناطقاً باسمه، ثم تولى إدارة الإذاعة السورية، قبل أن يتعمق في دراسة المادية الجدلية عند كارل ماركس وفريدريك انجلز، فصار من أهم زعماء ما اطلق عليه اليسار البعثي، مما جرى عليه الكثير من المتاعب والمشاكل السياسية التي أودت به إلى أن يصبح سجيناً سياسياً غير مرغوب فيه، فنشر العديد من الكتب عن الماركسية، والفكر التقدمي، والتي أثرت – وما زالت – في العشرات من المفكرين الشبان، لعل من أشهرها “الماركسية والأيديولوجية”، “محاضرات في تاريخ الماركسية”، كما تبني مواقف نقدية وتقدمية – إن لم تكن ثورية – كان يأمل في أن تضع لبنات توجهات سياسية أكثر عدلاً ومساواة عن النظم الحاكمة التي طالما استمالته إلى جانب السلطة دون جدوى، إيماناً منه بضرورة العمل الحزبي الجماعي باعتباره الطريق الأمثل إلى التنوير، الذي وهبه ما لا يقل عن 12 ساعة من العمل الدؤوب المتواصل يومياً خلال رحلة امتدت من حلب إلى دمشق إلى بيروت إلى باريس عاصمة النور، حيث حاول استكمال مشروعه النهضوي مع مجموعة من أهم مفكري العرب من أمثال الدكاترة محمد أركون وصادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد، عن طريق تأسيس ما أطلقوا عليه “المؤسسة العربية للتحديث الفكري” في مواجهة الفكر الأصولي السلفي الرجعي من جهة، ومواجهة الأنظمة العربية القائمة من جهة أخرى، عن طريق معركة فكرية تنويرية، وهبها الطرابيشي جهوداً لا تكل ولا تمل، من خلال ترشيح الكتب والمراجع الأساسية التي تمثل العمود الفقري لمثل مشروع بهذا الطموح، بالإضافة إلى توليه مراجعة الترجمات، مثله كمثل رفاعة الطهطاوي، رائد التنوير والتحديث العربي بعد عودته من أول بعثة لمحمد علي إلى فرنسا، وانشائه كلية الألسن، واشتغاله بالترجمة ما بقي له من عمر.

وساهم طرابيشي في اصدار صحيفة الأوان الإلكترونية التي تولى إدارتها المرحوم صالح بشير، قبل أن تتولى د. رجاء بن سلامة مركز إدارتها. ومثلت تلك الصحيفة بالفعل نقلة نوعية وحقيقية في عالم المعرفة العربية، رافضة الامتثال لمروجي التكفير بوضع كل الطواطم والتابوهات وكل ما يمثل اللا مفكر فيه موضع التحليل والنقد الموضوعي والمنطقي، عن إيمان بأن الشباب الواعد سيكون أكثر راديكالية في معركة النهضة بعد الاستفاقة من نكسة يونيو / حزيران 1967، وأنظمتها الفاشلة، التي تمثل فوضى عارمة وصراعات لا تنتهي، فأصبحت تهدد الهوية العربية، بينما فشلت الثقافة العربية، بكل ما تمتلك من عناصر نهضة وحداثة كامنة، في استنفارها إلى يومنا هذا.  

للأسف لم يتم جمع الأعمال الكاملة لهذا المفكر الفريد حتى الآن، على أهمية الاطلاع بمثل هذا المجهود. ويقتصر مقالنا هذا على التعريف بجورج طرابيشي الإنسان، واسهاماته في نشوء وتطور مدرسة التحليل النفسي عن طريق ترجمته لأغلب الأعمال الرئيسية والهامة لسيجموند فرويد – مؤسس هذا الفرع من المعرفة. نتعرض بعد ذلك لاهتمامات طرابيشي الأدبية، إذ وجه جزءاً كبيراً من نشاطه الفكري إلى عوالم الأدب، حيث ترجم القصة القصيرة والرواية، وكان أول وأهم من ترجم رواية “زوربا اليوناني” للكاتب نيكوس كازانتزاكيس، وكان رائداً في تطبيق مدرسة التحليل النفسي في تناوله للرواية العربية، ودراساته عن توفيق الحكيم وحنا مينا ونجيب محفوظ والطيب صالح وآخرين. 

