د. محمد حسين السماعنة. الأردن
تعد المجموعة القصصية” على قيد اللجوء” الصادرة عن جفرا ناشرون وموزعون عام 2024م مجموعة قصصية صافية نسج الكاتب أحداثها حول قضية الصراع بين (البعد)و(القرب) ومرادفتهما المعنوية والمادية؛ فهي ضمت سبع عشرة قصة قصيرة، وثلاثا وثلاثين قصة قصيرة جدا نأى بها الكاتب عن الجملة الشعرية المكثفة العميقة إلا في مواضعها المفيدة ليعطي للسرد قيمة عاطفية لمصير الشخصيات فيها، أو لقراراتها بـ(البعد)، أو (القرب)، وليجعلها أكثر تأثيرًا في المتلقي، لما تملكه من قدرة على إعطاء الحدث زخما عاطفيا، وما تبثّه من صور موحية مشبّعة بالعاطفة الغاضبة أو المتلهفة الملتاعة المتحسرة. وابتعد الكاتب في قصصه عن الرمزية المغرقة المبهمة، واعتمد الحدث ووصفه ونتائجه، وما تثيره في المتلقي من دهشة، وما تخلقه من مفاجأة، كما اتكأ الكاتب على ما تصنعه الفجوات السردية التي غرسها بذكاء وحنكة في قصصه من تشويق للمتلقي وهو يحاول ملأها، واعتمد الكاتب بكثرة على ما تتركه بعض إيحاءات أحداث قصص المجموعة في المتلقي من شعور بالغضب، أو الرفض، أو الرضى.
ويبدأ الصراع الشرس بين (القرب) و(البعد) في مجموعة “على قيد اللجوء” منذ العتبة الأولى للمجموعة، فمن الجملة الأخيرة في قصة “الحجة فاطمة” استل الكاتب عتبته حين قال إن الحجة فاطمة عادت لتقدم واجب العزاء للأحياء، ممن بقوا على قيد اللجوء، ليلخص بهذه الجملة خيبات اللاجئين والمنتظرين والقتلى الذين سجلت أسماؤهم على قيد اللجوء بانتظار الفرج، فاللجوء هو البعد والانتظار، وهو ساحة من ساحات الصراع ضيقة مليئة بالحزن والقهر والجوع والبرد والحنين، والمحذوف المنتظر الذي سيجتهد المتلقي لتوقعه في عتبة المجموعة لن يبتعد عن ألفاظ حددها مجرى أحداث القصص وهو العودة أو الفرج أو السلام والحب.
وينشر الصراع بين القرب والبعد ظله على بقية عتبات قصص المجموعة، كما في عتبة قصة “سفر مرير” التي يشير فيها السفر إلى البعد من خلال الرحيل والغياب، وفي عتبة قصة “الخصام” التي يشير فيها الخصام إلى البعد فهو مادة الفراق وأساسه. وفي عتبة قصة “مفتاح عتيق” التي يوحي فيها المفتاح بالبعد واللجوء، وفي عتبة قصة “فراق” التي تشير فيها لفظة الفراق إلى نهاية الصراع المتعب بين القرب والبعد، وتشير عتبة قصة” خصام” إلى نتيجة الصراع بين القرب والبعد، بل وإلى الصراع نفسه.
وقصص مجموعة “على قيد اللجوء” ساحة واسعة للصراع الداخلي والخارجي الدائم بين القرب المكاني أو العاطفي والبعد المكاني أو العاطفي، إذ تسير شخصيات قصصها على أهداب الموت وبين أسنانه، وعلى حافات قرار الفراق والبعد والغياب ودواعيها، إذ يُدخلها القاص أحمد أبو حليوة إلى ساحة الصراع المر القاسي بين الموت والحياة، وبين البعد والقرب لتعاني آثاره ونتائجه المتفاوتة المتنوعة من موت وبعد وجفاء وفراق وغياب وخذلان… وهو يدخل شخصيات قصصه هذا الصراع بلا مقدمات طويلة، أو تمهيدات متعبة، فلا يستغرب المتلقي موتها، وإنما يصب غضبه على من تسبب به، ولا يكسر توقعه ما تعانيه هذه الشخصيات من آثار هذا الصراع وهي تخوض صراعا دائما بين دواعي الفراق ودواعي البقاء، وإنما يدفعه سلوك أضدادها لكراهة ما فعلوه، فيظهر الصراع سريعا قويا شرسا صادما للمتلقي، فبين القرب العاطفي والبعد المكاني، أو البعد المكاني والقرب العاطفي يتأزم الصراع في قصص المجموعة؛ فبين الموت والحياة، والحب والواقع والظروف، والأنوثة والذكورة، والوفاء والخيانة، واللجوء والعودة يمتد جسر السرد القصصي فيها ليعرض لنا الكاتب قصصا من صراع البقاء على قيد الحياة أو على قيد انتظار الفرج، أو ذكريات مغمسة بالخذلان، أو الخيانة.
