شَرْحُ لطفي خيرالله
شَرْحٌ -IV-
1) [قُلْنَا اُلْمَفْهُومُ… نِسْبَةٌ لاَ زِمَةٌ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْنَا]، وَجَوَابُ اُلْغَزَالِيِّ عَلَى هَذَا اُلْجَوَابِ هُوَ أَنَّ قَوْلَنَا “كَانَ اُلْبَارِئُ تَعَالَى وَلاَ عَالَمَ”، ” ثُمَّ كَانَ اُلْبَارِئُ وَمَعَهُ اُلْعَالَمُ”، إِنَّمَا يَقْتَضِي لِيَكُونَ مُفْهُومًا صَادِقًا فَقَطْ وُجُودَ ذَاتٍ وَ عَدَمَ ذَاتٍ أُخْرَى، وَوَجُودَ ذَاتَيْنِ مَعًا. أَمَّا مَا بِهِ اِخْتَلَفَ اُلْمَعْنَى اُلثَّانِي عَنِ اُلْمَعْنَى الأَوَّلِ، وَهْوَ اُلدَّالُ عَلَى تَأَخُّرِ اُلْوُجُودِ اُلثَّانِي عَنِ اُلْوُجُودِ الأَوَّلِ بِاُلزَّمَانِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ وُجُودٍ بِذَاتِهِ وَثُبُوتٍ خَارِجَ اُلنَّفْسِ، بَلْ إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ اُلنَّفْسِ، وَنِسْبَةٌ فَقَطْ لِتِلْكَ اُلْمَوْجُودَاتِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْنَا. أَعْنِي أَنَّ مَعْنَى اُلْمَاضِي وَمَعْنَى اُلْمُسْتَقْبَلِ لَيْسَتْ بِأَوْصَافٍ وَاجِبَةٍ فِي نَفْسِهَا خَارِجَةً عَنَّا، بَلْ هِيَ اِعْتِبَارَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ، مَوْجُودَةٌ بِاُلذِّهْنِ فَقَطْ.
2) [بِدَلِيلِ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا… فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ اُلْمَاضِي]، وَاُلدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اُلْمَعَانِيَ اُلزَّمَانِيَّةَ اِعْتِبَارِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِثُبُوتِيَّةٍ أَنَّ اُلشَّيْءَ اُلْوَاحِدَ اُلْمَوْجُودَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَعَاوَرَهُ أَحْكَامٌ مُتَنَاقِضَةٌ مَعًا. فَمَثَلاً لاَ يُمْكِنُ لِسَطْحٍ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ مَعًا أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ، لِأَنَّ اُلسَّطْحَ هُوَ مَوْجُودٌ، وَالأَسْوَدُ إِنَّمَا يَحُلُّ بِاُلسَّطْحِ يَبْقَى ثَابِتًا وَإِنْ لَمْ يُفْرَضْ أَنَّ هُنَاكَ ذِهْنًا بَتَاتًا. أَمَّا طُولُ زَيْدٍ وَقِصَرُهُ، فَلَيْسَتْ بِأَوْصَافٍ ثَابِتَةٍ فِي اُلْخَارِجِ، بَلْ هِيَ اِعْتِبَارَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ مِنْ قِيَاسِ زَيْدٍ إِلَى شَخْصٍ أَقْصَرَ مِنْهُ، فَيَنْشَأُ بِاُلذِّهْنِ حِينَئِذٍ مَعْنَى اُلطُّولِ، ثُمَّ قِيَاسُهُ إِلَى شَخْصٍ أَطْوَلَ مِنْهُ فَيَنْشَأُ بِاُلذِّهْنِ حِينَئِذٍ مَعْنَى اُلْقِصَرِ. لِأَجْلِ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوصَفَ اُلشَّيْءُ اُلْوَاحِدُ بِأَوْصَافٍ اِعْتِبَارِيَّةٍ مُتَنَاقِضَةٍ مَعًا، فَيُقَالُ مَثَلاً زَيْدٌ هُوَ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ مَعًا. وَبِاُلْعَكْسِ فَإِنَّ الأَوْصَافَ اُلْمُتَنَاقِضَةَ إِنْ جَازَ اِجْتِمَاعُهَا مَعًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا أَيْضًا اِعْتِبَارَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ، وَلَيْسَ لَهَا مِنْ وُجُودِ فِي اُلْخَارِجِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَذْهَانِنَا أَصْلاً. كَذَلِكَ الأَحْكَامُ اُلزَّمَانِيَّةُ كَاُلْمَاضِي وَاُلْمُسْتَقْبَلِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً فِي نَفْسِهَا لَمَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ اُلْحُكْمُ اُلْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ تَارَةً بِحُكْمِهِ، وَتَارَةً بِحُكْمِ مُقَابِلِهِ، فَمَا ذَاكَ إِذَنْ إِلاَّ لِمَكَانِ أَنَّ أَصْلَهَا اُلذِّهْنُ وَلَيْسَ اُلْخَارِجَ. وَاُلْغَزَالِيُّ يُوَضِّحُ هَذَا بِمِثَالٍ :

فَاُلْعَالَمُ الآنَ مَوْجُودٌ، فَلِي أَنَا أَنْ أُقَدِّرَ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ أَنَّهُ لاَ عَالَمَ، فَهَذَا اُلْمُسْتَقْبَلُ بِعَيْنِهِ لَوْ أَنَا قَدَّرْتُ بَعْدَهُ وُجُودَ اُلْعَالَمِ، يَصِيرُ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى تَقْدِيرِي اُلثَّانِي مَاضِيًا، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ جَائِزًا أَنْ نَقُولَ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ “كَانَ اللهُ وَلاَ عَالَمَ” كَمَا كَانَ جَائِزًا فِيمَا قَدْ مَضَى. وَيُرِيدُ بِاُلْعَدَمِ الأَوَّلِ عَدَمَ اُلْعَالَمِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَى الآنَ، وَاُلْعَدَمِ اُلثَّانِي اُلْعَدَمَ اُلْمُقَدَّرَ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ. وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَوْصَافَ اُلزَّمَانِيَّةَ هِيَ نِسْبَةٌ، أَيْ أَنَّ وُجُودَهَا فِي اُلذِّهْنِ فَقَطْ، هُوَ أَنَّ اُلْمُسْتَقْبَلَ إِجْمَالاً، يَجُوزُ إِذَا قَدَّرْنَا لَهُ مُسْتَقْبَلاً أَنْ يَصِيرَ مَاضِيًا وَأَنْ يُعَبُّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ اُلْمَاضِي.
