بغداد أحمد بلية
فقدت السينما العربية والإفريقية أحد السينمائيين المتميزين في تاريخ السينما الجزائرية، وهو المخرج والممثل وكاتب السيناريو محمد لخضر حامينا -16 فبراير 1936 -23ماي 2025، الذي ظل طوال حياته الفنية يغازل المهرجانات السينمائية الدولية بغية الاعتراف بوجود السينما الجزائرية، و قد تمكن سنة 1966 من المشاركة في مهرجان “كان” السينمائي وتحصل فيلمه ” ريح الأوراس ” على جائزة أول عمل سينمائي، و في سنة 1975 يتحصل فيلمه ” وقائع سنين الجمر ” على السعفة الذهبية في نفس المهرجان الفرنسي.
وفي 1983 يشارك في مهرجان كان السينمائي بفيلم “العاصفة –ريح الرمل”، وكذلك سنة 1987 بفيلم “الصورة الأخيرة”، و كان آخر إنتاجه السينمائي ” غروب الظلال ” 2014 .
أثارت أفلام محمد لخضر حامينا جدلا في الأوساط السينمائية منذ الستينات من القرن العشرين ، و ذلك حول رؤيته الخاصة لتاريخ الثورة التحريرية و قد نعتت طريقته بالواقعية الشعرية ، وتجلىت بوضوح في أفلام مثل ” ريح الأوراس ” و”ديسمبر ” 1971 و” وقائع سنين الجمر ” 1974 و”فجر الظلال” 2014، وهي كلها أفلام حربية تاريخية.
مع بداية الثمانينات يخرج محمد لخضر حامينا فيلمه “العاصفة” الذي عالج فيه تاريخ راهن للمجتمع الجزائري، خلافا لأفلامه السابقة ، ركز فيه بطريقة رمزية سحرية على فضاء الصحراء الجزائرية وتأثيرها على سكانها اجتماعيا ونفسيا، وقد عاد إلى فضاء الصحراء في فيلمه الأخير ، ولكن في ظلال حرب التحرير ، مركزا على تناقضات الأبطال في وسط سحري ساكن.
ويمكن اعتبار فيلم “وقائع سنين الجمر” اعترافا فنيا ببراعة المخرج لخضر حامينا في الأوساط السينمائية العالمية، ولكن يبقى في نظري فيلم “العاصفة” من أحسن أفلام المخرج الجزائري، فقد جمع ببراعة في هذا الفيلم بين سحر الواقعية الشعرية المتمثل في جمال الصحراء وبين الواقعية الانتقادية التي تصور حالة الإنسان والمجتمع في الفضاء الصحراوي .
فضاء الصحراء الجزائرية في السينما :
ما من شك أن المخرجين الذين التحقوا بالتلفزيون الجزائري نهاية الستينات كانوا أكثر التزاما بالإيديولوجية السائدة في تلك المرحلة من تاريخ الجزائر، وهكذا عرف التلفزيون الجزائري قبل السينما محاولة جادة للولوج إلى عالم الصحراء، من خلال فيلم محمد افتيسان “يوميات شاب عامل” 1971، ومثلما فعل السينمائيون الغربيون منذ العقد الأول من القرن العشرين، فإن صورة الصحراء لم تظهر بصفة مباشرة من خلال ساكني الصحراء، وإنما عبر وسيط الإنسان الغربي والجندي الفرنسي، وفي فيلم محمد إفتيسان يتبدى البطل في صورة شاب قادم من العاصمة الجزائرية يجوب الصحراء بغرض حماية خيراتها وخيرات الوطن الباطنية من أطماع الإمبريالية الغربية، وهكذا يتحول الفضاء الصحراوي إلى ساحة صراع سياسي واقتصادي عبر خلفية مغامرة الشاب القادم من الشمال، وفي هذا العمل التلفزيوني المتميز يظهر للمشاهد أن الصحراء الجزائرية ليست خالية من السكان مثلما صورتها السينما العالمية، ففي الفيلم إشارة واضحة إلى مفارقة عجيبة هي غنى الصحراء وتهميش من يسكنها.
سنوات قليلة بعد فيلم محمد افتيسان يقدم التلفزيون الجزائري على طرح تيمة الصحراء في أحد الأعمال الهامة، وهو فيلم “حيزية” لمحمد حازرلي 1975، إذ اقتبس المخرج قصته من قصيدة مشهورة في التراث الشعبي الجزائري، وأثبت المخرج لأول مرة أن الصحراء الجزائرية لها تاريخ يمتد طويلا في القدم، وأن ساكنيها لهم عاداتهم وتقاليدهم التي حافظوا عليها، و مما زاد الفيلم أهمية قصة البطلة حيزية التي أثبتت وجودها بتمسكها بقرارها في الوجود و الحياة العاطفية التي تختارها في محيط تتحكم فيه العادات والتقاليد ، غير أن النهاية المأسوية التي عرفتها البطلة في حقيقتها وكما أملتها قصيدة الشاعر ابن قيطون جعلت مرامي الفيلم غير مكتملة، وهو الشيء الذي استدركه المخرج بشير بلحاج في مسلسله ” زينة ” 1976، حيث صور فضاء الصحراء بتكوينه الاجتماعي والثقافي من خلال قصة غرام مسلية للبطلة زينة في عالم بدوي صحراوي تتخلله مغامرات ممتعة .
وفي سنة 1982 يقدم المخرج السينمائي المشهور محمد لخضر حامينا على مغامرة إخراج فيلم من إنتاج التلفزيون الجزائري عن الصحراء الجزائرية، وهو فيلم ” العاصفة أو ريح الرمل”، وكعادته يبرع المخرج في وصف البيئة الصحراوية من الداخل أي من مكونات الأسرة والقبيلة، وهو أول فيلم يظهر لنا فيه المخرج صعوبة العيش في الصحراء سواء اجتماعيا أو بيئيا، فالطبيعة صعبة جدا، ومثلما تدمر العاصفة الرملية الحقول والحياة النباتية يركز المخرج على تدمير الأسرة والأولاد جراء الطلاق التعسفي، وفي الأخير يفهم المشاهد الجزائري معاناة ساكني الصحراء منذ ألاف السنين إلى يومنا.
وكان أول عمل سينمائي يعرفنا بالصحراء الجزائرية فيلم “صحراء بلوز” لرابح بوبراس 1987، ولكنه لم يخرج عن الطرح القديم الذي يظهر لنا أبطالا من الشمال يجوبون الصحراء متمتعين حينا بجمالها وأحيانا أخرى بمتاعبها، وهكذا يصور لنا الفيلم جولة سياحية لأسرة جزائرية في الجنوب الشرقي من غرداية إلى الواد ثم بسكرة، في رحلة كانت أساسا للبحث عن الذات و محاولة إصلاح ما أفسدته الحياة المدنية بالعاصمة، ولكن المخرج حاول المزج بين الأصالة والثبات في مجتمعات الجنوب و تقبل الثقافات الأخرى ولذا جعل لموسيقى البلوز مكانة هامة وسط بيئة لا تتلاءم مع غناء غربي إلا في الروح.
وفي المقابل يحاول رشيد بن حاج في فيلمه “لوس أو وردة الرمال” 1989 أن يغوص في أعماق المجتمع الصحراوي من خلال نماذج بشرية حية تعيش التحولات الاجتماعية دون أن تعيها، وتفرض عليها التطورات الحضارية الاندماج القسري أو العزلة.
صور المخرج رشيد بن حاج فيلمه في منطقة قمار، ولكنه مع ذلك يوهم المشاهد أن سكان الصحراء يعيشون مشتتين، في مكان ما على مرامي الصحراء، في مكان أقرب إلى الواحة منها إلى المدينة، ومع ذلك تتوغل إليهم مظاهر المدنية من وسائل نقل حديثة وعمل المرأة خارج البيت بل تصبح أحلام العاملات في مصنع تجميع التمور السفر إلى مكان التصدير أي إلى باريس، في إشارة واضحة أن المجتمعات الصحراوية بدأت تتغير وتفقد شيئا فشيئا تقاليدها وتراثها القديم .
