واصل طه
أجْرَيْتُ في أرضِ الْمُروجِ جَداولًا
وَغَرَسْتُ فيها أطيبَ الثَّمَرات
وَزَهَتْ على جَنَباتِها جُلْنارَةٌ
مَحْفورَةٌ في الْقَلبِ والرّاياتِ
وبلابلٌ صَدَحَتْ لفجرٍ قادمٍ
غمرَ الوجودَ بأجملِ النَّغَماتِ
بلدي تُعانقني…برمْشِ عيونِها
قد علَّمتني العشقَ والآهاتِ
مُذْ غادرَ الأهلونَ حقلَ سنابلٍ
كَبُرَتْ سَنابِلُ حَقْلِهِمْ في ذاتي
فَغَرَسْتُ فوقَ الشَّمسِ رايةَ موْطني
فَتَضَوَّعَتًْ ندًّا بنورِ حياتي
قانا تذكِّرُني عيونُ جِنانِها
أقمارَ وَهْجِ الليلِ والنَّجماتِ
والقدسُ دُرَّةُ تاجِنا بَرَّاقَةٌ
نَبْضُ القلوبِ وخفقَةُ الخَلَجاتِ
أكْبَرتُ غَزّةَ في لَهيبِ أُوارها
ولثمتُ كأسَ الحزنِ والمأساةِ
أما جنينُ فقد سَمَتْ في موقفٍ
وتأهَّلَتْ للمجدِ والفَوْزاتِ
أَجْرَيْتُ في الأغوارِ حُزْني جَدْوَلًا
حتى يَفيضَ النَّهْرُ مِنْ دمْعاتي
وَتَمايَلَتْ حَيْفا بموجٍ ناعمٍ
وجمالها بتَمَوِّجِ النَّسَماتِ
وَغَفَتْ على صَدْرِ الجبالِ طُلُولُها
فتلألأتْ دُرَرًا على النّبْتاتِ
يافا عروسُ بلادنا ابْتَسَمَتْ لنا
لما انْتَشَتْ من عِطْرِ بياراتِ
وغَدَتْ بلادي شعلةً في غيهَبٍ
هَزَمَتْ سوادَ الُلَيلِ والدُّجْناتِ
وَتَحَمْلَتْ حَرْبًا غّشُومًا قد طَغَتْ
وَأَناةُ روحي …أخْمَدَتْ أنَّاتي
عانَيْتُ عَيْشًا في كيانٍ قد بغى
وَحَمَلْتُ نارَ السَّوطِ والضَّرَباتِ
وبقيتُ في أرضِ الجدودِ بُذورُها
تنمو بظلِّ النُّورِ والعتماتِ
أكبرتُ في أرضي خُصُوبَةَ مَنْبَتٍ
فاضَتْ بنا كالرّيحِ والْمَوْجاتِ
فَنَزَعْتُ مِنْ فَكِّ الأفاعي نابَها
وغدوتُ دَبّوسًا بِحَلقِ طُغاةِ
ووقفتُ كالسَّيفِ المُرَصَّعِ نصلُهُ
بالعزِّ والأمْجادِ والنَّخْواتِ
أرضي بساتينٌ تَعِجُ زنابقًا
مِسْكًا وَعِطْرًا فاحَ في الفَلَواتِ
ورجالُها كَغَضافِرٍ حَرَسوا الحمى
في السَّهْلِ والوديانِ والهضَباتِ
شهداءُ لو سقطوا شَمَمْنا عِطْرَهُمْ
ريحًا رَسيسًا لَيًنَ الْلَمَساتِ (١)
خَتَمَتْهُ ريحُ المِسْكِ في هَيَجانِها
أبَديَّة الريحانِ والشُّعُلاتِ
١- ريحٌ رسيس : ناعمة ولينة الهبوب
قانا الجليل – فلسطين
١٥ / نيسان/ ٢٠٢٤



