د. صلاح معاطي
أسند رأسه على شجرة عتيقة، عيناه نصف مفتوحتين لا تنظران إلى شيء محدد، بالقرب منه يسعى قطيع من الغنم دون أن يحول عينيه نحوها ليراقبها، فالقطيع أدرى منه بكلئه ومائه، بجواره كلب هزيل جالس على قدميه مغمض العينين يبدو كتمثال من الحجر أو الشمع، إلا إذا فتح إحدى عينيه ليرى ما يدور ويغلقهما ثانية بحكم العادة. فحاله ليس أفضل من حال صاحبه. هو أيضا لا يعبأ بالقطيع..
أما القطيع، فلا حول له ولا قوة. شراذم متفرقة، قلما تجتمع على شيء، ولو اجتمعت يدب بينها العراك والنطح والركل حتى يعلو صوت الراعي بكلمات تفرقها. يا لها من فريسة سهلة ووليمة عظيمة لذئب جائع قادته أقدامه إلى هذا المكان. لكن كيف سيقدر بمفرده على هذا الجمع، هو يعلم جيدا أنه لو تقدم ما منعه مانع وسيخرج من هذا القطيع بشاتين أو ثلاثا على الأقل على قدر ما تسمح له رغبته وما يتسع به بطنه، لو كان معه ذئبان آخران لتحالفوا معا ضد هذا القطيع ولداروا فيه ولا يتركونه إلا أشلاء ممزقة.
عوى الذئب عاليا مناديا على رفاقه كي يقتربوا، فالوليمة حافلة والراعي غائب. انضم إليه ذئب آخر راح يشمشم ويعوي وقد سال لعابه. لم يحتملا الانتظار، شمرا عن ساعديهما، اندفعا نحو شاة سمينة، افترساها، مضيا يعملان أنيابهما في جسدها الشهي وقد احمرت عيونهما من فرط الاشتهاء.
القطيع ينظر لا يدري ماذا يفعل، فهو لا يعرف لغة الذئاب كي يحاورها، كما لا يعرف لغة قطيعه لمخاطبته وتحذيره من الخطر الذي يهدده، فانصرف يحش الكلأ ويشرب الماء ويبرطع وينام، كأن الأمر لا يعنيه متناسيا شاتهم التي ذابت في لحظات قلائل بين أنياب الذئاب..
مسكينة يا شاتي، لو الزمان زماني ما تركتك فريسة لتلك الضواري، فلا أملك غير عصاي التي أهش بها حينا وأتوكأ عليها أحيانا لتحمل جسدي الذي هده الدهر.. أجل، لست أنا من يواجه الذئاب، قديما كنت أواجهها بزندي وعضدي وفتوتي، أما اليوم فقد فت الزند ووهن العضد وضاعت فتوتي. اسألي عني البراري لتحكي لك عن ذلك الراعي القديم الذي كان يقود قطيعه بين الأحراش دون أن تجرؤ السباع الفتاكة على الاقتراب.
مسح الراعي دمعة سقطت من عينه عنوة وقطف بعض الحشائش الخضراء النابتة بجواره أسفل الشجرة ومضى يلوكها بين أسنانه كي تنسيه واقعه المرير، ثم راح يقلم قطعة الغاب التي بيده ليزيل ما عليها من نتوءات وتعرجات.
فتح الكلب الرابض نصف عين ليرى ما يدور حوله، لم يحتمل رؤية دماء الشاة وهي تقطر من بين أنياب الذئب ولسانه يلعق ما سقط منها على ذقنه، فأغلق عينه بسرعة، متظاهرا بالنوم، هو أيضا لا يستطيع مواجهة الذئاب، وإذا لم تستطع المواجهة فالنوم أفضل لك. فهذا ليس زمن الكلاب بل زمن الذئاب.
انضم إلى الذئبين ذئب ثالث، انقض ثلاثتهم على شاة أخرى والتهموها. تدمع عينا الراعي، راح يبكي بحرقة، أنفاسه تختنق، نيران تشتعل بصدره، قلبه يضطرم ويتأجج، ماذا ينتظر تحت الشجرة العجوز التي التصق بها فصار وهي سواء. ليت الذئاب تأكله هو وكلبه بدلا من انتظار دوره مثل القطيع. القطيع يتقلص أمام الذئاب والكلب يشاهد ما يدور بعينيه النائمتين.
أمسك قطعة البوص في يده، وضعها في فمه، نفخ فيها بقوة، تخرج صوتا طرب له، نفخ ثانية وهو يضع أصابعه على بعض الثقوب التي حفرها بقطعة البوص ليتحول الصوت إلى نغمات وألحان تنساب في المكان، بدأ الكلب يهز أذنيه المغلقتين ويفتح عينيه النائمتين.. هذا الصوت سمعه قديما لكنه لا يذكر متى وأين.. انطلق الراعي يبث في قطعة البوص أحزانه وهمومه التي يمتلئ بها صدره لتصبح لحنا شجيا يتردد في المكان.
يقف الكلب على قدميه، يهز جسده بقوة منفضا النوم الذي جسم على جسده زمنا، يلمح الذئاب وهي تختطف شاة أخرى وتلتهمها، ينبح الكلب بوحشية شاهرا أنيابه التي نبتت ومخالبه التي برزت. لم تعبأ به الذئاب ومضت تلتهم الفريسة وهي تزوم..
الراعي يردد ألحانه بقوة تزداد شيئا فشيئا. يهز أفراد القطيع آذانها، وقفت على أقدامها وهي تبرطع وترفس وتثغو وتموء. صفا واحدا شاهرة قرونها وحوافرها في مواجهة الذئاب يتقدمها الكلب يزأر بوحشية وإصرار، الراعي بأغنيته التي يرددها وعصاه في يده.
بدأت الذئاب تنتبه، توقفت عن التهام الفريسة، راحت تنظر إلى هذه الأسود المتوحشة التي برزت لها فجأة، تتجه نحوها وفي عيونها أطلت نظرات الثأر والانتقام. دب الخوف في قطيع الذئاب بدءوا يتراجعون شيئا فشيئا، فلا طاقة لهم بمواجهة الغضب المشتعل في الصدور. وانطلقوا مبتعدين يسبقهم الخوف والفزع.
في المساء كان الراعي يجلس داخل أرضه أمام بيته بجانبه كلبه متيقظا يشمشم ينبح لأقل صوت، حولهما كان القطيع يرعى في أمان، ومازالت تتردد في المكان أغنية الراعي الخالدة..


