عبدالعزيز الظاهري
ذات يوم استيقظت مرعوبًا عندما سمعت همسًا لا أعرف مصدره يقول لي:
في السماءِ صقرٌ يصيح
وعلى الأرضِ أشجارٌ ذاتُ ثمارٍ وأُخرى ثمارها أزهار
على أغصانِها بلبلٌ يشدو ويمامةٌ تنوح
أهذا مِثل هذا وذاك مِثل ذاك؟!
لا تجب – يا صديقي – بنعمٍ ولا بِلا
افْرد جناحك وحلق في الهواء
فالحياةُ صِراع، أصابع تتحرك وتُحرك، فإن لم يكن لك كسْبٌ فيها فلِمَ هذا العناء؟!
قُمْ – يا صديقي – لنفتح صندوق الحكمة، ونُكِيل منه دُرَرَ الكلام
نردِّدُ ما قِيل من غابرِ العصرِ والزمان
نُلْبِسهُ مِن تُراثنا ونزينهُ بمفرداتنا
وندعي مثل غيرنا الحكمةَ والكمال!!
فالفرحُ والحُزنُ رفيقان يتناوبان
أحدُهُما يستيقظ والآخر ينام
والرزقُ يُحب ويعشقُ مثلَ البشرِ
فكم من مجتهدٍ لَبِسَ الخَيْشَ ونام على الحصير
وكم من كسولٍ اِرْتدى الحريرَ وتقلب على فِراشٍ وثير!!
والناسُ أشكالٌ، منهم من يحبُّ الظُّلمةَ ويخشى الظهور، ومنهم من يقاتلُ لِيرى النور
ومنهم من فردَ جَنَاحَيه وحلق عاليًا لِيرى ما بينَ السطور
ومنهم من طَواها فأشغلته صغائرُ الأمور
وبعضُ الناسِ إن عمّ الخيرُ ذَبحوا الجَزور، وإن ضاقت بِهِمُ الدنيا أفسدوا وقطعوا النحور
ها أنا يا صديقي، أصبحتُ حكيمًا، أردِّدُ عبارات للقدماءِ قالها أجدادُ أجدادهم القدماء
كلامٌ لا أعلمُ إن كان مصدرهُ معرفةً أو اِعْتقادًا، فأنا لا أملِكُ الجواب
فالمعرفةُ عاجزةٌ والاِعْتقادُ خليطٌ بين الحقيقةِ والسراب!
ألم تسمع:
“إذا قطعْت طريقك أفعى زاركَ الفرحُ منْ كلِّ باب”؟!
و”إذا قَطَع طريقكَ أرنبٌ تقاطرت عليكَ المصائبُ من دونِ أسباب”؟!
كلامٌ سَمِعته في الشرقِ والغربِ يردده شيبٌ وشباب
لقد عايشتُ هذا المِثال
قصةٌ واقعيةٌ ليست من وحي الخيال
ففي أحدِ الأيام أبصرتُ أفعى تزحفُ مسرعة، قطعت طريقي
فابتسمتُ فرِحًا مُتفائلًا مُنتظرًا أن تَهِلَّ عليَّ المسراتُ من كل باب.
أتعلم – يا صديقي – أن الفرحَ لم يزُرني، بل تقاطرت عليّ المصائبُ من دون أسباب!!
ألم أقل لك يا صديقي: إنه مجردُ كلامٍ، كلامٍ، كلام!!
توقف الهمس فجأة، عندها لا أعلم لماذا تجرأت وقلت بعد صمتي الطويل:
قد يكونُ ما رأيته أرنبًا لا أفعى، قد يكونُ تغشى عينيك ضباب!:
فالحكمةُ كلامٌ قاله البشر معرضٌ للخطأِ والصواب
أما الفحيح وضُبَاح لا بد أن قائلهُ مبروكٌ رُفِعَ عنه الحجاب!!
عاد الهمس مرة أخرى وسمعت: نعم يا صديقي أحسنت هذا هو الجواب!


