المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

حكاية غزة مع منافقين الأمة

د/عبدالوهاب القرش

 

تأدبوا لأوجاع غزة، الأخبار وإن رادفها الاستبشار فهي ليست “مَضحكة”؛ والحديث حول قائد في معركة، لا مدرب في منتخب!

غزة ليست مباراة ننصرف عن مشاهدتها حين تزول نشوة أهدافها، وإنما معركة أمة يكفينا عارًا الغياب عن مشاهدها، فضلًا عن معاملتها كلعبة على تلفاز.

يقوم الصهاينة بقتل مليوني مسلم في غزة،وإذلال الفلسطينيين، وتدمير المؤسسة التعليمية في فلسطين،و تجريد الفلسطينيين من صفتهم الإنسانية!

رغم كل هذا نجد المنافقين من أمتنا يطالبون الفلسطينيين أن يمتنعوا عن المقاومة ليسهل على المحتل الصهيوني تنفيذ خطته!

هل علمتم الآن لماذا قال الله ﷻ:{إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا}؟

ألم يعلم منافقو الأمة بأن الله كتب لأمتهم المجد والعزة مادامت تحت ظلال سيوفها؛ ومن أجل ذلك سعى رجال الأنفاق كيما يصنعوا سلاحهم بأيديهم ويردعوا عدوهم وآخرين من دونه، وطل ملثمهم في غرة الطوفان على شرفاء أمته الغرّاء، وخيّرهم بين الحرب المُجليّة والسّلم المخزية، وأعلمهم أنه اختار لنفسه ورفاقه طريق ذات الشوكة حتى التحرير، وأعلنها مدوّية: إنّا ذاهبون لنبطش البطشة الكبرى، إنّا من المجرمين منتقمون.. فارتهن المرجفون في المدينة للتطبيع مع عدوه وعدوهم، وأغلقوا حدودهم وعصبوا أعينهم عن شلال الدماء المتدفق من جراح النازحين المحاصرين.

ترك بقيةٌ من الأعراب غزةَ تقاتل وحدها، ثم بدا لهم بعدما رأوا الآيات ليحاصرنّ المرابطين، وليخمدنّ بركان المنتفضين، وهذا فرعون ينادي في الملأ من قومه أن المقاومة شرذمة قليلون، وقادتها رجال مارقون، وحشد السحرةَ أجمعين ليبث سمومه في الإعلام وكل الميادين، قال لهم قولوا عنهم باعوا أرضهم، قولوا منقسمون ومتحاربون، رموا أنفسهم في أتون معركة لا قِبل لهم بها، فعلوا فعلتهم قبل استئذان أصحاب المعالي والسمو، إن هذا لمكر مكروه في المدينة ليخرجوا منها أهلها، قولوا عنهم إنهم ارتهنوا لعدو مجوسي ملّكوه أمرهم، اعتدوا على الأبرياء من المستوطنين الآمنين، قولوا عنهم كل قبيح وخبيث حتى ينفضّ الناس عنهم، إنهم لنا لغائظون.

وبدأت حرب الإبادة من جبهات عدة ليست جبهة الاحتلال أصعبها، فالموت جوعًا في الشمال، والموت قهرًا في الجنوب، والموت قصفًا وحرقًا وحزنًا وكمدًا ومرضًا وفقرًا لأكثر من مليوني مسلم، ذنبهم أنهم وقفوا خلف المقاومة مساندين، فأطبق الحلفاء عليهم باب السجن وسوّروه بدعم معسول وإنزال جوي مغلول، وشاحنات برية تدخل بالنزر اليسير، وتعاطف رقمي يتأرجح بين الجدل والتنظير.

