المجلة الثقافية الجزائرية

“الشيخ فرح ود تكتوك حلال المشبوك ” سرد يتأمل الوجود عبر رؤيا الدكتور عمر عبدالعزيز الحكائية

د.عبد المنعم همت

مدخل: في عالمٍ يمور بالتغيرات الاجتماعية والتحولات السياسية والثقافية، تبرز الرواية بوصفها فنًا مركزيًا لتشريح الواقع واستنطاق الذاكرة.

 تأتي رواية “الشيخ فرح ود تكتوك ، حلال المشبوك” للكاتب اليمني المقيم في دولة الامارات العربية المتحدة ، الشارقة د. عمر عبدالعزيز كعمل أدبي استثنائي يعيد إنتاج المشهد السوداني في تركيبته الروحية والاجتماعية والميتافيزيقية، عبر شخصية محورية هي الشيخ فرح، الذي يُقرأ كنص مفتوح على التأويل، ومجازٍ لوطن بكامله، يُكابد وجوده المتشظي بين الطين والظل، بين الجراد والإنشاد، بين الغيب والعقل.

الرواية، التي تندرج في سردها ضمن ما يمكن تسميته بـ”الرؤية الفلسفية الموشاة بالشعر”، تعتمد على بناء لغوي كثيف، ومجازات مرجعية عميقة، تستند إلى ميراث صوفي ومعرفي عتيق، فشخصية “فرح” تنمو في رحم الأسطورة والتأمل والتجربة الكونية، وتتجاوز الزمان والمكان لتنحت ذاتها في تضاعيف المفارقة بين ما هو واقعي ومفارق، مادي وروحي، طيني وسماوي.

لقد استلهم الكاتب شخصية “فرح ود تكتوك” من معينٍ ثقافي ثري، فحملها من خصوصية القرية السودانية إلى رحابة الإنسان الكوني، فـ”فرح” هو العارف، الفقيه، الشاعر، المتمرد، والمتصوف، الذي يرى ما لا يُرى، ويتكلم لغة الطير، ويقرأ في الظل أنفاس الشموس، في نص سردي يحتفي بالتعدد الدلالي والمراوحة بين العيان والتجريد.

إن هذه القراءة النقدية تسعى إلى مقاربة الرواية عبر عدة محاور، تحلل من خلالها مفاصل النص وجمالياته، بدءاً من تشكيل الشخصية الأسطورية، مرورًا بـجماليات اللغة والتناص الصوفي، ودلالة المكان والزمن، وانتهاءً بـالبعد الرمزي للفكر والوجود. وسنعتمد في كل محور على تحليل النصوص، مع الاستشهاد بمقاطع مختارة من الرواية، تسند الرؤية النقدية وتضيء مناطقها العميقة، لتقديم قراءة تليق بثراء العمل وسعة تأويله.

المحور الأول: فرح ود تكتوك بين الولادة الأسطورية وتكوين الذات الفلسفية

منذ الصفحات الأولى في الرواية، يرسم السرد ملامح شخصية “فرح” في ولادة لا تخضع لمقاييس الطبيعة البيولوجية، بل تتخلق في رحم الأسطورة. هذا التأسيس الأسطوري ليس ترفًا سرديًا، بل هو فعل دلالي مقصود، يمنح الشخصية منذ البدء انزياحًا عن المحيط، وموقعًا متعالياً على السياق الواقعي.

يُولد “فرح” بلا صرخة، لا يصرخ كما يفعل المواليد الجدد، لا يبكي، لا يرضع كما ينبغي، ولا ينام ساعات طويلة. كأنما حضوره هو حضور ماضٍ عارف، لا مستقبلٍ جاهل. يقول الراوي واصفًا المشهد:

 “لم يطلق صرخة

الرفض الأزلية لعالمه الجديد كعادة المواليد الجدد… لم يكن يرتَهِن لعتبة العمى الطفولي أربعين يومًا… بل كان يتحسّس حلمة أمه بيدين غير راجفتين، ويستقي الحياة من ضرعها فوق طاقته الخاصة، معتمدًا على إيحاءٍ يراه من ورائي غير مألوف.”

هذه الولادة المغايرة ليست سوى أول الخيط في نسيجٍ يتقاطع فيه الواقعي بالميتافيزيقي. ففرح ليس شخصية تُبنى تدريجياً بفعل الأحداث، بل يتخلق من طيفٍ من الرموز والتمثيلات، تبدأ منذ اللحظة الأولى بإحالته إلى كائن «مفارق»، يتكلم لاحقًا عن الموت والحياة، ويصاحب العقارب، ويعاشر الطيور، ويتعامل مع الليل والنهار لا كدورات زمنية، بل ككائنات تتناوب فيه وعليه.

