المجلة الثقافية الجزائرية

عوالم الخيال والواقع في رواية العوالم السبع

*د. محمد ياسين صبيح

إن الرواية كبنية سردية اقترحها تودوروف كمصطلح عام 1959، والذي يعني علم السرد، وهو العلم الذي يعنى بدراسة الخطاب السردي أسلوباً وبناءً، ويقوم على (دراسة تمظهر عناصر الخطاب واتساقها في نظام يكشف العلاقات التي تربط الأجزاء بعضها ببعض، والعلاقة بينها وبين الكلّ المتجسد في الخطاب السردي)، كما قام الكثير من النقاد بدراسة البنية السردية أمثال (غريماس وتودورف وبارت.

من أهم أدوار الرواية غير الحكي وسرد الأحداث، تمتين البنية السردية في الخطاب الروائي، وهذا ما فعله الكاتب في رواية /العالم السبعة/، حيث بنى أسلوبه بحنكة سردية تعتمد على الخيال والحقائق والحوارات المهمة، وجعل المتلقي يأخذ جرعة كبيرة من التأمل والتفكير والبحث بنفس الوقت، فهذه تجعله ينسجم مع رؤية الكاتب ومع أهداف الرواية الحديثة بشكل عام، وهذا ما حاول الكاتب عبد الجبار الحمدي توليفه في روايته (العوالم السبع)، رواية ضيقة جداً وواسعة جداً، ضيقة بالمساحة والرؤية الروائية التي ضمنها الكاتب بكل حرفية، وواسعة بالأفكار والدلالات الكثيرة والمتشعبة، والتي أراد الكاتب أن يوصلها لنا بالكثير من الطرق والأساليب.

مدخل إلى الرواية

تطرح الرواية أسئلة مهمة جداً، تارة يلمح لبعض أفكارها وأجوبتها وتارة أخرى يتركها للمتلقي ليحاول أن يشغل ذهنه ويجيب بما يعطيه من شفرات ورموز، ففي الصفحة (8-9) يبدأ بجملة واسعة المدارك وفلسفية الرؤية والفكرة، ليرميها على المتلقي محاولاً أن يجذبه إلى عالمه الواسع والمختلف والغريب (ها نحن بلغنا بوابة الدخول إلى الخارج)، جملة عميقة الدلالات ومتعددة الاتجاهات.

كما يحاول أن يظهر تناقضات المجتمع الكبيرة، ودور الفرد كواجهة يتم التلاعب بها دائماً، ويطرح سؤاله المهم (فما ذنب المولود ليكون وصمة عار لنفسه أولاً؟)، 

فالرواية كما نعلم تسرد رؤية الكاتب للعالم وكيف يتم التحكم به، من عائلة واحدة تسيطر على أقطابه وتتحكم بكل مفاصله منذ ألاف السنين، وكيف يصبح الناس والدول وقوداً لهم ليحققوا مآربهم وأهدافهم، وكيف يوظفون كل الموبقات وكل الأساليب القذرة دون اعتبار لأي مقام أو أية قيم أو أفكار أو حدود أو أديان، فهذه كلها تبقى وسائل للوصول إلى أهدافهم. ويبين كل ذلك من خلال شخصياته الأساسية (حنظلة العسل، ومظلوم وعصام ومازن ومحظوظ)، حيث رسم لكل منهم خط سير متقن ليحقق هدفه في إيصال الأفكار. بالإضافة إلى فتنة صديقة حنظل ورؤى صديقة محظوظ.

والسؤال هو كيف أوصل الكاتب لنا أفكاره وأحداثه، وهل وفق في ذلك؟ للإجابة سنحاول أن نبين بعض القضايا:

بنية الرواية وجماليات الأسلوب 

-لقد وفق بالعنوان الذي أعطى مساحات واسعة من الخيال والدلالات، وهو بذلك عمّق فكرة دي سوسير وبارت عن سيميائية الأدب، وقوة المفردة في وجودها المتعالق مع الجملة ومع العمل الأدبي، من هنا نرى ان العنوان خدم الرواية بطبيعته كعتبة سيميائية مهمة للدخول إليها.

