المجلة الثقافية الجزائرية

د. محمد المطارقي

الاستِشْرَاق الرقمي المُضَاد في أدبِ الطفل. تحليل سُوسْيُو تِقنِي لسِلسلة ‘مُغامرات الحَق المُبِين’ للمطارقي”

د. شيماء بكرى ـ جامعة بنها

     

    في زمن طغى فيه الإعلام الرقمي وتضاعفت فيه التحديات أمام النشء، بات من الضروري إعادة تشكيل الوعي الطفولي بشكل يناسب التحولات الرقمية المتسارعة. لم يعد كافيًا أن نُربي أطفالنا على القيم المجردة، بل صار لزامًا علينا أن نقدم لهم تلك القيم في صور إبداعية، قريبة من عالمهم، مستخدمة أدوات العصر نفسه. وهنا تبرز أهمية مشروع “مغامرات فريق الحق المبين” للأديب محمد عبد الظاهر المطارقي، والذي نجح في صياغة خطاب ديني وفكري يواجه التزييف والتشويه بطريقة محببة ومبسطة للأطفال.

     لم تعد الحكاية في زمن العولمة والرقمنة مجرد وسيلة للترفيه أو التسلية، بل أصبحت سلاحًا معرفيًا مقاومًا في معركة الوعي والهوية، وتُعد سلسلة “مغامرات الحق المبين” لمحمد عبد الظاهر المطارقي أنموذجًا رائدًا لما يمكن تسميته بـالاستشراق الرقمي المضاد( ) في أدب الطفل؛ حيث يتحول السرد القصصي إلى وسيلة لتفكيك الصور النمطية التي رسخها الاستشراق الكلاسيكي، مستخدمًا أدوات العصر ذاته من تكنولوجيا وتفاعل رقمي.

التحليل السُوسيوتقني( ) لسلسلة “الحق المبين”

أولًا البعد الاجتماعي:

– إعادة الاعتبار للتراث الإسلامي: تُقدم السلسلة التراث الإسلامي من خلال شخصيات محببة، تطرح الأسئلة وتواجه القضايا الفكرية بأسلوب عصري، مثلما جاء في قول أحد الأبطال: “لا يمكننا الرد على التشويه بالصراخ.. بل بالبيان، ولنا في العلم طريق، وفي الحقيقة سلاح.”

– مواجهة التزييف بثقة وهوية: تنجح القصص في بناء وعي نقدي للطفل، يمكنه من فرز المعلومات، كما في قول حسان: “علينا أن نستخدم وسائل التكنولوجيا الحديثة لتوضيح حقيقة الإسلام من خلال اليوتيوب، ووسائل التواصل الاجتماعي، ونقدم الجمال الذي يحمله هذا الدين.”

ثانيًا/ البعد التقني:

– توظيف الوسائط الرقمية:

     تعتمد السلسلة على المجلات الإلكترونية، التصوير الوثائقي، وإعداد مقاطع فيديو، كما ورد في النص:”نقوم بتصوير المستنقع كما هو، ثم نعرض الفكرة في المجلة الإلكترونية ‘الحق المبين’، ونتابع أثرها خطوة بخطوة.”

– تجسيد القيم في شخصيات رقمية:

    يتضح أن الشخصيات في السلسلة ليست مجرد رموز تقليدية، بل نماذج افتراضية فاعلة في الواقع، قادرة على العمل الإعلامي، والتوثيق، والنشر، وهو ما يجعل الطفل جزءًا من الحكاية لا مجرد متلقٍ، عندما يقول أحدهم: “نقوم بإعداد مجلة إلكترونية باسم “الحق المبين”… سوف تكون مصدرًا مهمًا لكل مسلم يؤمن بديننا وبنبينا… وسوف تتم ترجمتها إلى عدة لغات”، هذا يظهر كيف يتم تحويل الشخصيات إلى كيانات رقمية مؤثرة تتحدث بلغات متعددة، وتسهم في نشر الرسالة الإسلامية عالميًا، مما يعكس قيم الدعوة والتعاون والتخطيط المؤسسي.

آليات المواجهة الرقمية، المتمثلة في الاستشراق المضاد:

         تسعى السلسلة إلى تفكيك الصور النمطية عن الإسلام والشرق عبر منهجية متكاملة، تقوم على التفنيد بالحجج، حيث تعتمد مبدأ “البيان بالدليل” كما تجلّى في الحوار حول ادِّعاء “نشر الإسلام بالسيف”، إذ استشهد الأطفال بقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، مع تعليقهم الواعي: “هذا كذب وافتراء عظيم!”، مما يعزز لديهم مهارة مواجهة الشبهات بالحجة.

      ولا تقف السلسلة عند حدود النقد، بل تقدم بدائل معرفية إيجابية عبر سرديات تتناسب مع عقلية الطفل، وتستند إلى أدلة شرعية وتاريخية، لبناء تصور متوازن يزيل التشويهات ويُرسّخ الهوية الإسلامية الأصيلة.