وننهي المقال بعرض مختصر لأهم أعماله، خاصة مرجع سيظل مثالاً نادراً لحوار نادر بينه وبين المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري في التراث الإسلامي، يقع في خمسة أجزاء، وعقدين من البحث المضني المتواصل، ليخلقا معاً أهم موسوعة تتناول قضايا التراث والمعاصرة، واشكالية الأصالة، ومقومات البحث عن الهوية، والسعي إلى آفاق عالمية بصبغة وبصمة عربية وإسلامية، تمتد عبر القرون.

طرابيشي الإنسان

فكر جورج طرابيشي كثيراً في الاستجابة لرغبة الكثير من أصدقائه من أمثال تركي الدخيل ومحمد الهوني، علاوة على المئات من قرائه الشبان في كتابة سيرة ذاتية على غرار رائعة طه حسين “الأيام”، إلا أن القدر لم يمهله فتوفي قبل انجاز ذلك المشروع الواعد. إلا أن طرابيشي قد كتب بالفعل، قبل أن يتوفى، مقالة بعنوان “ست محطات في حياتي”، نشرت في أواخر فبراير / شباط 2015، أي قبل وفاته في مارس / آذار 2016، وكانت بمثابة آخر ما كتب طرابيشي.

وقد ألحقت زوجة طرابيشي، السيدة هنرييت عبودي، وأم بناته الثلاثة، تلك المقالة في أهم سيرة شخصية للرجل تحت عنوان “أيامي مع جورج طرابيشي: اللحظة الآتية” (دار مدارك: 2020). ويقول طرابيشي واصفاً نفسه: “أنا مسيحي بالميلاد، عربي بالهوية، مسلم بالثقافة” (2020: 23). ويستهل طرابيشي مقاله الأخير “ست محطات في حياتي” قائلاً: “وأنا في رحلة نهاية العمر، وبعد عقود ستة بصحبة القلم الذي آثرته على زوجتي وبناتي، على كل صحبة أخرى، أجدني أتوقف أو أعود أتوقف عند ست محطات في حياتي” (2020: 224). وتعبر كل محطة عن دور حاسم في تحديد الاتجاه الذي سلكه الطرابيشي عن إيمان بقضايا معينة حتمت عليه أن يكتب ما كتب، وأملت عليه بالضرورة ترجمة ما اختاره من مراجع، اختارها بعينها لتوافقها مع فكرة هذه المرحلة. وتعبير “محطات” في حد ذاته يشير إلى ديناميكية فكر طرابيشي، الذي انتقل من الإيمان المفرط بتعاليم المسيحية، التي اضطر إلى  نبذها، مفضلاً العلمانية عنها، واحلاله الوطن مكان الدين، مما قاده إلى احتراف السياسة، والكتابة بالصحف، إذ آمن بالعروبة وعاصر تجربة الوحدة الفاشلة بين مصر وسوريا، وتولى إدارة الإذاعة السورية، فعمل بها ليل نهار، مرحباً بكل فكر نهضوي، إلى أن رأت السلطة الحاكمة إبعاده وفصله لرفضه التام الامتثال لرقابة ضيقة الأفق، نابذة للتنوع الخلاق، لا ترى في دورها سوى بوقاً للدعاية والبروباجندا المقيتة. 

وبعد تجربة مريرة في السجن كادت أن تودي بحياته، انتقل إلى مرحلة التحليل النفسي التي مثلها سيجموند فرويد بكتاباته المتعددة والموسوعية التي حاول طرابيشي أن ينقلها عن اللغة الفرنسية إلى العربية، بل وتطبيقها على الأفراد والمجتمعات. حلت المركسية، بدعوتها لإلغاء الفوارق بين الطبقات ودراستها للتاريخ على أنه سجل للصراع بين الطبقات، محل إيمانه الحزبي بحزب البعث السوري، قبل انتقاله إلى رحاب الفلسفة عن طريق كتابات سارتر الوجودية، التي انعكست بصورة غير مباشرة على معظم أعماله في مجال النقد الأدبي. 

كان طرابيشي شاهداً على الكثير من المآسي والنكبات التي حلت بشعبي لبنان وسوريا، ليجد نفسه منفياً في فرنسا، ومحاولاً الابحار عكس التيار، حتى لكاد أن يفقد إيمانه العميق بالمثقف وامكانية التنوير في العالم العربي. 

