المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

التشاركية الثقافية ومبدأ الجود من الموجود

 الدكتورة زهرة بوسكين

تعد الديموقراطية التشاركية من أهم الاستراتيجيات المنتهجة حديثا وتعرفها الدراسات التي تناولتها كدراسات أرنولد كوفمان وأخرى بأنها نظام يعتمد على إشراك المواطن في صنع القرارات ذات الأولوية عن طريق التفاعل المباشر وطرح ومناقشة مختلف الآراء والمشكلات لتمكينه، والتمكين حسب الباحثين هو توسيع نطاق حرية الاختيار والفعل وبالتالي تعزيز سلطة الفرد ورقابته على الموارد والقرارات التي تؤثر على حياته (نارايون،2002، ص14) 

ومع تطور مبدأ الديموقراطية التشاركية واتخاذه للعديد من التغيرات منذ 1964 صارت تعتمد عليه العديد من الأنظمة في دول العالم ومنها الجزائر الجديدة

وهذا بالموازاة مع شمولية البرامج السياسية التي تسطرها الدولة واتجاهاتها وتوجهها لرسم خريطة طريق لتسيير العديد من المجالات الحيوية 

على غرار الجماعات المحلية وفعاليات المجتمع المدني ومختلف القطاعات التي يعتبر قطاع الثقافة أحدها بكل خصوصياته وبكل ماسخرت له الدولة من إمكانيات معتبرة وبرامج عديدة ومختلفة على غرار الطبع والنشر، وتوفير الهياكل الثقافية، ودعم برامج الأنشطة كالمهرجانات والملتقيات الأدبية في عدة ولايات، وتشجيع إنشاء التعاونيات ليصبح الحديث أيضا عن الإقتصاد الثقافي أحد الأهداف المرسومة لبلوغها وتحقيقها، وكل هذا قيم ومهم وجيد بإمكانه أن ينعش الأوضاع الثقافية بشكل أفضل ولكن..ماهي الآليات التي نحقق ذلك من خلالها؟

اذا توقفنا عند الممارسة الثقافية كفعل استراتيجي هو الذي يشكل أحد محددات التشاركية الثقافية نجد العديد من المعطيات التي لاتصنع أساسا متينا يكون في صالح برامج الدولة وفي صالح المثقف خاصة في الجزائر العميقة

حيث لايمكن أن نهمل فعاليات النشاط الجمعوي ولكن بالمقابل عديد الجمعيات المستفيدة من أموال الدولة تنتهج المحاباة والإقصاء في أنشطتها للكثير من المبدعين والمثقفين، هناك جمعيات وطنية او محلية تضخم حصيلتها السنوية بأنشطة وهمية لتتمكن من الدعم المالي او تقصي الكثير من الأسماء في مختلف المجالات، وتجامل أخرى، وتصنع أخرى أيضا ولو من فراغ

هناك فعاليات دولية كملتقيات أومعارض الكتاب تشارك فيها الجزائر يحضرها قلة من المبدعين بعلاقات شخصية وكثرة ممن لاعلاقة لهم بالكتاب وبالإبداع.. 

هي مشاهد على سبيل المثال لاالحصر وكلنا كفاعلين في الساحة الثقافية عبر مراحلها الكثيرة نعرف مكامن الداء وكواليس الممارسات الثقافية التي دفعت بالكثيرين إلى الإنسحاب أو الإبداع في صمت بالإضافة إلى كونها تقف عائقا أمام تجسيد مبدأ حقيقي للتشاركية الثقافية أو لمنهجية واعية للاقتصاد الثقافي تسعى إليه الإرادة السياسية في البلاد والمثقف يقصى أو ينسحب أو يكون الحلقة الأضعف في سلسلة الأحداث.

فإشراك المثقف بالإستماع إلى أفكاره وآرائه ضروري جدا وليس كل مثقف منخرط في جمعية ثقافية فأغلب الجمعيات الثقافية الفاعلة في الساحة تنخرها الصراعات الجوفاء وهي من تقصي المثقف بتجاهلها لمجهوداته أو لحضوره الإبداعي وليس مجبرا أيضا على أن يكون في حيز جمعوي لتنصفه الوزارة الوصية، كما أن هناك مبدعين يعانون البطالة وآخرون يقهرهم المرض وهناك من يعانون في صمت وعندما يموتون تنظم لهم تأبينية أو تسمى باسمهم جائزة أو نشاط، وتعلق على قبورهم العراجين.

بالإضافة إلى ذلك فالقطيعة اليوم مع المثقف أخذت أيضا حجما مختلفا وصارت تعززها الفجوة الرقمية التي وضعت في الواجهة أسماء من مخرجات الصناعة الفيسبوكية في غياب العديد من معايير التصنيف والغربلة يعززها عدم معرفة الكثير من مدراء الثقافة أيضا بمعطيات الساحة الثقافية، وبالتأكيد ليسوا مطالبين أن يكونوا كتابا أو مبدعين لكن نجاحهم الإداري يتطلب منهم بدل مجهودات لمعرفة المثقف واحتياجاته وتطلعاته.. يتطلب منهم معرفة آخر الاصدارات وقراءة مايكتب المبدعون أو مشاهدة انتاجا مسرحيا جديدا ولو على مستوى أقاليمهم.. وليس هذا بالصعب خاصة أن كل الحلقات مترابطة ببعضها.

ومن خلال ماسبق وما سيأتي تحتاج الساحة الثقافية إلى عملية تطهير لاتخلتف عن التطهير السياسي او الإقتصادي ولابد من مراقبة الممارسة الثقافية وإعادة الإعتبار للكتاب والمثقفين الذين فضلوا الإبداع عن الصراعات الجمعوية والإلتفات للمبدع في الجزائر العميقة الذي لم تصنعه العاصمة بل صنعه القلم والإبداع، وغير هذا من القضايا التي تناقش مع المبدعين في لقاءات موضوعية لاتعتمد أيضا على دعوات المحاباة والجهوية الضيقة لنرتقي بالعمل الثقافي ونستطيع أن نبلغ هدفا ليس بالمستحيل بتشاركية ثقافية حقيقية ترقى بالجميع.