3) [وَهَذَا كُلُّهُ لَعِجَزِ اُلْوَهْمِ… مَوْجُودٌ هُوَ اُلزَّمَانُ]، فَإِذْ صَحَّ أَنَّ اُلزَّمَانَ هُوَ نِسْبَةٌ ذِهْنِيَّةٌ تَابِعَةٌ لِلْحَرَكَةِ وَاُلتَّغَيُّرِ، فَإِنَّ اُلْوَهْمَ قَدْ يَتَسَلَّطُ عَلَى اُلذِّهْنِ فَيَقْهَرُهُ عَلَى أَنْ يُثْبِتَ وَرَاءَ كُلِّ تَغَيُّرٍ فِي اُلْوُجُودِ تَغَيُّرًا فِي اُلْوُجُودِ، وَاُلزَّمَانُ تَابِعٌ لِلْحَرَكَةِ، فَيَتَوَهَّمُ اُلْوَهْمُ أَيْضًا أَنَّ اُلزَّمَانَ مَوْجُودٌ لاَ نِهَايَةَ لَهُ. لِذَلِكَ فَإِنْ هُوَ قِيلَ لَهُ إِنَّ هُنَاكَ مَوْجُودًا مُبْتَدَأً، اِمْتَنَعَ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ أَنْ لاَ يَتَصَوَّرَ حَرَكَةَ اِنْتِقَالٍ مِنْ عَدَمٍ سَابِقٍ إِلَى وُجُودٍ لاَحِقٍ. وَلَكِنَّ عَجْزَ اُلْوَهْمِ عَلَى تَصَوُّرِهِ أَنَّ لِلْحَرَكَةِ اِبْتِدَاءً مُطْلَقًا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ دَلِيلاً عَلَى اِمْتِنَاعِ ذَلِكَ، مَا دَلَّ اُلْبُرْهَانُ اُلْعَقْلِيُّ عَلَى إِمْكَانِهِ.
4) [وَهْوَ كَعَجْزِ اُلْوَهْمِ… عَلَى سَطْحٍ لَهُ فَوْقُ]، وَمَا يُقَوِّي حُجَّتَنَا أَنَّ هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ شَبِيهٌ جِدًّا بِمَا قَدْ صَحَّ عِنْدَكُمْ مِنْ أَنَّهُ لاَ وُجُودَ أَصْلاً لِجِسْمٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ. لَكِنَّ لِتَعْلَمْ أَنَّ لاَنِهَايَةَ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ عِلْمِ اُلطَّبِيعَةِ هُوَ مَا بَيَّنَهُ اِبْنُ سِينَا بِهَذِهِ اُلْعِبَارَةِ “وَغَرَضُنَا أَنْ نَبْحَثَ عَمَّا لاَ نِهَايَةَ لَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ مِنَ الأَجْسَامِ أَجْسَامٌ هِيَ بِمِقْدَارِهَا أَوْ بِعَدَدِهَا بِحَيْثُ أَيُّ شَيْءٍ أَخَذْتَ مِنْهَا دَائِمًا وَجَدْتَ شَيْئًا خَارِجًا عَنْهُ” “اُلشِّفَاءُ”، صَفْحَةَ 210. وَهْوَ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ قَدْ أَثْبَتَهُ قُدَمَاءُ اُلطَّبِيعِيِّينَ مِمَّنْ جَاؤُوا قَبْلَ أَرُسْطُو، مِثْلَ أَنْكَسَاغُورَاسْ، وَدِيمُقْرِيطِسْ. أَمَّا هُوَ فقَدْ أَنْكَرَهُ، وَاُلْمَشَّائِيُّونَ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَكَذَلِكَ اِبْنُ سِينَا. إِذَنْ فَقَدْ أَوْرَدَ أَرُسْطُو فِي سَمَّاعِهِ أَسْبَابًا خَمْسَةً أَوْجَبَتِ اُلتَّصْدِيقَ بِهِ، مِنْهَا مَا قَالَهُ هَذَا “وَأَيْضًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ اُلْمُتَنَاهِيَ هُوَ أَبَدًا يَنْتَهِي إِلَى شَيْءٍ، فَيَجِبُ مِنْ ذَلِكَ أَلاَّ تَكُونَ نِهَايَةٌ أَصْلاً إِنْ كَانَ يَجِبُ أَبَدًا أَنْ يَتَنَاهَى اُلشَّيْءُ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ. وَأَكْثَرُ مَا يُشَكِّكُ اُلْجَمِيعَ وَأَحَقُّهَا بِاُلتَّشْكِيكِ مِنْ قِبَلِ اُلتَّوَهُّمِ، فَإِنَّ اُلتَّوَهُّمَ لِلشَّيْءِ لَمَّا كَانَ لاَ اِنْقِطَاعَ لَهُ ظُنَّ بِاُلْعَدَدِ أَنَّهُ لاَ نِهَايَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ اُلْمَقَادِيرُ اُلتَّعَالِيمِيَّةُ وَمَا خَارِجَ اُلسَّمَاءِ. أَرُسْطُو، “اُلسَّمَّاعُ اُلطَّبِيعِيُّ”، اُلْمَقَالَةُ اُلثَّالِثَةُ 203ب، 20-25.
