المجلة الثقافية الجزائرية

الـحـربُ والإعلام

 خالد جبور

الإعلامُ مِنْ “أَعْلَــمَ” وهوَ الإخبارُ. يقول ” معجمُ العرب”: ” لابدَّ مِن إعلام الجمهورِ بالحقيقةِ؛ إخبارُه، [كـي] يكونَ على عِلمٍ ومعرفةٍ.” والإعلامُ يعني ” التنبِئة” أو “التنبــيء”؛ نبَّأَ إذنْ تعني ” أَخْبَــــرَ”، غيرَ أنَّ اللافتَ للنظر أنَّ المعجمَ عينَهُ يُخبِرُنــا أنَّ “نَـبَــأَ” تعني كذلك الهجوم: ” نبأَ على العدوّ، (تعنـي) طلَعَ عليهِ هاجِـمــا.”

منذُ أنْ أضحــى الرأيُ العام فاعلا أساسيا في السياسة وما يرتبطُ بــهـا صارَ الإعلامُ ووسائلُه ساحةَ صراعٍ، ذلكَ أنَّ الإمساكَ بزمامِ هذه الوسائلِ باتَ طريقا سالِكةً نـحوَ حسمِ معارِكِ السياسة بالاعتماد على الشرعيّة النابعة من الأغلبية. نستحضرُ في هذا السياقِ جانبا من المعاركِ التي خاضها التنويريون في فرنسا القرن الثامن عشر. لقد كانَ للجريدةِ والصالونات الأدبيةِ دورٌ جوهريّ في معركة “النظام الجديد” ضد النظام القديم (l’Ancien Régime ) إذ بــها استطاعَ هؤلاء نشرَ أفكار فلاسفة الأنوارِ وجعلَها في متناول الأغلبية، ممهدة بذلكَ الطريقَ لذلك الانقلاب العظيم الذي ابتدأ رسميّا منذ 1789.

تلكَ الوسائلُ غدت تقليديةً تكادُ تنحصرُ في المتاحفِ وكتب التاريخِ، لأنها تطورت متواشجةً مع التطور التقني الهائل الذي مسَّ بالخصوص تقنيات التواصل والإعلام، ووظائفها ما تزالُ هيَ عينها، مع تبدّلٍ نحو الأسوأ أكثر منه نحو الأفضلِ.

لقد صارَ الإعلامُ من أبرز القوالب التـي بـها يُشَكَّلُ الرأيُ العام، وصحيحٌ كذلك أنَّه غدا الترمومتر الذي به يمكنُ قياسُ درجةِ الانحطاطِ القيميّ والتفسِّخِ الأخلاقيّ وجحود الواقع. فالتلفازُ _ذلك الضيف الذي لابد منه (1)_ ثم شاشات الهواتف الذكية ومختلف الأجهزة هي الوسيط بين الإنسان وواقعهِ الذي صار عسيرا عليه النظر فيه واعتباره مباشرةً دون وسيط.

هي الـمَعـيـنُ إذن، منه تمتح الذهنياتُ وبه تتشكّلُ العقليات، وبالتالي فمن الـمُــــــؤكَّـد أن الوسائط إذْ تطورت في أحضان إرادة القوة والسيطرة قد صارت مُـوجِّهات تُخضِعُ النفوس، وحينئذٍ لا يحتاج مُلاّك الوسائط تلك إلى إخضاع الأبدان، وتسويغِ سياساتهم وجعلها مقبولة من طرف الرأي العام.

فلنتذكر، في هذا السياق، تلك (الـممرضة) الشابة المسماة “نيرة” والتـي صرّحت، قبيل الغزو الأمريكي للعراق، بحدوث مأساة فظيعة راح ضحيــتـَــــها الأطفالُ الخُــدَّجُ في إحدى مستشفيات الكويت بعد غزوها من طرف القوات العراقية.