يتجلى البعد الفلسفي لشخصية “فرح” في انحرافه المبكر عن مألوف الحياة، فلا يلعب كما الأطفال، بل ينقب في التراب، يبحث عن “الحشرة الفريدة التي لا تشبهها أخرى”، وهي إشارة رمزية للبحث عن جوهر الوجود المتفرد، عن المعنى الذي لا يتكرر. يقول فرح لأمه:

 “كنت أبحث عن الحشرة الفريدة التي لا تشبهها أخرى… تيقنت أن كل حشرة فريدةٌ في ذاتها.”

هذا البحث الطفولي في الظاهر، هو بحث وجودي عميق في الباطن، يتجاوز الكائنات إلى السؤال الوجودي نفسه: هل في العالم تكرار؟ هل في الخلق اجترار؟ أم أن كل شيء، وإن تشابه ظاهريًا، يحمل بصمته الخاصة، ومعناه المتفرد؟

ثم يمضي النص إلى تشكيل فرح كذاتٍ تتأسس خارج المنظومة الحسية المعهودة، فهو طفل “يتأمل”، “يصمت كثيرًا”، “يبكي في عزلته السرمدية”، “يهيم في ملكوت البهاء”، و”يتأسى بالحزن”. لقد نُسجت شخصيته من نسيج صوفي – فلسفي، تمارس الحضور الغامض، والغياب المضيء، وتتعامل مع الوجود بوصفه طيفًا من التجلي.

يتعزز هذا المنحى في حادثة “مشيته العقربية”، حين يمشي على يديه، متحديًا قوانين الطبيعة والحركة، ويصير فرجةً للناس ومصدر رعب لأمه، حتى يصفه أبوه بـ”عقرب البيت”. تلك المشية، برمزيتها، تحيل إلى الكائن الذي لا يسير في خط الزمن العادي، بل يعكس المسار، يخترق الأفق، ويعيد تشكيل العلاقة بين الظل والجسد.

لا يكتفي فرح بالمشية العجيبة، بل يُدخل العقرب كجزء من حياته، يرافقه، يسير معه، يتماهى معه، حتى يكاد يُلدغ منه، ويضطر إلى “استئصال الجلد ومعه العقرب المتماهي”. إنها استعارة كثيفة عن العلاقة بالآخر المؤذي – المرافق – الحميم، عن الذات التي تتألم لتنجو، وتنتزع سمًّا لتبقى.

وهكذا يُبنى “فرح” بوصفه ذاتًا تولد من الأسطورة، وتتشكل في أحشاء التأمل، وتشق وجودها من خلال الرمز والعزلة والظاهرة الفريدة. هو شخصية تسير في خط أفقي من الأرض، لكنها تشخص ببصيرتها إلى علُو رمزي، يجعل منها تجسيدًا للمثقف الصوفي، الحكيم الشعبي، الفيلسوف القروي، الذي يرى في العقرب، والطير، والظل، والزمن، مفاتيح لفهم أعمق للحياة.

المحور الثاني: جماليات اللغة وتداخل المرجعيات – التناص الصوفي والفلسفي في السرد

تمتاز الرواية بلغةٍ مخصوصة ذات حمولة رمزية عالية، تجمع بين البلاغة الشعرية والتجريد الفلسفي، وتؤسس لعالم سردي يضج بالإحالات الصوفية والرؤى الفكرية المتداخلة. ينجح د. عمر عبدالعزيز في بناء معمار لغوي ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”السرد العارف”، حيث لا تقف الكلمة عند ظاهر معناها، بل تتجاوز إلى مقام الرمز والدلالة، وتفتح نوافذ على التصوف والوجود والمعرفة.

تقوم هذه الجمالية اللغوية على ما يمكن تسميته بـ”التراكم التناصي”، إذ تتداخل الأصوات والمفاهيم بين مأخوذ من تراث المتصوفة المسلمين – كالنفَّري، والبسطامي، وابن حزم – وبين مشاغل فلسفية معاصرة تتصل بالزمان والمكان والذات والآخر. إن القارئ الملمّ بهذه المرجعيات سيجد نفسه أمام نصٍّ لا يُقرأ قراءة خطية، بل يُستعاد عبر تعدد مستوياته.

يصرح السرد في مواضع عدة بتلك الإحالات، كما في قول فرح:

 “قال: أي علمٍ هذا الذي به تحاجّوننا؟ لقد أتيتم به رسماً عن رسم، وميتاً عن ميت… أما نحن فنأتي به من الحي الذي لا يموت!”

هذه العبارة، المستلهمة بوضوح من البسطامي، ليست مجرد تكرار لغوي، بل تُعيد تدوير المعنى الصوفي داخل السياق السردي، لتمنح الشخصية صوتًا ميتافيزيقيًا، يخالف العرف المدرسي للمعرفة، ويعلن عن نوع من “المعرفة الذوقية”، الخارقة للتقليد، والمتجاوزة للبرهان.