إِذَنْ فَكَمَا أَنَّ اُلْوَهْمَ لاَ يَتَخَيَّلُ نِهَايَةً لِجِسْمٍ إِلاَّ بِجِسْمٍ آخَرَ يَحُدُّهُ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَدَ اَلأَسْبَابِ اُلْقَوِيَّةِ الَّتِي أَوْجَبَتِ اُلْقَوْلَ بِجِسْمٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ، لَكِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَكُمْ بِأَدِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ اِمْتِنَاعُ وُجُودِهِ، كَذَّبْتُمْ اُلْوَهْمَ وَاُعْتَصَمْتُمْ بِاُلصِّدْقِ الَّذِي أَثْبَتَهُ اُلدَّلِيلُ اُلْعَقْلِيُّ، كَذَلِكَ اُلأَمْرُ هَاهُنَا فَإِنَّا نَجْعَلُ لِلْحَرَكَةِ اِبْتِدَاءً وَوُجُودًا أَوَّلاً كَمَا جَعَلْتُمْ أَنْتُمْ أَوَّلاً وَنِهَايَةً لِلْعَالَمِ، أَمَّا عَجْزُ اُلْوَهْمِ مِنَّا عَلَى تَصَوُّرِ وُجُودٍ أَوَّلٍ إِلاَّ مَعَ تَصَوُّرِ قَبْلٍ لَهُ، فَإِنَّمَا نَحْمِلُهُ عَلَى اُلْوَهْمِ اُلْكَاذِبِ، كَمَا فَعَلْتُمْ أَنْتُمْ فِي أَمْرِ اُلْجِسْمِ اُللاَّمُتَنَاهِيِّ. وَإِذْ أَنَّ اُلزَّمَانَ عَلَى قَوْلِكُمْ هُوَ عَدَدُ اُلْحَرَكَةِ، وَقَدْ بَانَتْ أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ فِي اُلْمَبْدَأِ، فَاُلزَّمَانُ إِذَنْ هُوَ مُتَنَاهٍ وَلَهُ أَوَّلٌ لاَ مَحَالَةَ.
5) [فَيَتَوَهَّمُ أَنَّ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ… مَلاَءٌ وَإِمَّا خَلاَءٌ]، اِعْلَمْ أَنَّ اُلْمَقْصُودَ بِاُلْعَالَمِ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ هُوَ مَا يُحِيطُ بِهِ اُلسَّطْحُ الأَخِيرُ، وَهْوَ سَطْحُ اُلْفَلَكِ الأَقْصَى اُلْمُشْتَمِلِ عَلَى عَالَمَيْنِ : عَالَمٍ عُلْوِيٍّ وَهُوَ الأَفْلاَكُ وَمَا فِيهَا مِنْ كَوَاكِبَ، وَعَالَمٍ سُفْلِيٍّ، أَوْ عَالَمِ مَا تَحْتَ مُقَعَّرِ فَلَكِ اُلْقَمَرِ، وَهُوَ عَالَمُ اُلْعَنَاصِرِ اُلأَرْبَعَةِ، وَاُلْكَوْنِ وَاُلْفَسَادِ. وَقَدْ يُطْلِقُونَ أَيْضًا عَلَيْهِ اِسْمَ اُلْكُلِّ.

أَمَّا فِي عُرْفِ اُلْمُتَكَلِّمِينَ، فَاُلْعَالَمُ هُوَ كُلُّ مَا سِوَى الله تَعَالَى مِنَ اُلْمَوْجُودَاتِ وَالأَشْيَاءِ اُلْمَخْلُوقَةِ.
فَإِنَّ أَيَّ إِنْسَانٍ وَقَفَ بِذِهْنِهِ عِنْدَ نِهَايَةِ اُلْعَالَمِ وَطَرَفِ اُلْكُلِّ، وَهْوَ اُلسَّمَاءُ اُلْمُحِيطَةُ، فَإِنَّ وَهْمَهُ ضَرُورَةً سَيَطْلُبُ شَيْئًا آخَرَ وَرَاءَ ذَلِكَ اُلْحَدِّ، فَإِمَّا أَنْ يَتَوَهَّمَهُ بِأَنَّهُ فَضَاءٌ بِلاَ جِسْمٍ أَصْلاً، وَهْوَ اُلْخَلاَءُ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ جِسْمٌ، وَعَالَمٌ آخَرُ. وَيُؤْخَذُ عَادَةً عَلَى هَذَا مِثَالٌ طَرِيفٌ، وَهْوَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَدْ بَلَغَ طَرَفَ اُلْعَالَمِ مَدَّ يَدَهُ إِلَى جِهَةِ اُلْفَوْقِ، فَحَالُهُ فِي اُلْوَهْمِ إِذَنْ لَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَمْرَيْنِ وُجُوبًا، فَإِمَّا أَنْ تَنْبَسِطَ يَدُهُ وَلاَ يَعُوقُهَا شَيْءٌ، فَيَكُونُ هُنَاكَ إِذَنْ خَلاَءٌ قَطْعًا. وَإِمَّا أَنْ لاَ تَنْبَسِطَ لِمَانِعٍ يَمْنَعُهَا، فَيَكُونُ هُنَاكَ إِذَنْ جِسْمٌ فِي مَكَانٍ، وَهْوَ اُلْمَلاَءُ.
6) [وَإِذَا قِيلَ لَيْسَ فَوْقَ… عَنِ الإِذْعَانِ لِقَبُولِهِ]، إِذَنْ فَلَوْ كَانَ الاِقْتِنَاعُ بِأَمْرِ اُلْعَالَمِ مَوْقُوفًا فَقَطْ عَلَى اُلْوَهْمِ لَأَوْجَبَ بِذَاتِهِ دَائِمًا بُعْدًا بَعْدَ بُعْدٍ، وَفَوْقًا بَعْدَ فَوْقٍ، هَوَ إِمَّا مَلاَءٌ أَوْ خَلاَءٌ. بَلْ إِنَّا وَإِنْ جِئْنَاهُ بِاُلْيَقِينِ اُلثَّابِتِ مِنْ طَرِيقِ اُلْبُرْهَانِ وَاُلْحُجَّةِ وَبَيَنَّا اِمْتِنَاعَ مَا يَظْهَرُ لَهُ دَائِمًا، سَدَّ أُذُنَيْهِ، وَبَقِيَ يصُوِّرُ لَنَا اُلْعَالَمَ دَائِمًا كَمَا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَوِّرَهُ إِلاَّ عَلَيْهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّا نُسَفِّهُ اُلْوَهْمَ، وَلاَ نَرْكُنُ إِلاَّ إِلَى مَا ظَهَرَ بِاُلْبُرْهَانِ.