لقد تبين فيما بعد أن هذا التصريح الذي قدمته تلك الشّابةُ أمام لجنة من مجلس الشيوخ الأمريكي والذي انتشر انتشار النار في الهشيم هو – في الحقيقة – شهادةٌ كاذبة، وافتضح أمرُهـا حيث ظهر أنها في الحقيقة ابنةُ “سعود بن ناصر الصباح”، وهو السفير الكوتـيّ بواشنطن، وأنها تلقت تدريبا مكثفا قبل تصريحها ذاك، وأن مدرّبها لم يكن سوى المدعو “ميشيل ديفر” (Michael Deaver)، وهو مستشارٌ سابق للرئيس الأمريكي “رونالد ريغن” مسؤولٌ عن الاتصال.     وَلا أحد ينكر تأثير تلك الشهادة التي دغدغت عواطف الملايين، دافعة بذلك الرأيَ العام لقبولِ فكرة التدخل العسكري ضد نظام “صدام حسين”، ضاربة صفحا عن كل الأصوات الـمناوئة للحرب، والتي صارت، إن هي علت، رفضا لصراع ” نبيل” ضد الشر. بذلك صارت الحرب على العراق حربَ الإنسانية ضد الهمجية، وحربَ الأنوار ضد الظلمات، وصراعَ الديمقراطية وحقوق الإنسان ضد الشمولية و الديكتاتورية…

والإستراتجيةُ عينُها قائمةً ما تزالُ، والفاعلون هم عينُهم لم يتغيروا، فما تغيرَّ إلا الأحداث. ولنلقِ نظرة متفحصة على راهننا، راهن العالم، لنتبين صحة هذا القول.

الــتـدبــيــر الاعلامي للحرب على غزة

إذا أردنا تحديد ملامح التغطية الإعلامية للحرب على غزة يمكن القول – إجمالا – إنها حقّا تغطيةٌ ( بالمعنى الأول للكلمة)، أي إنـها حجبٌ وإخفاء. وهذا الحجب / الإخفاء يتواشجُ مع تكتيكات أخرى عدة تشكل منهجيةً للعمل الإعلامي وفيةً للغاية المرجوة منه: التعمية وتشكيل رأي عام منفصل عن الواقع كما هو. هذه المنهجية يمكن إجمالها فيما يلي:

– تحديد السابع من أكتوبر 2023 كبداية للمشكل في فلسطين؛

– شيطنة المقاومة وربطها بالإرهاب؛

– تسمية الحرب: حرب إسرائيل – حـماس؛

-إظهار جزء من الواقع وغضّ الطرف عن أجزاء؛

– التشكيك في الأرقام ؛

– إدانة كل منتقد واعتباره معادٍ السامية.

ففي كل مادة تخصصها القنوات الإعلامية الغربية (الفرنسية نموذجا) وغيرُها من الداعمين للطرح الصّهيوين، يركز الـمتدخلون على تاريخ السّابع أكتوبر 2023 تركيزا كبيرا. فهو عندهم بداية المشكل في فلسطين. في ذلك اليوم، جمهور غفير من ” المسلحين” هاجم (إسرائيل) بعدما اخترق “الحاجز الفاصل”. تلك هي البداية كما يصورونها. فلا تحليل لدواعي ذلك الهجوم من أجل معرفة طبيعته، ولا تفكير في الغاية من وجود ذلك الحاجز الفاصل الذي هو في الحقيقة سور ” مبنيٌّ بالإسمنت والعنصرية” وهو أشبه ما يكون بأسوار السجون، يحاصر قطاعا صار سجنا في الهواء الطلق، مسجونٌ فيه ما يقارب 2,3 مليون فلسطيني، يعانون ويلات الحصار والقمع والاضطهاد، كما يعاني مثلهم أكثر من 5،9 مليون ممن كان مصيرهم الشتات بعدما جردهم الاحتلال من أرضهم وطردهم طردا جماعيا خارج الأرض التي غدت آخر الـمُستعمرات في الحقبة المعاصرة.

فمشكلة فلسطين عندهم ليست قضية ضاربة في القدم، كانت بدايتها الرسمية مع قيام دولة إسرائيل سنة 1948، وإرهاصاتها لم تكن موجودة قبل ذلك التاريخ ( المؤتمر الصهيوني 1897 ووعد بلفور 1917…) بل هو “هجوم” أو “أحداث” اندلعت يوم السابع من أكتوبر 2023. هكذا، بكلمات معدودات، ومنذ بداية هذه التـي تُسوَّق عل أنـهــا تغطية صحفية إعلامية، تُطْمَسُ ثلاثةُ أرباعِ قرنٍ من التاريخ الذي جُلُّ أحداثِـه حروبٌ غاشـمةٌ وعدوانٌ ومقاومةٌ مستميتةٌ دائما ما تنبعث من الركام والرماد.