ويظهر الصراع بين (اللجوء) و(العودة) في قصة ” الحجة فاطمة” كصراع بين الموت والحياة؛ فهي عادت من الموت لتقدم واجب العزاء للأحياء، ممن بقوا على قيد اللجوء، وهي الفتاة فاطمة التي كانت وطنية شجاعة جريئة عرضت نفسها في مرات عدة للموت أو الاعتقال، وهي تحمي الفدائيين من الموت والاعتقال. وهي الحجة فاطمة ذات البشرة السمراء الداكنة، وصاحبة الشخصية الواثقة، والكلام المتزن عالي الجاذبية، والنظرة الثاقبة للأشخاص ومرامي الأمور، ترفض الخوض في حديث النسب داخل المخيم، لأنها ترى أنها متجذرة التاريخ والجغرافيا بين أهله، وأن اختلاف لون بشرتها عن العائلة التي تعيش معها هو نقطة تميز لها، لا سيما أن النكبة قد ساوت بين الجميع من بيض وسود، وأغنياء وفقراء في ظل برد الخيام وأمام طابور وكالة الغوث لاستلام المؤن. والحجة فاطمة التي جمعت في حياتها أهل المخيم حولها، جمعتهم حول جنازتها بعد أن اختطفها الموت من موت اللجوء وهي لما تستطع معرفة فك شيفرة القضاء على الحنين لتلك الأرض ومن عليها، وما عليها.
ويظهر وجه الموت القاسي الشره في صورة قصف وصواريخ تملأ مكان النزوح والخيام بالجوع، والفقد، والبرد القارص، والدخان في قصة “الموت في غزة” حين يختطف البرد من خيمة اللجوء طفلهما ذا الثلاثة أعوام الذي جاء بعد اثنتي عشرة سنة من الزواج، ويظهر الصراع بين الموت والحياة قويا حين يخفي كلاهما الأمر عن الآخر حتى يطلع الفجر خوفا من أن يتسبب الحزن على الطفل بموت آخر، لكن قذيفة سقطت على خيمتهما أنهت انتظارهما المر للفجر قبل أن يخبرا عن موت الطفل من البرد.
ويضطر الابن في قصة ” الحرب” للهرب بأولاده وزوجته من الغازي القاتل القادم، كما فعل معظم سكان القرية، ويترك والده، ليبسط الموت سريعا يده على الحياة بهذه الهجرة على الرغم من الوعد الذي قطعه لوالده بالعودة للقرية، فيغادر الابن ليبقى الأب للحرب التي تركت العجوز يغط في الدمع أمام قبر زوجته، التي تركته للوحدة والخراب والحرب.

وفي قصة “عندما يغيب الشروق عن وجه النهار” يبدأ الصراع بين الموت والحياة خفيا، فهو بين الحمل والعقم، وإذ ينتصر الحمل بعد سنوات انتظار طويلة لتبدأ الحياة تدب في أوصال الزوجين فرحا وسعادة ليعيشا لذة الولادة، ونشوة تلك اللحظات الأثيرة، لكن الموت ينتزع الحياة التي رافقت الزوجين يوما واحدا ليضج العالم بنواح الأم الثكلى.