7) [كَمَا إِذَا قِيلَ لَيْسَ… نَفَرَ اُلْوَهْمُ أَيْضًا عَنْ قَبُولِهِ]، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلِمَ لاَ نَقُولُ بِأَنَّ مَا سُقْتُمُوهُ حُجَّةً فِي أَنَّ اُلْعَالَمَ لَوْ كَانَ حَادِثًا لاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَبْلٌ زَمَانِيٌّ، فَاُلزَّمَانُ مَوْجُودٌ قَبْلَ كُلِّ حَادِثٍ لاَ مَحَالَةَ، إِذَنْ فَهْوَ قَدِيمٌ، إِنَّمَا هُوَ اِحْتِجَاجٌ بِاُلْوَهْمِ، وَصُورَتُهُ هِيَ بِعَيْنِهَا صُورَةُ الإِيجَابِ اُلْوَهْمِيِّ فِي اُلْبُعْدِ اُللاَّمُتَنَاهِيِّ، لِذَلِكَ فَلَيْسَ نُفُورُ اُلْوَهْمِ هَاهُنَا مِنْ نَفْيِنَا لِوُجُودِ “قَبْلٌ” قَبْلَ وُجُودِ اُلْعَالَمِ، وُجُودًا مُحَقَّقًا، أَيْ وُجُودًا ثَابِتًا فِي اُلْخَارِجِ غَيْرَ كَوْنِهِ اِعْتِبَارًا ذِهْنِيًّا فَقَطْ، هُوَ حُجَّةٌ لَكُمْ فِي أَنَّ اُلزَّمَانَ قَدِيمٌ، كَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكُمْ نُفُورُهُ مِنْ نَفْيِ كُلِّ فَوْقٍ فَوْقَ اُلْعَالَمِ هُوَ حُجَّةً فِي أَنَّ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ دَائِمًا شَيْئًا.
8) [وَكَمَا جَازَ أَنْ يُكَذَّبَ اُلْوَهْمُ فِي تَقْدِيرِهِ… وَإِنْ كَانَ اُلْوَهْمُ لاَ يُذْعِنُ لِقَبُولِهِ]، وَقَدْ كَانَ طَرِيقُكُمُ اُلْبُرْهَانِيُّ فِيمَا مَضَى فِي تَكْذِيبِ اُلْوَهْمِ إِذْ هُوَ لَيْسَ يَنْفَكُّ عَنْ إِثْبَاتِ أَنَّ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ هُنَاكَ خَلاَءً لاَ نِهَايَةَ لَهُ ضَرُورَةً، بِأَنَّ اُلْخَلاَءَ قَدْ يُفْهَمُ بِمَعْنَيَيْنِ : إِمَّا اُللاَّشَيْءُ، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ، لِأَنَّ اُلْخَلاَءَ لاَشَيْءَ، وَقَوْلُنَا “إِنَّ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ لاَ شَيْءَ”، وَاُلْخَلاَءُ هُوَ لاَ شَيْءٌ. وَإِمَّا أَنْ يُرَادُ بِهِ بُعْدٌ مَكَانِيٌّ لَيْسَ فِيهِ جِسْمٌ أَصْلاً، وَهَذَا مَا تَأْبَوْنَهُ حَقًّا وَتَدْفَعُونَهُ بِاُلدَّلِيلِ. وَاُلدَّلِيلُ، أَنَّ اُلْبُعْدَ اُلْمَكَانِيَّ هُوَ أَبْعَادٌ ثَلاَثَةٌ فِي اُلطُّولِ وَاُلْعَرْضِ وَاُلْعُمْقِ، وَهَذِهِ اُلأَبْعَادُ إِنْ كَانَتْ بِاُلْفِعْلِ، لَمْ تَقُمْ بِذَاتِهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ هِيَ ضَرُورَةً تَابِعَةٌ لِلْجِسْمِ الَّذِي إِنَّمَا صُورَتُهُ اُلْجَوْهَرِيَّةُ إِنَّمَا هِيَ جَوَازُ فَرْضِ هَذِهِ اُلأَبْعَادِ اُلثَّلاَثَةِ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ اِبْنُ سِينَا فِي سَمَّاعِهِ، وَ فِي إِلاَهِيَّاتِهِ، مِنْ كِتَابِ اُلشِّفَاءِ. فَإِنْ فُرِضَتْ مَوْجُودَةً بِاُلْفِعْلِ صَارَتْ كَمًّا مُتَّصِلاً لَهُ اِمْتِدَادٌ فِي الأَقْطَارِ، إِمَّا إِلَى نِهَايَةٍ مَحْدُودَةٍ، فَيَحْصُلُ اُلْمِقْدَارُ اُلْمُتَنَاهِيُّ، وَإِمَّا إِلَى لاَ نِهَايَةٍ إِنْ جَازَ ذَلِكَ، فَيَحْصُلُ اُلْمِقْدَارُ اُللاَّمُتَنَاهِيُّ. وَلَكِنْ هُوَ قَدْ تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اِمْتِنَاعُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جِسْمٌ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، فَاُمْتَنَعَ إِذَنْ وُجُودُ بُعْدٍ غَيْرِ مُتَنَاهٍ، فَاُمْتَنَعَ إِذَنْ وُجُودُ بُعْدٍ غَيْرِ مُتَنَاهٍ خَالِيًا مِنْ كُلِّ جِسْمٍ. فَمِنَ اُلْمُحَالِ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خَلاَءٌ لاَ مُتَنَاهٍ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ. وَلاَ أَيْضًا مَلاَءٌ.
