“ترحيل الأساطير “العنكبوت، والحمامة، في القصص الديني” استغلال الزمن غير العاقل”
داود سلمان الشويلي
لم أكن في دراساتي التي تتناول قضايا دينية تداولها الفقهاء، ورجال الدين، والمفسرون، وكتاب التاريخ الاسلامي، قد اقحمت قلمي في أمر يبعد كثيرا عن اختصاصي الأدبي بل هو ضمن هذا الاختصاص من جانب انه قصة، أو حكاية، أو اسطورة، وأيضا أنا لي فكر يتناول القضايا المختلفة بعقلية سليمة. فالدراسات الدينية التي من الممكن أن نطلق عليها صفة الدراسات الفكرية هي من ضمن الاختصاص الأدبي الذي أعمل عليه، كالفنون السردية، والنقد، لأنني أعدها من باب الحكايات، والأساطير، وقد درست قصة يوسف كما جاءت في التوراة، والقرآن، والفكر الصوفي، وكما ذكرت في التاريخ كذلك، دراسة بنيوية، وأصدرت كتابا كان بعنوان (قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني) وقد صدر عن دار ابن النفيس في الأردن عام . وكذلك درست بعض القصص الديني في كتابي (رؤى الأسلاف – دراسة في الأساطير) الذي صدر عن دار الورشة عام . وقدمت مجموعة من القصص الديني في الديانة اليهودية، خاصة في التوراة بعنوان (تحريف التوراة)، وكذلك كتاب ( التزوير الفاضح لسرديات التوراة – نظرية المفكر فاضل الربيعي عن اسرائيل المتخيلة) والكتابان سيصدرا عن دار أكوان في مصر في بداية عام 2024. كل هذه الدراسات قد تناولها قلمي تناولا أدبيا، وليس تعبديا، أو فقهيا، ولهذا فان قصة العنكبوت الذي بنى بيته على باب غار ثور أثناء اختفاء النبي محمد، وصاحبة فيه عند الهجرة الى المدينة هي من هذا الجانب حيث سيتم تأصيلها، مع طرح سؤال رئيسي مفاده: هل القصة حقيقية الوقوع في الاسلام أم انها منقولة من الغير، والتي دخلت علينا من التراث الاسرائيلي، أوالمسيحي، كما حدث في تفسير الطبري؟
***
في المرويات الدينية، والتي تتشبث بأي فعل مهما كان مصدره لتؤكد على حسن سير أي فعل نابع من الشخص الذي يراد تقديسه أو اعلاء كلمته عند المؤمنين به يقف الزمن في صدارة اختيار تلك المرويات فيمتزج الزمن العاقل الذي يصدر من كائن عاقل مع الزمن غير العاقل الذي يصدر من كائن غير عاقل كما حدث في قصتنا التي سنتناول تشريحها في هذه السطور أي ان الزمن الذي مرّ بكائن غير عاقل وهو العنكبوت، والحمامة، استفاد منه الكائن العاقل ليبقى حيا، وهذا يقع في باب مهم من أبواب المعرفة الانسانية، وهو الترحيل، ترحيل فن من حضارة، أو ثقافة، أو معرفة، ما، الى من حضارة، أو ثقافة، أو معرفة، أخرى.
***
في متناول هذه السطور قصة لها وجه مسيحي، ووجه اسلامي، فهي تروى في التراث المسيحي عن قديس مسيحي حدثت له في القرن الثالث للميلاد، وفي التراث الاسلامي تروى على انها حدثت للنبي محمد، وصاحبه، في بداية الدعوة الاسلامية. وفي هذه السطور سنأصل لها لنعرف متى وقعت تلك القصة، وهل رحلت من دين الى دين؟
***
قبل كل شيء علينا أن نذكر ان قصة العنكبوت الناسج لبيته على باب غار الهجرة لم ترد في القرآن، ولا قصة الحمامة التي ترقد على بيضها أيضا، ولهم دلالاتهما الزمنية، إذن هما قصتان غير قرآنيتين، وكذلك ليست مما توارث من أحاديث النبي، وانما هي قصة من المرويات التي سبقت الدين الاسلامي بقرون، فقد ذكرت في التراث المسيحي.
تروى قصة القديس فيلكس التي تعود للقرن الثالث الميلادي، وفيها العنكبوت، والحمامة قتذكر: انه ((ولد القديس فيليكس في نولا بإيطاليا، وعاش في القرن الثالث. وبعد وفاة والده، باع فيلكس ممتلكاته، وأعطى عائداتها للفقراء، وسيم كاهنًا على يد الأسقف مكسيموس. أثناء الاضطهاد في عهد الإمبراطور الروماني داكيوس، أُجبر مكسيموس على دخول كهف، وقام الإله بجعل عنكبوت ينسج بيت له عند باب الكهف !! وكان معه القس مكسيموس (يعني اثنين)! ولما جاء الجنود وجدوا العنكبوت، ونسيجه، فلم يدخلوا الكهف!!!)).
***
أما في الفكر الاسلامي فإن أوّل من ذكر القصة عن ابن عباس هو الامام أحمد في “مسنده” كما يذكر الرواية بالعنعنة، وقد انتهى من تأليف “المسند” سنة 227 هـ أو سنة 228 هـ تقريبًا، وذكرت في الكثير من المصادر الاسلامية. وعندما نوثق لابن عباس نجده قد ولد سنة (3 ق هـ) أي ظل مع النبي ثلاثة عشر عاما، وهذا يعني انه رأى النبي، وهو طفل، دون أن يرى الواقعة كما حدثت، وانما ربما سمعها بعد وفاة النبي عندما كبر، وأنا أشك في ذلك، لهذا ترى السطور ان الذين نقلوا على لسان ابن عباس لم يكونوا صادقين مما نقلوه من حديث له.
وكذلك ترى هذه السطور ان الذين كانوا يتداولون هذه القصة، وهم في زمن العباسيين الذي دوّن فيه ابن حنبل “مسنده”، هم يريدون أن يحسّنوا من قيمة، وسمعة، ابن عباس جد العباسيين، وهؤلاء الكتبة يريدون ترضيتهم، والحضوة عندهم. هؤلاء كانوا قد استعاروها من موروث ديانة أخرى دون ذكر المصدر وهو الديانة المسيحية إذ كانت متداولة على ألسنة رجال الدين المسيحي، وكانوا يرددونها في المواعظ الكنيسية.
***
ضعّف هذه القصة الالباني الذي كان مهتما بتحسن الحديث النبوي، فيما حسنها غيره. وقد نقل في “الكفاية” عن الإمام أحمد قوله: ((إذا روينا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدَّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكمًا أو يرفعه تساهلنا في الأسانيد.)).( “إسلام ويب” الثلاثاء 6 صفر 1432 هـ – 11-1-2011 م). وهذا يعني ان القصة مستوردة من تراث دين أخر غير الدين الاسلامي، ولا يهم ذكرها في الفضائل.
***
إذن، لا عنكبوت، ولا حمامة، رافقت النبي، وصاحبه، في غار ثور عند الهجرة الى المدينة، وان ما ذكر من قصتهما هو انها قد رحّلت من دين الى دين آخر، وقعت الحادثة، أو لم تقع في الدينين ليستغل فيهما الزمن.
***





