هدى إبراهيم أمون
كتبتُ من روح (لا شيء يعجبني للشاعر الكبير محمود درويش) قصيدتي النثرية القصصية:
في حافلةِ سفرٍ أصغي إليهم:
يقولُ مغتربٌ:
أحببتُ قربي منهم لكنّهم تجاهلوني..!
صادقتُ أزهارَ الروابي، هبَّ اختلافُهم وأحرقَها. صنعتُ قارِبَ اغترابي وهَرَبت.
يقولُ مثقفٌ:
مللتُ تَكرارَ العباراتِ في الصحُفِ والكتُبِ، في الفنِّ والسياسةِ، فلم تزل تُدجّنُ الطيورُ، تُذبحُ الخرافُ و يَسحقُ الجشعونَ الغاباتِ والبؤساءَ.. لملمتُ أوراقي وهَرَبت.
يقولُ تاجرٌ:
لا يستطيعُ شراءَ بضاعتي سوى من حلّقت بهم الطائرةُ نحو المرتفعاتِ البعيدةِ، ولم يتبقّى بجواري سوى من يحلمونَ بالتحليقِ.. خسرتُ بضاعتي وهَرَبت.
يقولُ عاملٌ:
أضعفَ الظلامُ بصري وضاعفتُ ساعاتِ عملي لسدِّ رمقِ الجوعِ، لكنَّني لم أتمكّن من خلقِ التوازنِ بين أجري وتكاليفَ احتياجاتِ صغارِ الطيورِ، هجرتُ آلتي وهَرَبت.
وتقولُ عاشقةٌ:
انتظرتُهُ وآنستُ المغيبَ والشروقَ، لملمتُ السحبَ الورديّةَ واتّكأتُ عليها.. عسى أن يُكملَ بناءَ بيتِ الحبِّ الجميلِ، ارتشفَ حثالةَ فِنجان الحربِ، أذعنَ للإحباطِ، وحولَ مستنقعِ الثغراتِ راحَ يدورُ.. أودعتُ حبَّهُ في تابوتٍ وهَرَبت.
ويقول ذاكَ الخارجُ عن القانونِ:
تَفَشّت أشواكُ الفسادِ، وسمعتُ المسؤولَ يقول:
“الفقرُ في الوطنِ غربة، لذلك اعذروني إن آثرتُ جمعَ المالِ ولم ألتفتْ لهمومِكم..
قمتُ ببترِ يديهِ وهَرَبت
ويقولُ فلّاحٌ:
بعيدةٌ أرضي عن الدربِ، أكدحُ طَوَالَ اليومِ، وأنفضُ جيوبي لتنمو مزروعاتي، وجدتُ أرباحَ موسمي تتصارعُ مع مؤونةِ العامِ وحقائبِ الدراسةِ ووقودِ الشتاءِ، ودّعتُ أرضي وهَرَبت.
ويقولُ طالبُ علمٍ:
احترتُ بينَ بقائي -يُبعثرُني الشقاءُ- أو اغترابي على صهوةِ الأحلامِ، مزّقتُ أُوراقي القديمةَ، ومن ثغرةِ المستحيلِ هَرَبت
وتقولُ سيدةٌ:
أحببتُهُ ونثرتُ في محيطِهِ أزهاري، أحبَّ ذاتَهُ وراحَ ينعمُ ببحرِ العطرِ وحدَهُ، وأنا تُشقيني الصحراءُ.. جمعتُ أزهارَ قلبي من حولِهِ وهَرَبت.
يقولُ جنديٌّ:
هاجمَتنا الرّيحُ وأشباحُ الهلعِ، صنعتُ من جسدي دِرعاً يقي أحبَّتي هبوبَ العاصفةِ وهَرَبت.
يقولُ السائقُ:
شارفنا على الوصولِ إلى محطّتِنا الأخيرة استعدّوا للنزولِ…
فيصرُخون:
ليسَ للمجهولِ محطّةٌ أخيرةٌٍ استمرَّ لاتقِف.
أما أنا فأقولُ:
أنزلني هنا
أنا لا أحبُّ المجهولَ.. ومن الشَتَاتِ هَرَبت.
هدى إبراهيم أمون /سورية