9) [وَكَذَلِكَ يُقَالُ كَمَا أَنَّ اُلْبُعْدَ اُلْمَكَانِيَّ تَابِعٌ لِلْجِسْمِ… وَلاَ يَرْعَوِي عَنْهُ]، كَذَلِكَ حُجَّتُنَا فِي إِبْطَالِ زَمَانٍ وَرَاءَ اِبْتِدَاءِ اُلْعَالَمِ كَمَا كَانَتْ حُجَّتُكُمْ فِي إِبْطَالِ مَكَانٍ وَرَاءِ جِسْمِ اُلْعَالَمِ. إِذْ هِيَ قَدْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ بِأَنَّ اُلْبُعْدَ اُلْمَكَانِيَّ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لاَ مُتَنَاهِيًا لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْجِسْمِ وَاُلْجِسْمُ مُتَنَاهٍ. وَأَيْضًا عِنْدَكُمْ فَإِنَّ اُلزَّمَانَ هُوَ تَابِعٌ لِلْحَرَكَةِ لِأَنَّهُ اِمْتِدَادُهَا. إِذَنْ فَإِنْ قَامَ اُلدَّلِيلُ عَلَى تَنَاهِيهَا مِنْ طَرَفَيْهَا، أَعْنِى أَنَّ لَهَا اِبْتِدَاءً وَاِنْقِضَاءً، فَقَدْ وَجَبَ إِذَنْ اِمْتِنَاعُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ زَمَانٌ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ. وَكَمَا لَمْ يُؤْبَهْ لِإِلْحَاحِ اُلْوَهْمِ بِأَنَّ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ بُعْدًا آخَرَ، كَذَلِكَ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْبَهَ لَهُ لِإِلْحَاحِهِ بِأَنَّ وَرَاءَ اِبْتِدَاءِ اُلْعَالَمِ زَمَانًا آخَرَ.
10) [وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْبُعْدِ… لاَ خَلاَءُ وَلاَ مَلاَءٌ]، اُلزَّمَانُ تَنْقَسِمُ أَجْزَاؤُهُ إِلَى قَبْلٍ وَبَعْدٍ، وَهُمَا مُتَضَايِفَانِ، أَعْنِي “قَبْلُ” هُوَ “قَبْلُ” بِالإِضَافَةِ إِلَى بَعْدٍ، وَ”بَعْدٌ” هُوَ “بَعْدٌ” بِالإِضَافَةِ إِلَى قَبْلٍ. وَهْوَ قَبْلٌ لِأَنَّهُ قَبْلُ بَعْدٍ، أَيْ حِينَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ لَمْ يَكُنْ “بَعْدُ”، وَبَعْدُ هُوَ بَعْدُ قَبْلٍ، لِأَنَّهُ حِينَ صَارَ مَوْجُودًا اِنْتَفَى وُجُودُ “قَبْلُ”. وَهَذَا خِلاَفُ اُلتَّرْتِيبِ اُلْمَكَانِيِّ الَّذِي وَإِنْ كَانَ أَيْضًا أَجْزَاؤُهُ مُتَضَايِفَةً، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مَوْجُودَةٌ مَعًا. إِذَنْ فَمِنْ هَذِهِ اُلْجِهَةِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ اُلتَّضَايُفِ اُلْمَوْجُودِ بَيْنَ أَجْزَاءِ اُلتَّرْتِيبِ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ اُلْمَكَانِ وَاُلزَّمَانِ. وَإِذْ لاَ فَرْقَ، فَإِنْ جَازَ إِثْبَاتُ “فَوْقُ” لاَ فَوْقَ فَوْقَهُ، جَازَ إِثْبَاتُ “قَبْلُ” لَيْسَ قَبْلَهُ “قَبْلُ” مُحَقَّقٌ، أَيْ مَوْجُودًا فِي اُلْخَارِجِ، إلاَّ خَيَالِيًّا وَهْمِيًّا كَمَا فِي اُلْفَوْقِ.
-V قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ اُلْمُوَازَنَةُ مُعْوَجَّةٌ1 لِأَنَّ اُلْعَالَمَ لَيْسَ لَهُ “فَوْقُ” وَلاَ “تَحْتُ”، لِأَنَّهُ كُرِّيٌ، وَلَيْسَ لِلْكُرَةِ فَوْقُ وَلاَ تَحْتُ2، بَلْ إِنْ سُمِّيَتْ جِهَةٌ “فَوْقًا” فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَلِي رَأْسَكَ، وَالأُخْرَى “تَحْتًا” فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَلِي رِجْلَكَ، فَهْوَ اِسْمٌ تَجَدَّدَ لَهُ بِالإِضَافَةِ إِلَيْكَ، وَاُلْجِهَةُ الَّتِي هِيَ “تَحْتُ” بِالإِضَافَةِ إِلَيْكَ هِيَ “فَوْقُ” بِاُلإِضَافَةِ إِلَى غَيْرِكَ إِذَا قَدَّرْتَهُ عَلَى اُلْجَانِبِ الآخَرِ مِنْ كُرَةِ الأَرْضِ وَاقِفًا يُحَاذِي أَخْمَصَ قَدَمِهِ أَخْمَصَ قَدَمِكَ، بَلِ اُلْجِهَةُ الَّتِي تُقَدِّرُهَا فَوْقَكَ مِنْ أَجْزَاءِ اُلسَّمَاءِ نَهَارًا هِيَ بِعَيْنِهَا تَحْتَ الأَرْضِ لَيْلاً، وَمَا هُوَ تَحْتَ الأَرْضِ يَعُودُ إِلَى فَوْقَ الأَرْضِ بِاُلدَّوْرِ3. وَأَمَّا الأَوَّلُ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْقَلِبَ آخِرًا وَهْوَ كَمَا لَوْ قَدَّرْنَا خَشَبَةً أَحَدُ طَرَفَيْهَا غَلِيظٌ وَالآخَرُ دَقِيٌق، وَاُصْطَلَحْنَا عَلَى أَنْ نُسَمِّيَ اُلْجِهَةَ الَّتِي تَلِي اُلدَّقِيقَ فَوْقًا إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي، وَاُلْجَانِبَ الآخَرَ تَحْتًا، لَمْ يَظْهَرْ بِهَذَا اِخْتِلاَفٌ ذَاتِيٌّ فِي أَجْزَاءِ اُلْعَالَمِ، بَلْ هِيَ أَسَامِيٌّ مُخْتَلِفَةٌ قِيَامُهَا بِهَيْئَةِ هَذِهِ اُلْخَشَبَةِ حَتَّى لَوْ عُكِسَ وَضْعُهَا لانْعَكَسَ الاِسْمُ، وَاُلعَالَمُ لَمْ يَتَبَدَّلْ، فَاُلْفَوْقُ وَاُلتَّحْتُ نِسْبَةٌ مَحْضَةٌ إِلَيْكَ لاَ تَخْتَلِفُ أَجْزَاءُ اُلْعَالَمِ وَسُطُوحُهُ فِيهِ4، وَأَمَّا اُلْعَدَمُ اُلْمُتَقَدِّمُ عَلَى اُلْعَالَمِ، وَالنِّهَايَةُ الأُولَى لِوُجُودِهِ فَذَاتِيٌّ لَهُ لاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَبَدَّلَ فَيَصِيرُ آخِرًا، وَلاَ اُلْعَدَمُ اُلْمُقَدَّرُ عِنْدَ فَنَاءِ اُلْعَالَمِ الَّذِي هُوَ عَدَمٌ لاَحِقٌ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ سَابِقًا، فَطَرَفَا نِهَايَةِ وُجُودِ اُلْعَالَمِ اللَّذَانِ أَحَدُهُمَا أَوَّلٌ وَاُلثَّانِي آخِرٌ طَرَفَانَ ذَاتِيَّانِ ثَابِتَانِ لاَ يُتَصَوَّرُ التَّبَدُّلُ فِيهِمَا بِتَبَدُّلِ الإِضَافَاتِ إِلَيْةِ أَلْبَتَّةَ بِخِلاَفِ “اُلْفَوْقُ” وَ”اُلتَّحْتُ5″. فَإِذَنْ أَمْكَنَنَا أَنْ نَقُولَ لَيْسَ لِلْعَالَمِ “فَوْقُ” وَلاَ “تَحْتُ”، وَلاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَقُولُوا لَيْسَ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ “قَبْلُ” وَلاَ “بَعْدُ”. وَإِذَا ثَبَتَ “اُلْقَبْلُ” وَ”اُلْبَعْدُ”، فَلاَ مَعْنَى لِلزَّمَانِ سِوَى مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ “بِاُلْقَبْلِ” وَ”اُلْبَعْدِ”6.”
شَرْحٌ -V-
1) [فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ اُلْمُوَازَنَةُ مُعْوَجَّةٌ]، أَجَابَ اُلْغَزَالِيُّ عَنِ اُلْفَلاَسِفَةِ بِأَنَّ هَذِهِ اُلْمُشَابَهَةَ لِجِهَتَيِ اُلزَّمَانِ بِجِهَتَيِ اُلْمَكَانِ الَّتِي أَخْرَجْتُمُ مِنْهَا أَنَّ اُلذَّهَابَ إِلَى مَا لاَنِهَايَةَ فِي اُلْقَبْلِيَّةِ اُلزَّمَانِيَّةِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ اُلذَّهَابِ إِلَى مَا لاَنِهَايَةَ فِي اُلْفَوْقِيَّةِ اُلْمَكَانِيَّةِ، فَإِنْ نَحْنُ، أَيِ اُلْفَلاَسِفَةَ، قَدْ فَسَّرْنَا اُلذَّهَابَ اُلثَّانِيَ بِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي اُلْوَاقِعِ، فَلِنَقْبَلْ كَذَلِكَ بِأَنَّ اُلزَّمَانَ ذُو أَوَّلٍ، وَأَنَّ اُلذَّهَابَ فِي قَبْلِيَّتِهِ هُوَ فَقَطْ مِنْ عَمَلِ اُلْوَهْمِ. قُلْتُ قَدْ تُجِيبُ اُلْفَلاَسِفَةُ بِأَنَّ هَذِهِ اُلْمُشَابَهَةَ غَيْرُ سَلِيمَةٍ، لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ اُلْقِيَاسِ مَعَ ثُبُوتِ اُلْفَارِقِ.
2) [لِأَنَّ اُلْعَالَمَ لَيْسَ… فَوْقُ وَلاَ تَحْتُ]، وَاُلْفَارِقُ بَيْنَ اُلأَمْرَيْنِ اُلْمَانِعُ لِلْمُشَابَهَةِ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ كُرِيٌّ لاَيَقْبَلُ اُلزِّيَادَةَ، يُحِيطُ بِهِ سَطْحٌ وَاحِدٌ غَيْرُ ذِي أَجْزَاءٍ مُتَبَايِنَةٍ، فَفِي نَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ هَيْئَةٌ هِيَ فَوْقُ وَهَيْئَةٌ هِيَ تَحْتُ. بَلْ إِنَّهَا مَعَانٍ تُقَالُ بِالإِضَافَةِ إِلَيْنَا فَقَطْ، كَكَوْنِ فُلاَنٍ عَلَى يَسَارِي، فَهْوَ صِفَةٌ حَدَثَتْ لِوُجُودِهِ بِالإِضَافَةِ إِلَيَّ عَلَى يَسَارِي، لِذَلِكَ فَلَوْ أَنَا اِنْتَقَلْتُ حَتَّى أَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ، لَتَجَدَّدَتْ لَهُ صِفَةٌ أُخْرَى وَهْيَ كَوْنُهُ عَلَى يَمِينِي، وَقَدْ بَقِيَ هُوَ عَلَى حَالِهِ مَا اخْتَلَفَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي نَفْسِهِ أَلْبَتَّةَ. وَلَمَّا كَانَتِ اُلْجِهَاتُ اُلْمَكَانِيَّةُ إِنَّمَا هِيَ إِضَافَاتٌ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْنَا، كَانَ أَصْلُ وُجُودِهَا هُوَ اُلْوَهْمَ فَقَطْ، فَجَازَ إِذَنْ أَنْ تَمْضِيَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ مُضِيًّا تَابِعًا لِحَرَكَةِ اُلْوَهْمِ اُلْمُطْلَقَةِ.