وقَد تواتر، في خضمّ هذه “التعمية”، تشبيهٌ شنيعٌ، الهدفُ منه شيطنةُ الـمُقاومة وتصويرُها كشرٍّ مُطلق نازعة بذلك عنها طابع الــمُقاومة، مُشبّهةً إياها بـــــ “داعش”، هي التـي في الحقيقة حركةٌ تحريرية تواجه منذ عقود طويلة جبروت الاحتلال. هكذا، يُلوى عُنُقُ الواقع، ويُشوَّه تشويها، حتـــى وإن اقتضى الأمرُ تصويرَ فظاعات متخيلة وتسويقَها. قيلَ مثلا بأنَّ النسّاء في الأرض المـحتلّة تعرّضن للاغتصاب، وتردد القولُ هذا في مختلف الـمنابر، وتعالت أصوات التنديد عاليا حتى طمست الأصداء القادمة من منظمة الأمم المتحدة والقائلة إنّ هذا مجرّد ادعاء، وإن كانت هناك ضحايا مُغتَصباتٌ، فأينهنّ وكيف ولـماذا لـمْ يشكين؟

إنّ القول إنّ عملية السابع أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى) عمليّةٌ إرهابية عنصر أساس من الإستراتيجية الـتـي تتبعها إسرائيل في هذه الحرب، ذلك أن هذا التشبيه غطاء حاجب ومصدرٌ للشرعيّة التي بــها تُبرّر ما اقترفته وتقترفه من مجازر.

ثــمَّ كانَ ما سمّوه ردّا – وهو في الحقيقة حربٌ من أبشع الحروب في كلّ العصور – وكان الضحايا يُعدّون بالآلاف بين شهيد وجريح، وكان التجويعُ، وسياسة العقاب الجماعي، وظهرت أصواتٌ منددة بما يحصلُ، فــما كان لوسائل الإعلام تلكَ إلا أنْ تنزعَ منزعا فريدا بحقارته وهو التشكيك في الأرقام.

فهذه الحربُ في تصويرهم حربٌ بين إسرائيل وَ حماس، وليست حربا ضد الشعب الفلسطيني الذي كان يعاني حتّــى قبلَ أن تتأسس حماس، وإذ هي كذلك فإن كلَّ ما يُقالُ وسيلة حربية لا غير: عندما تقدم قناة من القنوات المؤيدة للحرب أرقام القتلى والمعطوبين، تذكّر باهتمام شديد أنّها أرقامٌ قدمتها ” وزارة الصحة التابعة لحماس” وهي بذلك تشكك حتى في وجود أولئك الضحايا الذين برؤيتهم تنفطر قلوب الملايين، بل الملايير.

 بيدَ أنّ الواقعَ صار صارخا لا سبيل إلى طمسه، فالمسألة غدت قضية إبادة جماعية مرفوعة رسميّا لدى محكمة العدل و محكمة الجنايات الدّوليّتين. ولنتذكر الانحياز البيّــن عندما لم تغطِّ وسائلُ الإعلامِ الغربيةُ مرافعةَ جنوب إفريقيا، في حين سارعت إلـــى بث مداخلة دفاع إسرائيل، وتجنيد “الخبراء” ودعوة “المثقفين” لتحليل مداخلات الدفاع، وتفسير خبايا هذه التهمة التي تهدف -حسبهم – إلى تشويه صورة إسرائيل من طرف دول معادية للسامية ومنظمات معادية للسامية… حتى صارت تهمة “معاداة السامية” يوسمُ بها كُلُّ من ينتقد أو يندد. إذا انتقدت سياسة “العم سام”، فأنت – في مِلَّـتهم واعتقادهم وَفَـــتَــاوَاهم – معادٍ للسامية، وعليه فحججك كلُّها باطلة واهية، واتهاماتك جميعُها محضُ ادعاءات، وكلامُك لا يجوز الاستماع له، وهذا ما تواجِهُ به الإدارةُ الأمريكية “الديمقراطيةُ” تظاهرات الطلبة في مختلف الجامعات. 