فيلم رشيد بن حاج حاول تفسير ما يحدث للمجتمعات الصحراوية، وفي نفس الوقت التنبيه إلى مخاطر الانفتاح التام دون مقاومة ثقافية ودينية واجتماعية .
وفي سنة 1992 يعرض المخرج ربيع بن مختار فيلمه “ماراتون تام” يظهر فيه أن تلك الفضاءات الصحراوية المنيعة التي قاومت الزمن والغزاة لآلاف السنين بدأت تنفتح على العالم الخارجي، عالم الشمال، ومن ذلك ميدان الرياضة، حيث يصور الفيلم مسار سباق الماراتون في ديكورات جميلة لمنطقة تمنراست .

و في سنة 1998 ينتقل المخرج محمد شويخ إلى الجنوب الجزائري و تحديدا في مدينة تيميمون لتصوير فيلم جديد عن الصحراء الجزائرية و هو ” سفينة الصحراء ” ، و في هذا الفيلم يكتشف المشاهد الجزائري باندهاش عميق أثر الأحداث التي تعرفها البلاد على النسيج الاجتماعي المتماسك سابقا ، فالأحداث المتسارعة التي عاشتها البلاد في تلك المرحلة جعلت النفوس ضيقة الفهم و انعدم التفاهم و الاستقرار . يصور المخرج مراحل تفكك قبيلتين و بداية صراع بسبب اكتشاف عشيقين من القبيلة في حالة تلبس في العشق ، و هنا يكمن التناقض في نظر المخرج ، إذ لو كانت أسباب الفرقة و التناحر منطقية لفهم الأمر ، و لكن اللامعقول سيطر على النفوس مما دفع بالطفل في الأخير إلى مغادرة القبيلة نظرا لجنون الكبار ، و لكن اللامنطق و اللامعقول سيلاحق الطفل حتى خارج القبيلة فمنطق السيطرة و القوة هو السائد في العالم الخارجي مثلما هو موجود في تلك القبيلة المنعزلة عن العالم و هذا ما يخفيه المخرج .
وتبدو العلاقات الإنسانية والعاطفية أكثر تعقيدا عند إبراهيم تساكي الذي ينقلنا بفيلمه “أيرون” 2007 إلى أقصى الجنوب الشرقي من الجزائر، مؤكدا على وجود سكان أصليين في منطقة الهقار يعيشون فيها منذ ألاف السنين، محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وتاريخهم وكذا لغتهم، إذ يفاجئنا الفيلم أنه ناطق باللغة الترقية، لغة أهالي الصحراء الجزائرية، مشيرا بذلك إلى تنوع الثقافات و اللغات في صحراء شاسعة ظلت تحافظ على كيانها بالرغم من الصعوبات والعوائق .
يطرح فيلم براهيم تساكي نفس التيمة التي تعرض لها محمد شويخ، وهي صعوبة العلاقات العاطفية في المجتمعات الصحراوية، فعلاقة المرأة بالرجل توجهها قوانين و أطر أسرية وقبلية صارمة، حفاظا على كيان القبيلة واستمرارها ووجودها ، لهذا كانت علاقة البطل مع امرأتين معقدة ومستحيلة، وهي أفكار وعادات تلقاها سكان المنطقة من تلاقح عدة ديانات، مما يدل على حركية المجتمع وليس ثباته.
وبهذا كان ابراهيم تساكي أول من لفت انتباه المشاهدين إلى تعدد اللغات و الثقافات في الصحراء الجزائرية، والأهم أن الصحراء الجزائرية لم تكن يوما خالية من السكان، ففي المنطقة مناظر خلابة تجلب السواح، ولكنها آهلة بالسكان الأصليين .