3) [بَلْ إِنْ سُمِّيَتْ جِهَةٌ… إِلَى فَوْقَ الأَرْضِ بِاُلدَّوْرِ]، إِنَّهَا أَمْثِلَةٌ يَأْخُذُهَا اُلْغَزَالِيُّ عَنِ اُلْفَلاَسِفَةِ لِيُبَيِّنَ بِهَا أَنَّ اُلْجِهَاتَ اُلْمَكَانِيَّةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْصَافٌ إِضَافِيَّةٌ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْنَا

إِذَنْ فَزَيْدٌ وَاقِفٌ عَلَى اُلْجَانِبِ اُلأَوَّلِ مِنْ دَائِرَةِ اُلأُفُقِ، وَعَمْرٌو وَاقِفٌ عَلَى اُلْجَانِبِ الآخَرِ يُحَاذِي أَخْمَصُ قَدَمِهِ أَخْمَصَ قَدَمِ زَيْدٍ. فَاُلْجُزْءُ مِنَ اُلسَّمَاءِ الَّذِي يَلِي رَأْسَ زَيْدٍ يُسَمَّى “فَوْقُ” بِالإِضَافَةِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ هَيْئَةٌ قَائِمَةٌ فِي اُلسَّمَاءِ، بَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ قَدْ يُوصَفُ أَيْضًا بِأَنَّهُ “تَحْتُ” بِالإِضَافَةِ إِلَى قَدَمَيِّ عَمْرٍو. وَقَوْلُهُ “بَلِ اُلْجِهَةُ الَّتِي تُقَدِّرُهَا فَوْقَكَ مِنْ أَجْزَاءِ اُلسَّمَاءِ نَهَارًا هِيَ بِعَيْنِهَا تَحْتَ الأَرْضِ لَيْلاً” فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلسَّمَاءَ تَتَحَرَّكُ دَوْرَةً كَامِلَةً فِي اُلْيَوْمِ وَاُللَّيْلَةِ حَوْلَ مِحْوَرِهَا مِنَ اُلشَّرْقِ إِلَى اُلْغَرْبِ. لِذَلِكَ فَمَا يَكُونُ مِنْهَا فَوْقَ زَيْدٍ نَهَارًا، فَإِنَّهُ بِعَيْنِهِ يَصِيرُ تَحْتَهُ فِي اُللَّيْلِ، وَاُلْعَكْسُ بِاُلْعَكْسِ. فَلَزِمَ أَنَّ اُلْجِهَاتَ فِي اُلْمَكَانِ إِنَّمَا هِيَ مَوْجُودٌ وَهْمِيٌّ، وَلَيْسَ لَهَا ثُبُوتٌ فِي اُلْخَارِجِ.
4) [وَأَمَّا الأَوَّلُ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ… أَجْزَاءُ اُلْعَالَمِ وَسُطُوحُهُ فِيهِ]، يَأْخُذُ اُلْغَزَالِيُّ مِثَالاً آخَرَ عَنِ اُلْفَلاَسِفَةِ مُبَيِّنًا بِهِ أَنَّ اُلْجِهَاتَ اُلْمَكَانِيَّةَ إِضَافَاتٌ مَحْضَةٌ، لاَ هَيْئَاتٌ ثَابِتَةٌ. إِذْ لَوْ فَرَضْنَا خَشَبَةً أَحَدُ طَرَفَيْهَا دَقِيقٌ وَالآخَرُ غَلِيظٌ، فَقَدْ نَصْطَلِحُ بِأَنَّ اُلْجِهَةَ الَّتِي تَلِي اُلدَّقِيقَ هِيَ فَوْقُ، وَالَّتِي تَلِي اُلْغَلِيظَ تَحْتُ. فَهَذِهِ اُلْجِهَاتُ لَيْسَتْ بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ اُلْعَالَمِ، بَلْ هِيَ إِضَافَاتٌ إِلَى هَيْئَةِ اُلْخَشَبَةِ حَتَّى لَوْ أَنَّهَا قَدْ عُكِسَتْ لانْعَكَسَ اِسْمُ اُلْجِهَةِ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ شَيْءٌ فِي اُلْعَالَمِ. وَقَدْ يَكُونُ اُلْمَقْصُودُ بِسُطُوحِهِ، أَجْزَاءَ اُلسَّطْحِ الأَخِيرِ اُلْمُحِيطِ بِاُلْكُلِّ.

5) [وَأَمَّا اُلْعَدَمُ اُلْمُتَقَدِّمُ عَلَى اُلْعَالَمِ… بِخِلاَفِ “اُلْفَوْقُ” وَ”اُلتَّحْتُ]، أَمَّا قَوْلُنَا أَوَّلٌ زَمَانِيٌّ لِلْعَالَمِ، وَآخِرٌ زَمَانِيٌّ، فَهُمَا ذَاتِيَّانِ لَيْسَا بِتَابِعَيْنِ لِوَهْمِنَا، إِذْ هُوَ أَوَّلٌ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ عَدَمٌ، وَهْوَ آخِرٌ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِهِ عَدَمٌ. وَلاَ يُمْكِنَ أَنْ نَعْكِسَ، فَيَصِيرُ مَا يَلِي مَا انْتَهَى فِيهِ اُلْعَالَمُ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا يَلِي مَا قَدِ ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَمَا يَلِي مَا ابْتَدَأَ مِنْهُ هُوَ ِبَعَيْنِهِ مَا يَلِي مَا يَنْتَهِي فِيهِ، كَمَا فِي مِثَالِ اُلْخَشَبَةِ حَيْثُ إِنَّ اُلْجِهَةَ اُلْوَاحِدَةَ اُلَّتِي تَلِي أَحَدَ طَرَفَيِّ اُلْخَشَبَةِ هِيَ بِعَيْنِهَا الَّتِي تَلِي طَرَفَهَا الآخَرَ بَعْدَ اُلْعَكْسِ.

فَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَا يَلِي أَوَّلَ اُلْعَالَمِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا يَلِي آخِرَهُ، وَمَا يَلِي آخِرَهُ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا يَلِي أَوَّلَهُ، لَزِمَ فِي صِفَتَيِّ اُلْقَبْلِ وَاُلْبَعْدِ، بِأَنَّهُمَا ذَاتِيَّانِ لِلْعَالَمِ، تَتَبَدَّلُ هَيْئَتُهُ إِنْ بُدِّلَتَا، وَلَيْسَا بِتَابِعَيْنِ أَصْلاً لِلإِضَافَةِ إِلَيْنَا، بِخِلاَفِ اُلْفَوْقِ وَاُلتَّحْتِ.
5) [فَإِذَنْ أَمْكَنَنَا أَنْ نَقُولَ لَيْسَ… بِاُلْقَبْلِ” وَ”اُلْبَعْدِ”]، وَاُلْخُلاَصَةُ أَنَّهُ قَدْ جَازَ لَنَا نَحْنُ اُلْفَلاَسِفَةَ، أَنْ نَمْنَعَ لِلْعَالَمِ وُجُودَ “فَوْقٍ” وَ”تَحْتٍ”، وَنُفَسِّرَ نُزُوعَ أَذْهَانِنَا لِإِثْبَاتِهِ بِأَنَّهُ مِنَ عَمَلِ اُلْوَهْمِ، لِأَنَّهُ كِلَيْهِمَا مَوْجُدَانِ بِالإِضَافَةِ إِلَيْنَا. أَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ يَجُوزُ لَكُمْ ذَلِكَ فِي أَمْرِ “اُلْقَبْلِ” وَ”اُلْبَعْدِ” لِمَا قَدْ أَثْبَتْنَا مِنْ كَوْنِهِمَا مَعْنَيَيْنِ ذَاتِيَيْنِ لِلْعَالَمِ. إِذَنْ فَإِنْ سَاقَ كُلُّ “قَبْلٍ” إِلَى “قَبْلٍ” قَبْلَهُ، وَكُلُّ “بَعْدٍ” إِلَى “بَعْدٍ” بَعْدَهُ، إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، فَذَلِكَ هُوَ شَيْءٌ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، وَلَيْسَ فَقَطْ إِنَّمَا هُوَ تَمَادٍ مِنَ اُلْوَهْمِ. وَلاَ مَعْنَى لِلزَّمَانِ سِوَى مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ “بِاُلْقَبْلِ” وَ”اُلْبَعْدِ”. فَصَحَّ إِذَنْ أَنَّ اُلزَّمَانَ قَدِيمٌ.
-VI قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “قُلْنَا لاَ فَرْقَ1، فَإِنَّهُ لاَ غَرَضَ فِي تَعْيِينِ لَفْظِ “اُلْفَوْقِ” وَ”اُلتَّحْتِ”، بَلْ نَعْدِلُ إِلَى لَفْظِ “اُلدَّاخِلِ” وَ”اُلْخَارِجِ”، وَنَقُولُ لِلْعَالَمِ دَاخِلٌ وَخَارِجٌ2، فَهَلْ خَارِجَ اُلْعَالَمِ شَيْءٌ مِنْ مَلاَءٍ أَوْ خَلاَءٍ، فَسَيَقُولُونَ لَيْسَ وَرَاءَ اُلْعَالَمِ لاَ خَلاَءٌ وَلاَ مَلاَءٌ3. وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِاُلْخَارِجِ سَطْحَهُ الأَعْلَى فَلَهُ خَارِجٌ، وَإِنْ عَنَيْتُمُ غَيْرَهُ فَلاَ خَارِجَ لَهُ4، فَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لَنَا هَلْ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ “قَبْلُ”، قُلْنَا إِنْ عُنِيَ بِهِ هَلْ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ بِدَايَةٌ، أَيْ طَرَفًا مِنْهُ اِبْتَدَأَ، فَلَهُ “قَبْلُ” عَلَى هَذَا، كَمَا لِلْعَالَمِ خَارِجٌ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُ اُلطَّرَفُ اُلْمَكْشُوفُ وَاُلمُنْقَطَعُ اُلسَّطْحِيُّ. وَإِنْ عَنَيْتُمْ “بِقَبْلُ” شَيْئًا آخَرَ، فَلاَ قَبْلُ لِلْعَالَمِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا عُنِيَ بِخَارِجِ اُلْعَالَمِ شَيْءٌ سِوَى اُلسَّطْحِ، قِيلَ لاَ خَارِجَ لِلْعَالَمِ5. فَإِنْ قُلْتُمْ لاَ يُعْقَلُ مَبْدَأُ وُجُودٍ لاَ “قَبْلُ” لَهُ، فَيُقَالُ وَلاَ يُعْقَلُ مُتَنَاهِي وُجُودٍ مِنَ اُلْجِسْمِ لاَ خَارِجَ لَهُ. فَإِنْ قُلْتَ “خَارِجُهُ” سَطْحُهُ الَّذِي هُوَ مُنْقَطَعُهُ لاَ غَيْرَ، قُلْنَا قَبْلُهُ بِدَايَةُ وُجُودِهِ الَّذِي هُوَ طَرَفُهُ لاَ غَيْرَ6.”
(يتبع)