-امتاز الكاتب بجمالية أسلوبه في طريقة بنيان عالمه الروائي، وفي تصاعد الأحداث وتراتبيتها، ولو أنها لم تحيد عن الأسلوب التصاعدي للأحداث، ولكنها تمتعت بمتانة السبك والطرح والحبكة، وبالأسلوب السلس، واستخدم الحوار بطريقة ذكية للهروب من روتين السرد التقليدي، لذلك جعل الشخصيات تحكي كل بدوره الكثير من الأفكار، وخاصة حنظل.

-عمل الكاتب على تفريغ العديد من الحمولات الفلسفية والفكرية في الرواية، مما جعلها غنية فكرياً، وتعطي المتلقي جرعة من الأفكار المتعددة والمتنوعة.

-استخدم الكاتب التناصات ببراعة واضحة، ليخلق حالة من التكامل المعرفي والدلالي، في الكثير من الأماكن في الرواية مثل ص (68 وغيرها)، وهذه التناصات تعيد تشكيل الدلالة وتغير اتجاهاتها دائماً إلى أمكنة أرادنا الكاتب أن نسير إليها.

-لقد سخر الأسطورة والفنتازيا بشكل جيد لخدمة الرواية، فجاءت مترادفة معها وخادمة لأفكارها ومكملة للأجواء الأسطورية للأحداث، من خلال المفارقات الغريبة لهذه الجماعة وطريقتها في السيطرة على العالم وكيفية تسخيرها الجميع لهذا الهدف. كما في ص (164) وغيرها.

-ولكن كان يمكن اختصار بعض الوصوفات الطويلة والحوارات الطويلة أيضاً مثل حوارات حنظل وفتنة ص 80 و81 وغيرها، فالعبرة في دلالة الحوار ورمزيته واختصاره، وليس في الشرح المستفيض، وأعتقد أنها لو اختصرت لقدمت للنص الكثير من التشويق والسلاسة في سرعة الأحداث، ولكن ذلك لم يؤثر بشكل عام على قيمة الرواية الفنية والدلالية. 

الجرأة في المعالجة

-أعتقد ان الرواية أخذت من الكاتب الكثير من الجهد والوقت حتى استطاع أن يجمع هذا الكم الكبير من المعلومات، عن كيفية عمل هذه الجماعة وطرائق تفكيرها، ولا شك بأنه استخدم مخياله لابتكار الكثير منها، وهذا ما يجعل الرواية عملاً أدبياً مميزاً، فحسب ياكبسون، بأن الأدبية تكمن في ابتكارنا لأسلوبنا المختلف عن الواقع وليس نقله حرفياً.

-أدخل الكاتب في الرواية مسارات عديدة وحوارات شائكة ومربكة أحياناً للقارئ، بما تحمله من جرأة تحسب للكاتب كفعل أدبي جميل، وذلك من خلال طرحه الكثير من القضايا المسكوت عنها (الدينية خاصة) كما في ص (198). فالجرأة في الطرح مغامرة لا يجرؤ عليها الكثير من الكتاب، إلا أن الكاتب هنا استطاع أن يمزج الجرأة بحياديته ككاتب، ولكن قدمها بلسان شخصياته، ليتركها تعبر بحرية ودون تقييد.

خاتمة

قدم الكاتب رواية مختلفة في الفكرة والطرح، في معالجة الشخصيات الروائية، فرغم الكم الكبير من الأحداث وتشعب الأمكنة إلا أنه استطاع إدارة هذه الأمكنة والأفكار، دون أن يشوش عليها تداخلها مع نفسها أو مع الشخصيات.

وهكذا نرى أن الرواية تقدم للمتلقي وجبة فكرية وتخيلية دسمة، تخلط الدنيوي بالروحي وبالكوني الفيزيائي، لتجعل القارئ يفكر ويبتكر خيالاته التي ينطلق بها على عوالمه السبعة الخاصة، ويحاول أن يفكك شفرات الحياة والكون بأكمله، رواية جميلة ومميزة وتستحق القراءة وبجدارة.

*كاتب وناقد من سوري