ومباشرة بعد عرض فيلم ابراهيم تساكي تشهد الساحة السينمائية الجزائرية عرضا مشابها ومتماثلا في فضاء الأحداث، وهو فيلم طارق تقية “قبلة” 2008 إذ حاول المخرج أن يعطي لفضاء الصحراء الجزائرية صورة جديدة تتماشى مع الواقع الجديد، فبعد مرحلة الإرهاب والفوضى التي جسدها فيلم محمد شويخ بذكاء، يقف طارق تقية أمام المشاكل الجديدة التي عرفتها الجزائر في العقد الأول من القرن الجديد، وهي الهجرة السرية، و بالتالي تتحول الصحراء إلى ممر كل قاصد للضفة الشمالية، و هكذا يحول طارق تقية الفضاء المكاني بشساعته و صمته إلى مركز لالتقاء الراغبين في مغادرة أوطانهم والرغبة الدفينة في البحث عن أوطان جديدة مستقبلة لطموحاتهم و أحلامهم، إلا أن الفيلم ينحى منحى جديدا وهو العودة إلى الوطن الأم و تجسده البطلة الإفريقية بمعية بطل الفيلم مالك الجزائري .
فيلم طارق تقية يجعل من الصحراء الجزائرية منطقة عبور، وبالتالي هي ليست أرض استقرار وحضارة، والحقيقة أنها كانت دائمة منطقة عبور للثقافات المحاذية، وهذا ما يشير إليه فيلم أحمد بن كاملة ” الموسم الخامس “2019، ولكون المخرج هو نفسه كاتب السيناريو المقتبس من رواية له بنفس العنوان، فإن أهدافه تتجلى منذ البداية، فاختيار الفضاء الصحراوي مسرحا لأحداث القصة الخيالية يوجه المشاهد إلى أهمية المكان في التاريخ وفي حاضر الشعوب، وحين اختار أحمد بن كاملة قصرا مهجورا في وسط الصحراء، والقصر في المفهوم التاريخي هو الجسر وتحولت الجيم قافا ، فالجسور في الصحراء الجزائرية ضاربة في عمق التاريخ .
لا يصور فيلم أحمد بن كاملة صحراء قاحلة لا يسكنها إلا بعض الرحل الباحثين عن الحياة وسط جحيم الصحراء، بل يؤكد على وجود المئات من القصور ذات العمران المتماثل المنتشرة عبر الصحراء الجزائرية، إنها قلاع حصينة أحكم بناؤها لمواجهة الأعداء، ولكنها وهي في عمق الصحراء جنان وارفة و أراض ساحرة، وهذه ميزة الصحراء الجزائرية، ففي وسط الطبيعة القاسية والصحاري المكسوة بالرمال في جميع الآفاق تتبدى القصور الصحراوية لكل من يعبر المكان وكأنها جنان خلد ، ففي وسط فضاء نمطي مترامي الأطراف تظهر الحياة فجأة، ولقد ظلت تلك القصور تقاوم قساوة الصحراء، ولكن تلاشت المقومة حين هجرت و انتقل معظم سكانها إلى مناطق حضرية جديدة، يلفت فيلم أحمد بن كاملة حين يصور القصر المهجور إلى ضياع التاريخ وتراث جهات كثيرة في الصحراء الجزائرية، وينبهنا إلى أن قصور الصحراء كانت دوما جسورا بين المدن الصحراوية ومدن الشمال، من خلال انتقال الثقافة الدائم عبر قوافل الأدباء والشعراء .
يمكن اعتبار الموسم الخامس أحسن فيلم يصور روح الصحراء وتراثها الثقافي العظيم، والتي بقيت أثار القصور دالة عليه، بالرغم من القصة المجازية التي يطرحها الروائي عن مصير المثقف والعالم في مجتمعات لا تهتم بالعلم ولا الفنون.
وتجسد الصحراء الجزائرية العوالم الخفية، مثل الفيلم القصير “جن” لياسمين شويخ وآخر المنتجات السينمائية الجزائرية ” من أجل حفنة رمال ” 2025 للمخرج نذير لولايين، الذي ينقل المشاهد عبر فيلمه إلى عالم الخيال العلمي والخوارق التي يخفيها فضاء الصحراء، ومع أن الصحراء تظهر سكونا عجيبا فهي تخفي حقائق غريبة و عجيبة قابلة للسرد والعرض عبر شاشات السينما العالمية .
ويبقى فيلم “العاصفة أو ريح الرمل” أحد الأفلام الجزائرية المهمة في تاريخ السينما والتلفزيون الجزائري، ويعكس بحق جدارة المخرج محمد لخضر حامينا في ريادة السينما الجزائرية .