المحطة الأولى – من الإيمان إلى العلمانية

ولد جورج طرابيشي لأسرة مسيحية، ويصف تدينه في الطور الأول من المراهقة على أنه مفرط إلى درجة التزمت، حيث التزم بجميع واجباته الدينية إلى درجة كانت تثير سخرية بعض أفراد عائلته. إلا أن الكاهن الذي تولى تدريس الدين أثناء المرحلة الإعدادية، وكان معروفاً بالصرامة، كان يبث الرعب في طلابه المراهقين من العذاب الأبدي الذي سينال كل مخطيء إلى أبد الآبدين، وكان جورج يذوب خجلاً، وترتعد فرائسه كلما نظر إلى حسناء من الجنس الآخر، مما سبب له العديد من الاضطرابات النفسية التي لم يتخلص منها قط، إلا عندما كف أن يكون مسيحياً، قائلاً لنفسه في لحظة ثورة عارمة: “لا. إن الله ذاك الذي حدثني عنه الكاهن لا يمكن أن يوجد، ولا يمكن أن يكون ظالماً إلى هذا الحد” (2020: 227).

المحطة الثانية – من الدين إلى الوطن

أما المحطة الثانية فقد تمثلت في استبدال طرابيشي إيمانه بغيبيات الدين المسيحي، بمشاعر وطنية عربية ووجودية، رأى أن خير من يمثلها حزب البعث عام 1955، وذلك بعد سقوط الدكتاتور أديب الشيسكلي، واشتغال طرابيشي بالصحافة الحزبية، إلا أنه من المفارقات أنه أودع السجن، ثم تبنى الفكر الماركسي، وأصر ألا يكتب إلا ما آمن به. والواقع أن قناعات طرابيشي الفكرية والتنويرية لم تكن موضع مساومة أو تنازل في أي يوم من الأيام.  

المحطة الثالثة – خيبة أملٍ

اتضح لطرابيشي إثر نقاش محتدم كاد أن يتطور إلى شجار بالأيدي حول الشرف الذكوري، إذ اتفق أغلبية التقدميين على أنه يحق للرجل ذبح زوجته أو ابنته إن اشتم رائحة خيانة زوجية أو خروج ابنته عن العرف والتقاليد، واحلال دمها إن ارتضت بعلاقة غير شرعية برجل أياً كان، بل واتهم جورج طرابيشي خلال تلك المناقشة بأنه بلا شرف، إذ لم يتخيل أبداً نفسه قاتلاً لابنته المولودة حديثاً أو زوجته زميلة كفاحه ونضاله والشريك الاوحد له خلال مسيرته الفكرية والمهنية. 

طلب طرابيشي ايداعه زنزانة منفردة، خير من أن يشارك أولئك “التقدميين”، الذين أثبتوا له بالدليل القاطع ضيق الأفق وعدم القدرة على التحكم في مستقبل واعد لوطنه سوريا.

المحطة الرابعة – التحليل النفسي وإعادة اكتشاف فرويد

لا تكمن عظمة فكر سيجموند فرويد في أنه أتاح فهماً جديداً ومستنيراً للمرض النفسي، ساعد منذ بداية القرن العشرين في علاج الملايين من البشر، وظهور الطب النفسي في كليات الطب، كما انتشرت عيادات التحليل النفسي لتصبح صفة مميزة للمجتمعات المتقدمة. 

تعرض فرويد بالطبع لهجوم كاسح وانتقادات، إذ أحدث ثورة طالت كل العلوم الإنسانية، وكان له انتاج غزير، فقد نال فرويد جائزة نوبل للآداب، تقديراً لاسهاماته التي أعادت تعريف مفاهيم أساسية للأخلاق والجنس والطفولة والذاكرة إلخ، وأهدى الإنسانية مفاتيح جديدة وأصيلة لفهم النفس البشرية وتعقيداتها.

أدرك طرابيشي منذ اللحظة الأولى التي تعرف فيها على أعمال فرويد باللغة الفرنسية الأهمية القصوى لفكر هذا العالم المتميز، فأقدم على ترجمة معظم أعماله عن اللغة الفرنسية، معتذراً عن عدم تمكنه من اتقان اللغة الألمانية، بل وأصبحت عاملاً أساسياً في ممارساته النقدية الأدبية والاجتماعية. 