كل يوم تفارق الأرضَ الطيبة روحٌ كانت تتوق لنصرٍ ثقيل، حقًّا إنهم شهداء عند ربهم يرزقون، في مواكب نورانية إلى العلياء كل ساعة يرتقون، لكنهم جند وقادة، عوام ونخبة، نازحون ومتعبون، تُركوا في الميدان وحدهم، وتطاولت أيام العذاب على أحزانهم، بينا بنو جلدتهم يتفرجون!. تبًا لصمتٍ يقتل كما الرصاص ويبيد، تبًا لعجز أمة المليارين والمجد التليد، أيعقل أن يصل الخوَر فيكم يا أحفاد ابن الخطاب وابن الوليد أن تصفقوا للذئب، وتلقوا يوسفكم في غياهب الجب أربعين ألف مرة، ثم تأتوا إعلامكم عشاءً تصفقون وتهللون؟!

بعد اثنين وستين عامًا من الكفاح وبالتحديد في الحادي والثلاثين من يوليو كان يوم سعادة ونجاة إسماعيل هنية عندما قدّم ورقة الامتحان بإجابات كاملة، وها هو الآن يقرأ مع المخلصين تفاصيل شهادته التي تزينها درجة نهائية، فقد حمل أمانة شعبه، وصبر على شظف عيشه، وجاهد الاحتلال طوال عمره، وقاسى الإبعاد عن وطنه، ورابط في المخيم مع أترابه، وتغرّب لخدمة أبناء بلده، واحتسب شهادة أبنائه وأحفاده، ودافع عن رسالة نبيه ﷺ، ومات مجاهدًا في سبيل الله بيد أعداء أمته، ثم ترى المفسدين من القوم يلمزون في موته.

أيعقل أن تطلقوا الذباب والسفهاء من أراذلكم باديَ الرأي يتطاولون على قائد الأمة إسماعيل، حين اصطفاه المولى مع الشهداء؟ أتصبرون على حمل الوِزر مرتين، وحرمان أنفسكم أجر الرباط وذكر محاسن موتى المسلمين؟ خذلتم الشهيد وتآمرتم على شعبه وقضيته ورسالته، ثم تلوموه على مكان استشهاده وترحاله في البلاد لأجل أبناء أمته، وأنتم من نبذه أول مرة! كم مرة ناشدكم واستعان بكم حتى نام على رصيف المطارات في بلادكم؟

ما أساء لأحد منكم يومًا، بل دعاكم- وهو الخطيب المفوّه- لما يحييكم، ونادى بالحق ما دام فيكم، والخيلُ تعلم والفوارسُ أنه شيخُ القضية وكهلُها وفتاها: “ازحفوا نحو الحدود، فكّروا خارج الصندوق، وافرضوا المعادلات، وتجاوزوا قانون المرحلة، لنبنيَ وإياكم عصمة الدم الفلسطيني والعربي والإسلامي، وليقفَ هذا المحتل الجبان عن جرائمه وعن فظائعه، منتصرون بإذن الله، هذا وعد الله، والله لا يُخلف وعده لأوليائه وعباده، وكان حقًا علينا نصر المؤمنين”.

ألم يعلم منافقي الأمة بأنه منذ السابع من أكتوبر 2023 بدا النموذج الغزيّ فريدًا من نوعه في إعادة تعريف علاقة الإنسان بالدين؛ بدءًا من المعجزة العسكريّة، حين عبرَ شبابٌ بأحذيتهم البلاستيكيّة على السياج الذكيّ، وغلبت فيه “الفئةُ القليلة الفئةَ الكثيرة”، مرورًا بيوميات القتال والاستبسال المصحوبة بالدعوات والصلوات من فتيان يرتدون ملابس قطنية، قبل لحظات من “اعتناقهم” للميركافا ومخاتلتهم للمسيّرات، وقنصهم للجنود. وانتهاءً بزغاريد أمهات الشهداء، ووصايا الأحياء للأموات بأن يوصلوا تحياتهم لأهل الجنة من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وأداء الفرائض على أنقاض البيوت المهدمة بقلوب خاشعة، وألسنة لا تفتر عن الحمد والشكر والذكر. لم يكن هذا النمط من التدين الذي ينكشف معه عالم الغيب على عالم الشهادة، حدثًا ترصده العيون المسلمة، وتتفاعل معه، لانحيازات عقديّة وتقارب فكريّ فحسب، بل أصبح حدثًا عالميًا تزاحمت فيه منصات التواصل الاجتماعي بتفاعل كوني؛ وأضحى التيك توك منصة لإعلان اكتشافاتِ مستخدميه لكتاب يُدعى “القرآن” يفسّر لهم ما يرونه من صمود أمام الإبادة والوحشية.