من النــتــائج: 

عـصـرُ الرّيبة وعولَمةُ “ديزنـي لاند” 

    الناجمُ عنْ هذا التأطير الإعلاميّ للحرب على فلسطين عامة، وعلى غزّة بالخصوص، أنْ أُطِّرتْ الأحداثُ وَقُـــدِّمَــت وجْهاتُ نظرٍ مـــخصوصة على أنَّهَــا الــحقيقة. وَلـئـن كانتِ الـحقيقةُ تعـنـــي –فــي أدبيّات الفلاسفة – ذلكَ التطابقَ بينَ الواقِعِ والفِكرَةِ الــمُعَبَّــرِ عَنْــهَـا في الخطابِ، فَلنَا أنْ نتصَوَّرَ ما يشوبُ الحقيقةَ نتيجةَ هذا التشويه والتّدليس. ذلكَ أَنَّ ما يُقَدَّمُ إنَّــمــا هوَ رأيٌ عن واقعةٍ، وَهوَ رأيٌ مرتبطٌ بـمصالِحِ القائلين به. وَفــي الواقِعةِ (الحربَ أعنـي) أحداثٌ مشينةٌ لا إنسانيةٌ (الاحتلال/الاستيطان/القمع الوحشي/الإبادة…) يعرِف هؤلاء القائلون أنفُسُهُــم أنَّ مصالِحَهم ستُمَسُّ إِنْ هِيَ عُرِفت على حقيقتها. فَـهُـم إذن يقَدِّمونَ رأيا عن هذا الذي وقعَ وما يزالُ، باعتبارهِ نقْلاً موضوعيا لواقعٍ، ويستميتون مستعملين وسائل شتـى لتثبيت الفكرة القائلة إنَّ ما يقولونه ويُعلِمونَ عنهُ إنَّـمَا هو الحقيقةُ عينُها. 

    إنَّ القصفَ الإعلاميَّ لاَ ينفصِلُ عن القصفِ الماديّ العسكريّ، فإنْ كان هذا يهدفُ إلــى إرهابِ البشرِ وإضعافِهم للسيطرةِ عليهم، فإنَّ الأولَ قوةٌ ناعِمةٌ تستهدِفُ النفوسَ، فتزرعُ فيها أفكارَ الطامعينَ في الهيمنةِ، فإنْ أخْضَــعَــتْــهُــم فكرًا، فقد تحققَ لها الإخضاعُ إطلاقا. 

    وجماهيرُ البشر الذينَ يُقْصَفون من طرف جحافِلِ الإعلاميين والخبراء يجدونَ أنفسَـهم تحت وابلٍ منَ “الأخبارِ”، لكنهم يسمعونَ أو يقرؤون أمورًا مُخالِفةً لواقِعِ ما يَـحْـدُثُ. يرونَ تلكَ الوقائعَ مَـشَوَّهَــةً، ثم يحدثُ أنْ يروها مُقَدَّمَةً في نُسَخٍ أخرى، فتحدُثُ الزوبعةُ، ويحارُ المَرْءُ بين هذه الصيغة وتلك، فتَعُمُّهُ ريـــبَــةٌ عميقةٌ، هذا إنْ لم ينغمس في اللامبالاة ذاهِلاً عمَّــا يقعُ، باحِثًـا عن أمانِ اليقين في أجزاءَ أخرى من واقِعِ العالَــمِ أو عوالمه الـموازية الافتراضية. 

    عنْدمَــا تُغتَصَبُ الحقيقةُ اغتصابًــا، ويُقَدَّمُ البُهتانُ على أنَّهُ الحقيقةُ الوحيدةُ الـمُطلقَةُ، فَمنَ الممكنِ أنْ “تتماثَلَ الخطاباتُ (والأفكار) لأنَّــهَــا كلَّها تصيرُ محصِّلَةِ الضربِ في الصّفر. [وهكذا]، يـختفي الفرقُ بينَ الهذيانِ والبرهنةِ، وبينَ الهلوسَةِ وَالرّؤيةِ، وبينَ المعرِفةِ والشّعوذةِ، [ويندثرُ الفرقُ] بــيــنَ شهادةِ الزّورِ والشهادة الصّادِقة، وبين المؤَرِّخِ وَالخَرِفِ (مَــنْ فسَدَ عقلُهُ)، وهذا قدْ يكونُ نهايةَ العقلِ […].”(2)    