اما اكتشاف طرابيشي الأول لفكر فرويد، فيعود إلى مصادفة لا تخلو من طرافة. كانت علاقة جورج بوالده علاقة ملتبسة، لا تخلو من عداء من جانب الكاتب. فكان من ضمن عاداته أن يقوم بتمزيق حواف أرغفة الخبز قبل أن يبدأ في تناول الطعام. ولم يكن طرابيشي أو أي من أفراد عائلته أو أصدقائه على أي علم بدوافعه لتكرار ذلك السلوك اللا إرادي، إلى أن قرأ تفسيراً قدمه فرويد لمثل ذلك التصرف على أنه فعل رمزي يقوم من خلاله الابن بتفريغ شحنة الغضب تجاه والده، بل وقتله وتمزيقه رمزياً. 

لم تكن أعمال فرويد متاحة أو حتى مقروءة لدى المثقف العربي المعاصر، فكان للطرابيشي أكبر الفضل في التعريف بفرويد ومدرسته في التحليل النفسي.

المحطة الخامسة – الطرابيشي فيلسوفاً

بانتقال طرابيشي من عالم السياسة إلى عالم الثقافة، واهتمامه بتطور الفكر الإنساني الغربي منذ الفلسفة الإغريقية عند أفلاطون وأرسطو، وإلى أهم الفلاسفة المعاصرين من أمثال جان بول سارتر، ورفيقة كفاحه سيمون دي بوفوار، اقتحم طرابيشي عالم الفلسفة باصدار قاموس فلسفي، وموسوعة لتاريخ الفلسفة، بعنوان “معجم الفلاسفة”، اتاح لأول مرة للشباب العربي التعرف على أهم فلاسفة الغرب، وتطورها عبر القرون، بل وحاور أهم الفلاسفة العرب من أمثال حسن حنفي والعظم ونصر حامد أبو زيد.

مثلت قراءة طرابيشي “لنقد العقل العربي” لمحمد عابد الجابري، على فكر طرابيشي ومجهوده الذي أفرد للحوار مع الجابري ما لا يقل عن عشرين عاماً أعاد خلالها – وهو خريج قسم الأدب العربي –قراءة التراث العربي الإسلامي وتفسيره، من خلال خمس مجلدات بعنوان “نقد نقد العقل العربي”، لا شك أنها – بالإضافة إلى الاجزاء الأربعة المكونة لمرجع الجابري – تمثل في نظري أعظم مناظرة فلسفية ما بين الشرق والغرب وأهم مدخل لدراسة الفكر الحداثي في مواجهة الفكر الأصولي، وعلاقة الشرق بالغرب، وصراع المنطق والخرافة. 

المحطة السادسة – جورج طرابيشي ناقداً أدبياً

وهب طرابيشي – كما رأينا – عمراً بأكمله للكتابة، وكان من الطبيعي إذاً أن يهتم بكلاسيكيات الأدب العربي، وخاصة في مجال الرواية، التي كادت أن تتفوق على الشعر خلال قرن من الزمان، بل ونافست الشعر العربي في أثرها على الوجدان العربي، ووصلت بلا تكلف إلى القارئ العربي، الذي رأى فيها انعكاسات وتعليقات على واقعه الاجتماعي والنفسي. 

وإذا كان لنا أن نصنف أعمال طرابيشي النقدية فقد لا نبالغ إن وصفنا أعماله بأنها لا تقل أصالة عن أعمال غالي شكري ولويس عوض ومحمود أمين العالم وعبد القادر القط وغيرهم. كان طرابيشي دارساً للأدب العربي، ومترجماً فذاً للكثير من الأعمال الروائية الغربية، وجمع في نقده ما بين مدارس التحليل النفسي عند فرويد والفكر الوجودي عند سارتر. ونكتفي في هذا المقال بالقاء الضوء على بعض أهم مساهماته النقدية، ونحن ندين لدار المدارك ومؤسسها، صديق جورج طرابيشي تركي الدخيل، الذي باشر بإعادة طبع أعمال طرابيشي النقدية في مجلدات ثلاثة. 

قدم طرابيشي دراسة نقدية رائدة لأدب توفيق الحكيم بعنوان “لعبة الحلم والواقع”، اتفق فيها مع ذلك الرائد الأدبي المصري في أن محوراً أساسياً يتتبعه الحكيم من باكورة أعماله في “أهل الكهف” و”زهرة العمر”، ألا وهو أن الصراع الأساسي في كل ما كتب الحكيم يدور ما بين مدارس فكرية وأيديولوجية متصارعة، ولا يستمد قوته من حياة واقعية معاشة، حتى في كتاباته المتأخرة المتأثرة بمسرح العبث، مثل “مصير صرصار” و”يا طالع الشجرة”. 

