داود سلمان الشويلي
{يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم} (المائدة:101)
– الحقيقة:
عندما يكتب المنتصرون التاريخ فان الحقيقة تختفي، أو تطمس، بين الحروف، والكلمات، والعبارات، لانهم لا يريدونها أن تصل للآخرين.
وقد قال د. علي الوردي في كتابه (مهزلة العقل البشري – ص9): (الحقيقة بنت البحث والمناقشة)، ويمكن الوصول اليها، غير الحقيقة العلمية، بطرق للبحث عديدة، ومختلفة، إلا ان النتيجة لم تكن واحدة؟ فالمعرفة الدينية القائمة على الايمان المطلق، والأعمى، التي توصل الى الطاعة العمياء، والتقوى، تختلف عن المعرفة التي تقوم على العقل، والمنطق. فالأولى توصل الى حقيقة مطلقة، ونهائية، وتعتمد الغائب، غير قابلة للنقاش، وابداء الرأي، والنقد، فيما الثانية توصل الى الحقيقة غير المطلقة، ولا النهائية، ولا تعتمد الغائب، قابلة للنقاش، وابداء الرأي، وكذلك النقد، والفرق كبير بينهما، هكذا قال الفيلسوف سبينوزا (1632 – 1677م ) في كتابه “رسالة في اللاهوت والسياسة”، عندها بدأت حقبة الأنوار في أوربا، وبعد ثلاثة قرون تقريبا وصلت تلك الحقبة الى العرب، فكان د. طه حسين الذي رفع مشعل التنوير حتى وصل الى د. كمال الصليبي الذي يعد أوّل ما بدأ بتفكيك التوراة، وقال بصوت عالٍ ان التوراة كانت جغرافيتها هي جنوبي غرب الجزيرة العربية في عسير، وليس في فلسطين، وجاء بعده الكثير من المفكرين العرب في تصحيح جغرافية التوراة حيث نقلوها الى اليمن، وربما كانت عسير ضمنن جغرافية اليمن وقتذاك.
كان كل من أحمد داود، وفرج الله ديب، وأحمد قشاش، وزياد منى، وسيد القمني، وفاضل الربيعي، تحدثوا في هذا الجانب، وكان المفكر العراقي فاضل الربيعي الذي كتب الكثير من الكتب، والدراسات، وشارك في الندوات التلفزيونية، ليوصل نظرية تقول ان جغرافية التوراة ليست في فلسطين، وانما في اليمن، إعتماذا على النقوش المسندية، واللقى الآثارية، والدراسات الايركيولوجية،، والزيارات الميدانية للاماكن في اليمن()، وقد كان كتاب الحسن بن أحمد الهمداني: “الإكليل وصفة جزيرة العرب”، وديوان الشعر العربي الكبير، وكذلك معرفته للغة العبرية، الهداة في مسيرة نظريته تلك، على العكس من د. كمال الصليبي الذي يعد رائدا في هذا المجال حيث استخدم المنهج اللغوي في كتابه “التوراة جاءت من جزيرة العرب”، ود. أحمد داود الذي استخدم المنهج الاسطوري في اثبات جغرافية التوراة في اليمن.
ان هؤلاء الثلاثة، اضافة لغيرهم ممن ذكرناهم أعلاه أكدوا على ان جغرافية التوراة ليست فلسطينية، وانما تقع جنوبي غرب الجزيرة العربية في اليمن.
كانت لنظرية المفكر فاضل الربيعي، وكتبه، ودراساته، وندواته التلفزيونية، قد شكلت اللبنة الأساسية في تصحيح التاريخ في المنطقة العربية بعد أن غيرته، ولعبت فيه، الدوائر الأجنبية بدوافع استعمارية، وبآليات كهنوتية، استشراقية، إذ بدأ الربيعي العمل على البرهنة على صحة هذه النظرية قبل أكثر من ربع قرن.
***
التزوير والتهذيب:
التزوير في ابسط تعريف له هو: تغيير الحقيقة بقصد الغش في سند أو وثيقة أو أي محرر آخر باحدى الطرق العادية، والمعنوية، بقصد، أو دون قصد، تغييرا من شانه احداث تغير ما في مجريات الأحداث، والحوادث، وفي التاريخ عموما لمصلحة شخص، أو هيئة، أو كيان، أو مكون.
فقد مرت المنطقة العربية خاصة منذ التاريخ الى الآن بفترات تاريخية متنوعة، ومتعددة، وبسيطرة أقوام، وكيانات، معينة، ومختلفة فيها، وعليها، ومن المعلوم ان كتابة تاريخ أي حقبة زمنية معينة يتطلب كاتب من تلك الحقبة، أو موال لها، فيقوم ذلك الكاتب بكتابة الشيء الجيد من وجهة نظره لا من وجهة نظر المقابل حتى باتت عبارة (المنتصر هو الذي يكتب التاريخ) سائدة في كتاباتنا المعاصرة.