هل أتى على العروبة حين من الدهر، كان العار لباسًا يواري سوءتها إذ تخلت عن نصرة غزة وحمايتها؟ عار عاشت فيه ردحًا من الزمان حين خلعت ثوب الجهاد، وتركت الأيامى في غزة يجُعن ويمرضْن ويُقتلْن ويُقصفْن ويُحرقْن وينزحْن آلاف المرات.. لا مع أهل غزة قاتلتم، ولا عنهم نافحتم، ولا جهادهم باركتم، ولا شربة ماء أسقيتم، دمّر الاحتلال بيوتهم وأعمارهم أمام أعينكم، وسلب فلذات أكبادهم والدمع من حدقاتهم، استبد بذكرياتهم الجميلة وأحالها رمادًا لا حياة فيها، وارتضيتم التفاهة فكرًا والذباب قائدًا والرزايا قدوة والتخاذل سبيلاً.

ما يدريكم لعل الله اختار لهذه الأمة مجدًا كانت بدايته يوم أن حملت غزةُ على عاتقها مجداف النصر في السابع من اكتوبر؛ حين دخلوا عليهم الباب وقتل داوودها جالوتهم، وحطّم رجالُها أسطورةَ الجيش الذي لا يقهر، يوم أنجزوا مهمتهم في ساعات معدودة، وبإمكانيات محدودة، جاسوا خلال الديار، وداسوا كبرياء المحتل كما يفعل الرجال، وفضحوا عذرية أمن الدولة المارقة، وهبطوا خلف خطوط العدو ليكشفوا وهن بيت العنكبوت، في إشارة حث للأمة أن تنهض من سباتها، وأن تتبع خطى فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى، وأن تأوي إلى كهفهم وأن تركب في فلكهم المشحون، وتعتلي أمواج طوفانهم المبارك، لا جبال أمريكا ستصمد ولا تمثال حريتها، ولن تنقذ الغرقى دعوات التطبيع مع الاحتلال ولا استثماراتها، فلا عاصم اليوم من أمر الله.

وما يدريكم لعل الله كتب في اللوح المحفوظ أن نهضة الأمة وأوبتها معقودة باستجابتها لنداء أصحاب الأخدود الذين حُرقوا في الخيام، وذبلت أجسادهم بلا طعام، وبُحّت أصواتهم وسادةُ القوم نيام.. لعل الله أراد النصر للبقعة المباركة من شاطئ الوادي الأيمن وما حولها، فلما تقاعس من حولها حُجب عنها النور، وذاقت وبال أمرها خسرًا، وحُرمت النصر جيلاً وربما لأجيال، لا ندري كم سنة يتيهون في الأرض، حتى يحين موعد الكرّة تارة أخرى لعباد أولي بأس شديد، وكان وعدًا مفعولاً.

لو كانت أمتُنا تعقل..لأدركت أن استمرارَ مقاومةِ أبطال غزة للاحتلال الصهيوني المدعوم أمريكيًّا لأكثر من 10 شهور هو تصديقٌ لقوله ﷻ:{كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين}،

ولو كانت أمتُنا تبصر.. لأبصرت في صمود أبطال غزة تصديقًا لقوله ﷻ:{إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}،

ولو كانت توقن بوعد الله ووعيده لدخلت ميدان الصراع،نصرةً لأبنائها ودفاعًا عن كرامتها وإذلالاً لعدوها..

فاللهم هَبْ أمتَنا عقلاً يرشدها

وبصرًا يهديها وقلبًا يحييها ويقينًا يزكيها.

باحث في الفكر الإسلامي