    يتراءى إذن لــمُــتَــتَبِّعِ تغطيةِ الإعلامِ الغربِــيّ للحرب على فلسطينَ أنّهُ إعلامٌ ينطلِقُ مِنْ مُسَلَّمةٍ أساس، وهي أنَّ متلقـي هذه التغطيةِ ناقصُ عقلٍ، غيرُ قادِرٍ علــى تمحيصِ الواقِعِ وفهمِــهِ، وإلاَّ ما كانَ لهذا الإعلامِ أنْ يُقدّمَ صورةً مغشوشةً بشكل فاضحٍ عن واقعة الحرب، حيثُ إنَّــه – كما قلنا -مــحا من تاريخ الواقعة عينِها ثلاثة أرباع قرن، وحيثُ إنّه قَلبَ عناصرَها قلبا مُشينا، فصار الـمُستَعمِرُ عندهُ ضحيةً بريئةً كلَّ البراءةِ، وأضحتِ الضحيةُ عندهُ جلاَّدا يستحِق العقاب والتنكيل.     يقدمُ الواقِعةَ مقلوبةً، وكأنــه متيقِّنٌ كلَّ اليقينِ بأنَّ الـمتلَقّــي ليس بـمقدوره التفكيرُ والاعتبار ليرى أنَّ أسرابَ الطائرات وجحافل الدبّابات التي تقصف المنازلَ والمستشفيات والمقابر وخيمَ النازحين أشدُّ إرهابيةً ممَّا عُرِفَ عن الإرهاب، ذلكَ أنَّهُ إرهابٌ مُسلَّحٌ بأحدث تقنيات (الذكاء الصناعي) وَمُنَظَّمٌ في إطارِ جيشٍ نظاميّ، ينفذ أجندات دولة مهمتُّها السيطرة ووأدُ كلّ نهضة عربيّة قدْ تكونُ نقيضا كابـحا لأمركةِ جزء واسع غنيّ من العالم. 

    هوَ إذن إرهابٌ من نوعٍ آخر: قصفٌ للواقع بغارات من الواقع الـمزيَّــفِ وَ”غاراتُ الواقِعِ الـمزيَّــفِ تُنْــتِــجُ بشرا بشريَّتُهم شوهاء، بشرا مزيفين أكثر من المعطيات التي تحيط بهم من كلّ صوب. فالواقعُ الـمُزيَّــفُ ينتجُ بشرا مزيفين، والبشرُ المزيفون ينتجون، بدورهم، واقعا مزيّفا يُـسَـــــوِّقونه لبشر آخرين، مُــحَوِّلينهم بذلك لبشر مزيفين؛ إنَّــها حقًّـا نسخةٌ موسعةٌ لديزنــي لاند.”(3)

    ختاما، لابد من الإشارة إلى أن هذه الـمسألة التي حاولنا مناقشتها ليست صيغة لنظرية الـمُآمرة المبتذلة، بل هي تجلٍّ من تجليات الصراع الكوني الدائر في الاقتصاد والسياسة والـمُـتَــشَــعِّــبِ في الفكر والإعلام. هذه ميريت زكي، صحفية من الصحفيات التي خبرت مـجال الإعلام واكــتشفت تلابيبه دون أن تتطبع معه، تقول إن ما يجري في الوقت الحاضر إنما هو ثقافة إيديولوجية أحادية تتحكم بها شرطة للفكر تحدد ما يجوز وما لايجوز التفكير فيه وقوله. 

وهذه السيدة نفسها تقر بأنَّ حربا دائرة هي حرب المعرفة والفكر وأن من يخوضها جيوش منظمة، وأن مقاومة هذا العدوان المعرفي الفكري تحتاج كذلك كتائب من الأقلام الحرة والميكروفونات المستقلة والمنصات التـي يُديرُهــا بَشَرٌ توَّاقون للحقيقة والحق والحرية والعدالة. 

هوامش

استعملَ بيير بورديو العبارةَ عينَهَا في ثمانينيات القرنِ الماضـي وهوَ يتحدّثُ عن التلفاز بفرنسا وعَنِ النزعةِ اليمينيةِ المتطرِّفةِ التــي صارتْ تتحكّمُ بتلابيبِهِ. 

‘’ Tous les discours se vaudraient et ne vaudraient rien … il n’aurait aucune différence entre un délire et ne démonstration, entre une hallucination et une perception, entre une connaissance et une superstition, entre un faux témoignage et un témoignage véridique, entre un historien et un mythomane. Ce serait la fin de la raison.’’

André Comte-Sponville, Dictionnaire philosophique, article ‘’Vérité’’. 

‘’ Le bombardement de pseudo-réalités finit par produire des humains non authentiques, aussi faux que les données qui les entourent de toute part. les fausses réalités vont créer des faux humains ; et les faux humains vont à leur tour créer des réalités et les vendre à d’autres humains en les transformant à leur tour en faussaires. C’est juste une version élargie de Disneyland.’’ 

Philip K.Dick, cité par Bruno Patino in La Civilisation du Poisson Rouge, Petit Traité sur le Marché de l’Intention, Grasset, 2019, p, 56