المجلة الثقافية الجزائرية

ضحايا خلف القضبان

سفيان الجنيدي

           

الخميس، في ساعة متأخرة من الليل…

ما زالت ذكريات عصر الأمس تؤرقني وتقض مضجعي. اقترحت عليه أن نذهب لزيارة متحف الآثار في مدينة فرانكفورت. رفض باستياء. سألته عن السبب، فتدفق.

حينما أنهيت دراستي الجامعية في شتوتغارت، ذهبت لزيارة صديق لي يقبع في سجن دريسدن لجريمة لم يقترفها، سأخبرك لاحقاً عنه. بعد انتهاء الزيارة، كان الوقت قد تأخر، فقررت قضاء ليلتي تلك في أحد فنادق المدينة. في صبيحة اليوم التالي، انتهزت الفرصة، وزرت متحف بيرغامون في برلين. ليتني لم أفعل. هل أتيحت لك الفرصة لزيارته؟ أجبت بالنفي. قال خيراً فعلت. سألت باندهاش عن السبب.

قال والقهر يتطاير من عينيه:

شاهدت أوروك، شوروباك، آشور، بابل، نينوى، سوسة، العمارنة، تدمر. رأيت بوابة عشتار، شارع الموكب من بابل، أجزاء من معبد إيانا، معبد إنانا، صحن سامراء، الأختام الأسطوانية، النصوص المسمارية، تمثال نفرتيتي، موميات وبرديات فرعونية، برديات وقبب وزخارف إسلامية، حرف يدوية، منحوتات عاجيّه، وعشرات بل مئات القطع الأثرية. وجدتهم كلهم شاحبين، ومضطربين، وممتقعين غيظاً، ومسجونين قسراً في أرض غريبة عنهم. احتضنوني وهم يرددون باكين آهات مولانا جلال الدين:

أنصت إلى الناي يحكي حكايته

ومن ألم الفراق يبثّ شكايته

قد قطعت من الغاب والرجال والنساء لأنيني يبكون

أريد صدراً مِزَقاً، مِزَقاً برّحه الفراق

لأبوح له بألم الاشتياق

فكل من قُطِع عن أصله

يحن دائماً إلى زمان وصله.

أحسست أنه سيختنق. قلت له: ما رأيك بفنجان قهوة. هز رأسه بالإيجاب.

أحضر كوبي قهوة. جلس وأشعل سيجارته. قلت: كلٌّ يحن إلى أصله، ولن يهنأ غريب براحة البال وسيظل يشدو مغتمّاً، شجيّاً مثل الناي الحزين.

لم يعلق. شرد بذهنه هنيهات، ثم قال:

ذهبت إلى أحد مسؤولي المتحف، المتواجدين بين الضيوف، قلت له:

– السيد المبجّل، عندي استفسار.

– تفضل.

– شاهدت شيئاً غريباً في آثار الشرق الأوسط، والتحف الاسلامية، لم أستطع تفسيره، قلت في نفسي، لعلك تستطيع مساعدتي. شاهدت الأسى والشجن على وجوه القطع الأثرية، وسمعت حسراتهم وتأوهاتهم.

– لا أفهم ماذا تعني!

– ألا تعتقد، سيدي، أن هذه الحفريات تحس بالحنين والاشتياق إلى منبتها وأصلها!

– ولكن مكانها حيث يمكن المحافظة عليها. ألا تعتقد، سيدي، أن هذه الكنوز ملك للبشرية جمعاء؟

– إذا لم يكن عند أصحابها القدرة على المحافظة عليها كما تدّعي، فباطن أرضنا أحنّ وأرفق، وأكثر أماناً من سجنك الموحش الغريب عنها. ومن حيث أنها ملك للبشرية جمعاء، فأنا أتفق تماماً معك على أن تبقى بين أحفادها.

– سيدي، نحن لم نسرقها، نحن ابتعناها من أصحابها. وأكرر مرة أخرى صدقني نحن الأقدر على المحافظة عليها.

– سيدي، أنتَ لم تبتعها من أرضها التي أنجبتها، وتاريخ الآخرين لم ولن يكون يوماً معروضاً للبيع والمزاد.

– انتهى النقاش يا سيدي، عندي ما يجب إنجازه.

– لم ولن ينتهي النقاش يا سيدي، واعلم أن كل غريب آيب يوماً إلى حيث أتى.

شرد بذهنه هنيهات… أخرج صورة من جيبه… حدّقت فيها مليّاً… كانت حجارة الماضي جميلة للغاية… أجمل من الحاضر بكثير … لكن كليهما ما زال قابع خلف القضبان…