ان أول من وضع كتاب في التاريخ الاسلامي هو ابن إسحاق (80هـ – 151هـ) عندما كتب السيرة النبوية معتمدا على السماع، وحتما لم يضعه في القرن الأوّل الهجري بل في القرن الثاني للهجرة لأن عمره لا يساعده على ذلك، إلا ان ما كتبه مفقود، في حين هذّب هذه السيرة المفقودة ابن هشام (00هــ – 218 هـ) أي انه هذب سيرة ابن اسحاق في نهاية القرن الثاني للهجرة أو بداية القرن الثالث، وبين الاثنين اختلاف كبير حيث يذكر دارسوها انها خلو من الروايات التي لا سند لها، وكذلك الأشعار، أي انها تعد مختصرا لها، ولا نعرف دقة هذه المعلومة. وقد وجه بعض الكتاب تهمة التشيّع لابن هشام، أي جعلوه غير حيادي في الأمر، لذا علينا أن نكون دقيقين في الدوافع الذاتية الخاصة لابن هشام، وهو البصري فيما ابن اسحق مديني.
أوجز تعريف للفظة هذّب هو: هذَّب هِنْدامَه: أصلحه، سوّاه. هذَّب الكلامَ: زيّنَهُ، أصلح عبارته وحسَّنها “هذَّب قصيدَته: نقّحها- شِعْرٌ مهذّب”. هذَّب طفلَه: ربّاه تربية صالحة، طهّر أخلاقه ممّا يعيبها “شابٌّ مُهذَّب”. هذَّب الكتابَ: لَخَّصه وحذف ما فيه من إضافات غير لازمة. وربما كتابة السيرة من قبل ابن اسحاق جاءت، وهي ممتلئة بما يحمله من أفكار، وأراء، أموية، على الرغم من ان تكون كتابته لها قد تمت في نهاية الفترة الأموية، وبداية الفترة العباسية، وبين الدولتين عداء، لذا نرى ان ابن هشام قد هذّبها، ولا نعرف من معاني هذبها سوى شطب، واحلال شيء بدلا عن شيء، واصلاح، وتحسين، وهذا أوّل تزوير حدث في الدولة الاسلامية مكتوبا.
في القرن الثالث الهجري برز مؤرخون كبار أمثال البلاذري، وابن طيفور، واليعقوبي، والدينوري، والطبري.
ان القرن الثالث الهجري() الذي وصلتنا منه كتب المؤرخين هو القرن الذي بدأ فيه تدوين التاريخ ابتداء من خلق العالم الى ظهور الاسلام، وما بعده، والسؤال الذي يطرح في هذا المجال هو كيف وصلت الأخبار التي دونها هؤلاء المؤرخون اليهم، وهي تحمل الصدق فيما يروى، ويذكر؟
ان رواية تلك الأخبار قد جاءت عن:
روايات مجالس السمر في الخيام، أو في القصور()، وهي تحمل بين طياتها ما هو خرافي، واسطوري، وحكائي، وقصص شعبي، وعقل أولائك المؤرخون بسيط، ومسطح، لا يفرق بين الخبر الصحيح، والخبر الموضوع، وما شابه من أمور أخرى، بل ان المهم عند أولئك المورخون هو اقناع العامة، والخاصة، بالاخبار عن السلف (الصالح)، ولا يهمهم ما فيها من أمور.
الأخذ من اليهود من أخبار تسمى الاسرائيليات() والطبري حامل لواء هذا الأمر، علما ان التوراة تمتليء بالأساطير الرافدينية خاصة، والتي ذكرتها في كتابي هذا، وكتبي الأخرى، وذكرت جلها من قبل آخرين.
نحن نعرف ان الذي بيده السلطة هو الذي يكتب التاريخ، وهذه البديهية ماثلة للعيان الى الآن، وكل الكتاب الذين أرخوا لفتراتهم هم من جماعة السلطة، وهم يكتبون لها مثل رؤساء المذاهب الأربعة، إذ انهم من جماعة السلطة، وإلا اين أصحاب المذاهب الآخرى من السلطة، كالمذهب الشيعي، والزيدي، والاسماعيلي، والفاطمي، والأباضي، والظاهري،… الخ؟
– كتب المؤرخون، ورواة الحديث، والقصاصون، في كل فترة من فترات حكم أي مجموعة ما يحب، ويعجب، خلفاء تلك المجموعة.
***
تغير الثورة:
وفي النهاية تغيرت ثورة النبي محمد التي في “مكة، بكة، مقة” الى دين شبه مسيحي/نسطوري حسب سور القرآن التي كانت تدعوه بالنبي، والرسول، ان كانت هذه السور قد جاءت بالوحي النفسي الذي آمن به المعتزلة، أو بدون هذا الوحي، والى دين اسلامي، وثورة، مرة ثانية بزمن الخلفاء الراشدين، والى دولة، وسلطة مدنية بزمن الأمويين العرب، ومن جاء بعدهم، فقد شابها دين متعصب، ذي حد واحد.