ضحى الحكيم – طبقاً لطرابيشي – بشبابه الذي ولى ثمناً تلذذ الكاتب بدفعه عن طيب خاطر، فيصفه طرابيشي قائلاً: “لا ثمن تحول الحكيم من فتى إلى شيخ قبل الأوان، بل ثمن تحوله من إنسان إلى فنان” (2013: ص 18). أما كتابه لأدب نجيب محفوظ “الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية” (2013)، والتي استهلها بقراءة أصيلة ومتعمقة لروايته “أولاد حارتنا” التي كادت أن تودي بحياة محفوظ وتتسبب في قتله، بيد جاهل سلفي، دفاعاً عن ما ظنه مساساً لا يغتفر بالعقيدة الإسلامية. أما طرابيشي، فقد رأى في الرواية محاولة أصيلة لإعادة كتابة تاريخ البشرية، ولكم كانت سعادة الناقد الكبير حين تلقى رسالة عملاق الرواية العربية التي امتدحه فيها قائلاً: “بصراحة اعترف لك بصدق بصيرتك وقوة استدلالاتك، ولك أن تنشر عني بأن تفسيرك للأعمال التي عرضتها هو أصدق التفاسير بالنسبة إلى مؤلفها.” (2013: ص 275)

ولعل من أهم أعمال طرابيشي نقدياً مجموعة مقالات بعنوان “شرق وغرب. رجولة وأنوثة: دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية”، تناول فيها أعمالاً للطيب صالح، وحنا مينا، ونوال السعداوي وآخرين. 

ويقول طرابيشي في مقدمة الكتاب: “في مجتمع أبوي شرقي، متخلف ومتأخر، مشحون حتى النخاع بأيديولوجية طهرانية، متزمتة وحنبلية، يغدو مفهوم الرجولة والأنوثة مفهوماً موجهاً لا للعلاقات بين الرجل والمرأة فحسب، بل أيضاً للعلاقات بين الإنسان والعالم.” (2013: ص 409) وتنطبق هذه المقولة على العلاقة بين الشرق والغرب، والعربي والآخر، والرجل والمرأة، ويتزامن مع اقتحام المرأة العربية عالم الأدب، بصورة متصاعدة وبحساسية مختلفة جذرياً عن حساسية الروائي الرجل. 

خاتمة

كان آخر ما كتب جورج طرابيشي مقالين حمل أولهما عنوان “تاريخ صغير على هامش التاريخ الكبير”، كان يأمل من خلاله أن يرى ثورات الربيع العربي حين قامت وكأنها تُدخِل العالم العربي في عصر الثورات التاريخية الكبرى. أما التاريخ القصير فتاريخ الكاتب الشخصي المملوء بخيبة الأمل. فيقول طرابيشي: “الربيع العربي لم يفتح من أبواب أخرى غير أبواب الجحيم”. (2020: 243)

أما المقال الثانية بعنوان “سوريا: النظام من الإصلاح إلى الإلغاء”، فتناول فيه الدمار والفوضى، الذي كان ثمنه الآلاف من الضحايا والمصابين والمهاجرين المشتتين. ويختتم رحلته بالمراحل الستة قائلاً: “إن شللي عن الكتابة، أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في حياتي سوى أن اكتب، هو بمثابة موت ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً على هامش ما قد يكونه الموت الكبير الذي هو موت الوطن”. (2020: 245) 

وغاية ما نرجوه في ختام هذا العرض لرحلة ذلك المناضل والكاتب الكبير، ألا يكون موته موتاً حقيقياً، بل أن لا يلبث أن يكون اذاناً بانبثاق عنقاء عربية أسطورية تحيي آمال الملايين، التي كادت أن تفقد إيمانها العميق بمستقبل واعد طال استحقاقه.

الهوامش

طرابيشي، جورج. الأعمال النقدية الكاملة (ج1). دار مدارك للنشر: 2013.
عبودي، هنرييت. أيامي مع جورج طرابيشي: اللحظة الآتية. دار مدارك للنشر: 2020.

الإسكندرية، 8/11/2022