المجلة الثقافية الجزائرية

بريزينة من جبال القور إلى قصر الأميرة مباركة بنت الخص الهلالية

رحموني عبد الكريم

إن الجمال انسجام بين الإنسان والطبيعة والكون، ولعل هذا هو السبب في أن الفلاسفة قد وضعوا فلسفة الجمال منذ البداية في مقابل الطبيعة على اعتبار أن الإنسان إنما يحاول عن طريق «الفن أن يستخدم الطبيعة. ويضطرها إلى التلاِؤم مع حاجته. ويلزمها بالتكيف مع أغراضه.» وولعنا بالجمال الموصوف بدائرة بريزينة جعلنا نشد الرحال نحن الأربعة: الحاجة الزهراء بلباسها الناصع البياض وطيبتها ومدى صدق مشاعرها النبيلة، والأخ معمر العزيز على قلبي الذي تكبد مشقة السفر من فلندا إلى ولاية بشار، والوسيم المحبوب سائق السيارة البيضاء محمد توهامي ثم كاتب هذه السطور يسوقها للقارئ سوقاً كما يسوق الراعي قطيع أغنامه.

الليل أقبل مسرعاً يعلن الترحال والقمر بازغاً يتوسط السماء، وعلى ضوءه تسير السيارة على عجل، وصلنا إلى جبال القور بعدما ألقت الشمس أشعتها الوهاجة على تلك الجبال فانعكس الشعاع على القور ليظهر لنا لوحة فنية، طبيعية من صنع عظمة الخالق لا نظير لها، زادت المكان حلة وبهاء، صعدا معمر ومحمد توهامي جبال القور الشديدة الارتفاع، ليكتشف سحر القور وفتنة تلك الجبال، وبقيت مع الحاجة نستعرض شريط الذكريات حول أمنا الحنون بربار بركاهم واشتياقها للمّة والجماعة وتلك الرابطة الجامعة بين الأفراد، وكثرة محبتها للضيف إذا ولج الباب، حل بالبيت تسرع هذه الأم الطيبة رغم تثاقل الخطوات لإعداد القهوة وتقدم الأوامر للغير بغية إكرام الضيف ولا تطيب لها نفسًا حتى يسعد الضيف.

في دائرة بريزينة ولاية البيض يوجد قصر مباركة بنت الخص الهلالية في مكان يدعى عين لعمارة، هذه الأميرة التي حكمت الأمارة بعد وفاة أبيها السلطان بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر ميلادي، كما حكمت أروى بنت منصور الحميري التي شكلت بأنوثتها الجذابة سلطة قوية على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ولولا دهاء وسياسة أروى بنت حبيب ما استطاع الخليفة العباسي إدارة الحكم وسياسة الدولة العباسية. ونظراً لجمال مباركة بنت الخص الهلالية كذلك وقوة شخصيتها ورجاحة عقلها خطبها السلطان لكحل أبو الحسن المريني، فعلمت جشعه وطمعه في أمارتها فرفضت ذلك حباً في قومها ودفاعاً عن أمارتهم، لم تكن مثل بلقيس ملكة سبا التي ألقى أليها الهدهد كتاباً، وما كانت قاطعة أمراً، بل تشاورت مع أهلها ﴿يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَة أَمْراُ حَتَّى تَشْهدُون﴾ وجاءت إلى سيدنا سليمان عليه السلام مذعنة، وأسلمت نفسها مع سيدنا سليمان لله رب العالمين، لكن مباركة بنت الخص لم ترضخ فتحصنت في قصره مع قومها بأبوابه المانعة، الموصدة، وكان لها من الطعام والشراب ما يكفي أهل المدينة لمدة عامين أثناء حصار السلطان أبو الحسن المريني.

بدأ مخزون الطعام والماء يشح وينفذ، واهتدت الأميرة إلى خطة محكمة برجاحة عقلها وكثرة كيدها فأطعمت الماشية القمح وأطلقتها تلقاء جنود المريني وأمرت قومها بغسل كل الملابس والأفرشة وأن تعلق على جدران القلعة، استقبل الجنود الخرفان وأمر السلطان بذبحهم فوجد الأحشاء ممتلئة بالقمح ونظر صوب القصر ليندهش بالغسيل المنشور، فأدرك أبو الحسن أنه أضاع وقته في حصار قوم يمتلكون الكثير من الطعام وماء القلعة غير آسن لا ينضب فعاد يجر أذيال الخيبة والهزيمة فصدق عباس محمود العقاد قائلاً: «أما هذه المخلوقة فلو انتقل عصب منها إلى تكوين ليث غضنفر لبقى هناك عصب أنثى بين جميع من ألواح وأمشاج، ولو بقى ألف سنة.

ولو أنها تفرقت بين أجسام شتى لكانت فيها خميرة أنوثة يوشك أن تطغى على جميع تلك الأجسام.» 

قائمة المراجع:

عباس محمود العقاد: سارة، نهضة مصر للطباعة والنشر، طبعة رابعة، يوليو سنة: 2006.

إبراهيم زكريا: مشكلات فلسفية (مشكلة الفن)، مكتبة مصر. 

رحموني عبد الكريم كاتب من الجزائر.