تغير الكثير من الدين في زمن عمر بن الخطاب، مثل عدم إعطاء سهم المؤلفة قلويهم، وإيقاف جباية الزكاة في عام الرمادة، وغير ذلك، مثلما تغيرت أفكار موسى عند كتابة التوراة من جديد بعد السبي البابلي على يد عزرا إذا كانت هناك توراة لموسى أصلا، وتغيرت أفكار المسيح بأفكار بولس الرسول.
***
النقد والمنتج الثقافي:
أنا في هذه الدراسات لا اقدم نقدا لأي دين، أو مذهب، ولا طريقة دينية، بل أنا أقدم وصفا فقط، والايمان بهذا الدين، أو ذاك، هو أمر شخصي، هذا أوّلا، وثانيا، أنا لا استخدم في بحوثي، ودراساتي، أي ألفاط تشير، وتدل، على التقديس، والتبجيل، لشخصية ما، لأن هذه الألفاظ، تحدّ من قابلية استمرار فكري بالجريان، وهو يتابع الموضوع الذي يكتب فيه، فلا شعوريا، يبدو الفكر مقيدا لو استخدمت أي لفظ يدل على التقديس، والتبجيل. وثالثا، القرآن منتج ثقافي لبيئة صحراوية قبل 1400 سنة، وسياقه تاريخي غير دائم السيرورة، وكما قال علي بن أبي طالب لابن عباس، ما معناه، انه “حمال أوجه”، و”غير ناطق بذاته انما ينطق به الرجال”، ونطق الرجال معناه انه في كل زمان، وكل مكان، يكون نطق الرجال به متغيرا حسب البيئة.
هناك أدلة منه على ذلك. قال القرآن في المرأة التي جادلت النبي في زوجها:
((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)).(المجادلة:1)()، وعندما قال لها النبي: لقد حرّمت عليه، ((قالت: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام)) كما يقول المفسر. وهذا يبين كم ان القرآن منتجا ثقافيا لبيئته.
هندية لما قال: ((أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)) (الغاشية: 17)، وانما قال ((أَفَلَا يَنظُرُونَ الى الفيلة كيف خلقت)). وان كان قد جاء في الصين لما قال: ((وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾) (سورة الواقعة: 22-23)، بل لقال: ((وعيون ضيقات)).
وهكذا لو استمرينا على ايراد الأمثلة من القرآن لوجدناه يتبع البيئة التي وجد فيها، والبيئة تصنع الانسان، إذن الانسان منتج للبيئة، والنبي هو منتج لهذه البيئة مثل القرآن. وهكذا تمركز الاسلام حول بيئة الناس في القرن السابع الميلادي، وأنتج ما سمي بالعقل القياسي() عند مريديه، وهذا العقل عاجزعن انتاج المعرفة.
ان قول أهل مكة، بكة، مقة، أن القرآن ما هو سوى أساطير الأولين، وهذه حقيقة بالنسبة لهم لأنهم قد سمعوا الكثير من القصص، والأساطير، مثل قصص، وأساطير، نوح، والطوفان()، وإبراهيم، ولوط، وموسى، وعيسى، وغيرهم، وبعض الأحداث التي ترويها تلك القصص، والأساطير القديمة.
***
آمل ان أكون قد أشبعت الموضوع الذي أكتب فيه، بحثا، ودراسة، والحقيقة هي المنشودة في هذه السطور.
***
الهوامش:
( ) لا ننسى الدور الكبير اذي لعبه د. طه حسين في كتابه ” في الشعر الجاهلي” الذي اعتمد فيه على منهج الشك الديكارتي في نقد الروايات التاريخية.
( ) قيل هذا التاريخ وصلما كتاب سيبويه (الكتاب) المتوفي عام 180 هـ إلا انه غير مشمول بالذي نتحدث عنه لأنه يتحدث عن علم الصرف والمحو
( ) راجع كتابنا (السرد في الخيام والشعر فيي القصور – مطبعة الحسام – ناصرية – 2023).
( ) (الإسرائيليات في تفسير الطبري- د. آمال عبد الرحمن الربيع – دار الثقافة العربية – 2000.
( ) راجع القرآن الكريم – تفسير البغوي – تفسير سورة المجادلة.
( ) الشافعي أول من أسس للقياس في الاسلام في كتابه (الرسالة).
(7) عن الطوفان راجع البحث الذي كتبه العالم المنساوي اسكندر وزوجته إديث والسبب كان ضرب كزكب الأرض بمذنب انقسم الى سبعة أجزاء ضخمة ففاض المحيطات، والبحار، فقضت على الكائنات جميعا، كما ذكر ذلك د. وسيم السيسي في حوار تلفزيوني بعنوان (د. وسيم السيسي يروي تفاصيل الطوفان الذي حدث في عهد النبي نوح عليه السلام).