       تتحول الحكاية إلى أداة إعلامية متكاملة في سياق بناء خطاب إعلامي مضاد، حيث تُستخدم للدفاع عن المقدسات الإسلامية، مستفيدة من إمكانات العصر الرقمي. وقد عبّر الكاتب عن هذا التوجه بقوله: “قررنا أن نُنشئ مجلتنا الإلكترونية، نكتب، ونصور، وندافع عن نبينا ومقدساتنا بالحجة والصورة”، وبهذا تتخطى القصة دورها التقليدي لتغدو منصة فاعلة في المشهد الإعلامي، تجسد وعيًا بأهمية السرد كوسيلة للتأثير والمواجهة في الفضاء الرقمي.

       وفي مواجهة الشائعات، يتم تبنّي الأسلوب ذاته الذي تنتشر به تلك الادعاءات، أي عبر المنصات الرقمية وباللغات المختلفة، كما عبّر باسم: “سنترجم رسالتنا إلى لغات العالم، وسنرد على كل ادعاء بلغة المنطق والعقل”، إن هذا التوجه يدل على وعي استراتيجي باستخدام الوسائل الرقمية لنشر الخطاب الإسلامي العقلاني ومخاطبة الآخر بلُغته وأسلوبه.

       يتخطى المطارقي التقاليد نحو التجديد في الخطاب الديني الموجّه للأطفال، فيبتعد عن الأسلوب الوعظي الجامد، ويعتمد بدلًا منه على مقاربة تجمع بين التفاعل المعرفي واللغوي والبصري، ويتجلى هذا في استخدامه للقصص الواقعية والمجازية، وترميز القيم من خلال الأفعال لا الأقوال، بالإضافة إلى المزج بين الماضي والحاضر في بنية سردية واحدة، كما يفتح المجال للترجمة والتواصل مع غير المسلمين، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحوار الثقافي والانفتاح على الآخر.

د. شيماء بكرى ـ جامعة بنها

    وقبل الختام يجب أن نشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والترندات الحديثة ليست حكرًا على التافهين أو الباحثين عن الشهرة الزائفة، فكما بيّن كتاب مغامرات فريق الحق المبين، فإن النشء قادر على توظيف هذه الوسائل لخدمة القيم والمعاني النبيلة، وتحقيق التفاعل الواسع دون المساس بالذوق أو الأخلاق. ففي قصة المستنقع الذي تحول إلى جنة، نقرأ عن مبادرة الفريق لتصوير مشكلة بيئية حقيقية، ونشرها عبر مجلتهم “الحق المبين”، مما جذب انتباه السكان وسلطات الحي، وساهم في تحويل المكان من بؤرة فساد إلى جنة خضراء، وتفاعل مع المشروع قرابة مليون متابع”: لقد بلغ عدد متابعي هذا الموضوع ما يقارب المليون ونصف المليون.. وقد أعجب الكثير منهم بالفكرة، وقرر أن يقوم بتنفيذها في الحي الذي يقطن فيه.”

     وهكذا يُثبت الفريق أن التفاعل لا يشترط تفاهة المحتوى، بل إن الرسالة الهادفة حين تُقدَّم بأسلوب جذاب ومبدع يمكنها أن تنافس وتتفوق على ما سواها، وتُحدث تغييرًا حقيقيًا في الواقع والمجتمع، كما قال باسم في القصة: “هكذا يأمرنا ديننا.. وأيد الله معنا.. أن نتعاون على البر والتقوى، لا أن نستخدم الترندات لتضليل الناس أو خداعهم!”

       هذه المغامرة وغيرها في القصة توضح كيف يمكن أن يتحول الترند إلى أداة للخير والإلهام، حين يقع في يد من يحمل رسالة ويؤمن بالحق.

     وهكذا تُعد سلسلة “الحق المبين” أكثر من مجرد مجموعة قصصية للأطفال؛ إنها نموذج ثقافي تفاعلي متكامل يواجه خطاب التشويه، ويصنع وعيًا جديدًا لدى الناشئة، باستخدام أدواتهم نفسها، وفي عالم امتلأ بالصخب والتضليل، يبقى السرد الموجه الواعي هو السبيل إلى بناء جيلٍ مسلمٍ قادر على المواجهة بالحجة، ومتمسك بهويته بالحب والمعرفة.

   وهكذا أبدع المطارقي في توظيف مفهوم الاستشراق الرقمي المضاد، مطلقًا رؤية سردية متجددة تستثمر الوسائط الرقمية الحديثة في تفكيك الخطاب الاستشراقي وتشويهاته المتعمدة تجاه الإسلام والشرق، والذي صاغه من خلال خطاب موجّه للأطفال، ينطلق من أرضية تربوية متقدمة، تستوعب تحولات العصر الرقمي، وعلاوة على ذلك لم يقتصر المطارقي في قصصه على أسلوب الدفاع السلبي، بل مضى أبعد من ذلك، فبنى سردية معرفية إيجابية تُرسّخ الهوية الإسلامية، وتُعيد تمثيل “الآخر” بصورة أكثر موضوعية وإنصافًا.