ولا تختلف نتائج أنواع الصراع في المجموعة عن بعضها؛ فهي كلها نتائجها مدمرة للروح والجسد والفكر؛ ففي قصة “ميسان” تظهر نتائج الصراع بين البعد عن الأهداف التي وضعتها الفتاة العشرينية ميسان لنفسها والقرب منها في موت ميسان اجتماعيا وداخليا، لأنها جعلت من جسدها وجمالها ومفاتنها سلاحا للتدمير والسيطرة والوصول إلى الأهداف بكل وسيلة متاحة؛ إذ تحكي قصة ميسان الفتاة الطموحة قوية الشخصية، التي رسمت لنفسها أهدافا وسعت للوصول إليها بكل السبل؛ جسدها، وقيم أهلها، وعاداتهم، وانتمائها، وضميرها، فهي قتلت كل ما اعترضها في طريقها، ودمرت كل من وقف في طريقها، حتى إنها فرحت لموت والدها الذي كان لا يؤمن بتعليم الفتاة، ويرى أن مكان الفتاة هو منزلها. وهي حين اعترضت أمها على لباسها الفاضح وتبرجها الصارخ صرخت في وجه أمها متحدية رافضة نصائحها، وأنهى الكاتب القصة على وقع تخلي الفتاة الثلاثينية عن جسدها لتصل به إلى كرسي المدير العام.
وينسج الكاتب على الصراع العميق بين اللجوء والعودة، والموت والحياة قصة “مفتاح عتيق” فيشير الجد، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بيده إلى المفتاح، لتتحدد أركان الصراع في القصة بما يوحيه وجود الحفيد من استمرارية الصراع بين اللجوء والعودة، والمفتاح الذي يوحي وجوده بتمسك اللاجئين بحق العودة، ومقتل الجد على عتبة البيت المستأجر بقصف العدو القاتل الذي يوحي بأن الصراع سيستمر بين الموت والحياة ما دام الظالم حيا والمظلوم متمسكا بحقه.
وأنهت طلقة قناص الحوار الداخلي الصاخب في رأس الأب الخائف على أولاده بين الموت والحياة في قصة “طلقة” حين لم يمهل الموت الأب الذي انزوى إلى حائط ليحمي طفليه اللذين ضمهما إلى صدره بكل ما أوتي من دفء الأب، وهو يقول: “ماذا سيحل بالصغيرين بعد غيابي، واستشهاد أمهما الشهر الماضي؟”.
وبينما يسير الطفل العربي في قصة ” سير” في خطواته الأولى بسلام على الأرض من غير خوف، يسير الطفل الفلسطيني الذي في مثل عمره شهيدا نحو السماء لتتحدد معالم الصراع بين الحياة والموت في أن أسباب الحياة متوافرة للطفل العربي وليست متوافرة للطفل الفلسطيني، وأن الموت هو المسيطر على حياة الطفل الفلسطيني في صراع البقاء.
وتتبادل المرأة والرجل الأدوار في قصص المجموعة في اتخاذ قرار البعد، والبحث عن باب آخر للحياة، فـ(هي) و(هو) تبادلا الأدوار في اتخاذ قرار البعد والرحيل، وقد يقرر كلاهما ذلك؛ ففي قصة “النهاية” كان قرارهما هو الفراق والبعد حيث هو ضم إلى صدره امرأة أخرى، وهي احتضنها رجل آخر، وفي قصة “البداية” قررت (هي) الابتعاد عن (هو) ففتحت نافذتها لبداية جديدة مطلة على غرفة ابن الجيران الذي تبحث أمه عن فتاة لتخطبها له. وأكثر قصص المجموعة تنحاز إلى المرأة التي يصورها الكاتب على أنها ضحية خيانة الرجل وقلة وفائه، وموقفه العاجز، واستسلامه للظروف، أو لسهولة انتصار البعد المكاني الذي جرفته إليه سبل العيش على حبه أو قربه العاطفي من الأنثى، ففي قصة “حب امرأة” ابتعد (هو) وتزوج منذ ترك حبيبته قبل زمن طويل، وبقيت هي على قيد انتظاره ترفض الارتباط بأولئك الذين تقدموا لخطبتها. وفي قصة “البداية” كانت المرأة ضحية عجز “هو” الذي لا يستطيع الارتباط بها بسبب ظروفه الصعبة، وأوضاعه القاسية.
وبعد، فقد جعل أبو حليوة مجموعته القصصية “على قيد اللجوء” ساحة صاخبة للصراع بين البعد والقرب وما ارتبط بهما من صراع بين الموت والحياة، والغياب والحضور، والرحيل والعودة والبقاء والفراق… فكانت قصص المجموعة تسير بهدوء لتنفر من الخذلان والخيانة والخداع والكذب، وتؤكد استمرارية الوقوف بوجه البعد والموت مهما كانت التضحيات، واستمرارية التمسك بحلم العودة، وتنفر من القعود عن السعي لتحقيقه؛ فهو قعود الموتى الذين يعزى بهم.





