د. عطيات أبو العينين
في وادٍ بعيد، محاطٍ بالأسلاك والصمت، محاصر بالأسوار الشائكة، أرض صغيرة، تنمو فيها أعشاب خضراء برية؛ قطعة أرض صغيرة تدعى “السهل”، أعشاب عنيدة، لا تُشبه سائر النبات. كلما قصّوها، نبتت من جديد. لم تكن تُسقى بماء المطر، بل بشيءٍ أعمق، لا يُرى، ولا يُفهم.
كلما هبّت عليها الرياح من الشرق، اهتزّت بعناد، لكنها لم تنكسر. في الجهة المقابلة، خلف الأسوار، يسكن رجل ضخم يُدعى “الحَصَّاد”. له وجه من حجر، وعينان لا ترمشان. يملك آلة جزٍّ حديدية ذات شفرات لا ترحم. اعتاد الحصاد أن يتسلّل كل فترة إلى الأرض الصغيرة، فيقطع الأعشاب بشراسة، ثم يرحل مطمئنًا أن الأمور عادت “تحت السيطرة”.
كان يرى في العشب الفوضى بعينها. بينه وبين السهل عداء قديم، لم يُفصح عنه لأحد، ولم يُعرف له تاريخ. كلما نما العشب، أدار الحصّاد آلته الحديدية، التي تُصدر صوتًا كأنينٍ طويل، ثم دخل بها إلى الأرض، جزّها، سوّاها، دكّها، وتركها صامتة كالموتى.
يؤمن “الحصاد” أن الأعشاب إن تُركت تكبر، فستمدّ جذورها تحت الأسوار، وربما تتسلق الجدار وتصل إليه. لذا، كلما شعر بأن الأوراق نبتت قليلًا، أو أن زهرةً صغيرة أطلّت برأسها، عاد بجزارته الحديدية، ليعيدها إلى الصفر.
لكن بعد كل مرة، وبعد أن يرحل، ترتجّ الأرض قليلًا، ثم ينمو شيء. أولًا، عشبة وحيدة، تخرج من شقّ بين حجرتين. ثم ثانية. ثم ثالثة. ثم فجأة يعود السهل إلى اخضراره، كأن شيئًا لم يكن.
ما لم يفهمه الحصّاد، هو أن هذه الأعشاب ليست كباقي الأعشاب. كلما جزّها، نمت من جديد. كلما سواها بالأرض، خرجت من تحت التراب بأوراق أكثر، وتفتّحت بين حبات الرمال بذور لم يكن يراها من قبل. تمتد الجذورّ، لا إلى الأعلى فقط، بل إلى الأعماق.
في إحدى المرات، وبعد جولة جزٍّ طويلة، عاد الحصاد مرهقًا، ووقف على التلّ يتأمل الأرض. ظنّ أنه انتصر هذه المرة،وأن شفراته اقتلعت الروح من التراب. لكنه لمح شيئًا غريبًا عشبة واحدة، صغيرة، كانت قد نبتت في صدعٍ ضيقٍ بين صخرتين. لم يلاحظها من قبل. انحنى ليلتقطها، فإذا بها تلتفّ حول إصبعه وتوخزه بوخزةٍ حادّة. تراجع مذهولًا.
ظهرت عشبتان. ثم ثلاث. ثم عاد السهل كله، كما لو أن الجزّ لم يحدث. ذات مساء، تساءل الحصّاد بصوتٍ مرتجف:
<span;><span;>- كيف تُجزّ هذه الأرض ولا تموت؟
لكن الأرض لم تُجِب.
كان في السهل فتى صغير يدعى “نور”. لم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة، له عينان فيهما دهشة اليافع وشجاعة الشاب الفتي ونضج وثبات الرجل العجوز. يحب أن يزرع بيديه، يتحدث إلى الأعشاب، يسمّي كل عشبة باسم.
قال له جده مرة إن في السهل عشبة أم، لا تموت، وأنها تحفظ سرّ البقاء في جذرها. لم يعرف “نور” أين هي، لكنه يشعر بها، كأنها تتنفس من تحت التراب.
عاد الحصّاد مرة أخرى، غاضبًا أكثر من المعتاد. دخل بجزارته إلى السهل، وأعمل شفراته، وأصدر صوتًا يشبه النحيب. تطاير العشب، وسقط “نور” مغشيًا عليه من دخان الحديد. وعندما انتهى كل شيء، وقف الحصّاد يتأمل الأرض، وقال وهو يبصق على التراب:
– “الآن لن تنمو بعد اليوم”.
بين الأعشاب، ينظر “نور” إلى السماء، ثم إلى يده، حيث كان يحمل بذرة. قال لهم بصوتٍ خافت:
<span;><span;>- لن يجزّونا هذه المرة.
ثم غرس البذرة. ساد صمتٌ طويل. لكن تحت الأرض، كان شيء ما يتحرّك.
لكن الأرض لم تجب.
بعد أيام، زحف “نور” من تحت الصخرة، يعرج بقدميه، ويداه مجرّحتان. حمل حفنة تراب، وبذرة، ودلوًا صغيرًا فيه قطرات ماء. اقترب من بقعة رمادية في منتصف السهل، كانت أكثر الأماكن خرابًا. جلس، حفر حفرة صغيرة بإصبعه، غرس البذرة، سقاها. ثم جلس ينتظر.
مرّت ساعات، ثم أيام. لم ينبت شيء. عاد الحصّاد، يضحك ضحكة معدنية، وقال:
– “أرأيت؟ لا أحد ينجو من الجزّ”.
لكن في الليلة التي تلتها، خرج شيء. لم يكن نبتة عادية. بل خيطًا أخضر، متلألئًا كالشهاب. ارتفع من التراب، وانحنى للريح، ثم ازداد طولًا. في داخله، لونٌ أحمر داكن، ومن قلبه خرجت زهرة صغيرة، كأنها تفتح عينًا واحدة على العالم.
اقترب الحصّاد، حاول أن يجزّها، لكن الشفرة انكسرت. في اليوم التالي، نبتت عشرات مثلها. ولم يمضِ أسبوع، حتى استحال السهل كله إلى بحر من الأعشاب الجديدة، لم يعرفها الحصّاد من قبل. جلس على تلّته، ينظر في صمت. لم يعرف إن كان انتصر، أم خسر. كل ما عرفه أن العشب لا يموت. و أن الأرض لا تنسى.
وأن اليافع الذي غرس البذرة… لم يعد يُرى، لكن كل عشبٍ جديد يشبهه. وفي كل نسمة ريح تمر فوق السهل، يُسمع صوتٌ خافت يقول:
– “نحن العشب. نُجزّ… لننبت من جديد.” وظل الحصّاد هناك، ينتظر اللحظة القادمة. لكن هذه المرة… لم يكن متأكدًا إن كانت له اليد العليا بعد الآن.
***