ويمضي السرد في تعميق هذا التناص، حين يُدخل ابن حزم في معادلة الظل والألوان:

 “كما ذهب ابن حزم الأندلسي في دفتره الهام (رسالة الألوان)… لم يعتبر الأسود لوناً، بل قال إنه رديف للظُلمة، وإنه المعادل لكل ظهور لوني آخر.”

إن استدعاء ابن حزم هنا ليس تأريخًا لفكر الألوان فحسب، بل تأسيس لمنظور وجودي يربط بين الإدراك الحسي والمعنى الباطني، وهو ذات ما كان “فرح” يفعله في لعبة الظل، وفي رصده لحركة الضوء، وفي ربطه بين اللون والمعنى، كما حين يقول:

“قوة الشفق في المغيب، تنجلي بكامل رونقها الصاعق عندما تكون عناصر الصورة غارقةً في الظلام الدامس.”

هذا التصعيد اللغوي، الذي يتأرجح بين المعاينة البصرية والتأويل الفلسفي، يُظهر براعة السرد في تحويل اللغة إلى وسيط تأملي، وإلى أداة لمساءلة الوجود. فالرواية لا تحكي فحسب، بل “تنطق” وتُنطِق الأشياء – من العقرب إلى المرآة، ومن الظل إلى الجراد – وتجعلها تمارس دور الكاشف للباطن.

وإذا كان السرد قد استند إلى التناص مع النفَّري وابن حزم، فهو لا يغفل الإيحاء بأفكار فلسفية حديثة، كما في استدعاء النسبية الزمانية والمكانية بطريقة تُحيل – ولو دون تصريح مباشر – إلى تفكيك نيوتني كلاسيكي، واستدعاء لحساسيات أينشتاينية:

 “كان ‘فرح’ يرى ثنائية النور والضياء بوصفهما وجهي عملة واحدة، فضياء الشمس ترميز شامل للحياة… فيما نور القمر إيماءٌ للرحمة.”

هذا المقطع يُظهر كيف يتحول التجريد الفيزيائي إلى استعارة وجودية، وكيف تُحمل عناصر الطبيعة بدلالات عاطفية وروحية، وهو ما يفعله المتصوفة دائمًا في قراءة العالم لا باعتباره مجرد موجودات، بل باعتباره إشارات.

كما أن استحضار مرآة “فرح” يضع القارئ أمام تمثيل وجودي عميق، فهي ليست فقط سطحًا يعكس الشكل، بل وسيلة للولوج إلى “ما وراء المرئي”، إلى الماهية الغائبة. يقول الراوي على لسان الشيخ:

“هل كان بوسع المرآة أن تعكس صورتك إن لم تكن هيئتك الأثيرية سابحة في الفضاء؟ وهل تعلم أن طيفك لا يعكس شكلك فقط، بل رائحتك وحرارتك النوعية؟”

الدكتور عمر عبدالعزيز

بهذه اللغة المشبعة بالبصيرة والتجاوز، تتحول الرواية إلى “كتاب حكمة” بلبوس أدبي، وإلى نص يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان واللغة، بين اللغة والمعرفة، وبين المعرفة والوجود.

إن حلال المشبوك ليست رواية أحداث، بل رواية “أفكار مجازية”، تنحت مسارها الجمالي من قلب التداخل بين لغة التصوف وفلسفة الظواهر، وبين توترات الوجود ودهشة الإدراك. وهي في ذلك، تكتب نفسها بلغتين في آن: لغة الحواس، ولغة السر.

المحور الثالث: الزمن والمكان في الرواية – من الحضور الفيزيائي إلى الامتداد الرمزي

في رواية الشيخ فرح ود تكتوك حلال المشبوك: فرح لا يُقدّم الزمان ولا المكان كإطارين ثابتين لاحتواء الحدث السردي، بل ككائنين فاعلين، ينبضان بالحياة، ويتحركان داخل النسيج النصي كجزء من بناء الوعي الفلسفي والروحي للرواية. فالزمن ليس مجرد تعاقب لحظي، ولا المكان مجرد حيّز جغرافي، بل كلاهما يتحولان إلى مفاهيم تتقاطع فيها الفيزياء بالميتافيزيقا، والعين بالبصيرة.

لقد ذهب السرد بعيدًا في تحويل الزمن من خط مستقيم إلى “مسار دائري”، ومن كمٍّ فيزيائي إلى “زمن شعوري ووجودي”، حيث الحضور والغياب لا يتحددان عبر الساعة، لكن عبر التجربة. يصرّح النص بهذا المعنى بوضوح عندما يطرح رؤيته عن تأرجح الزمن:

 “فالليل والنهار ليسا في تناوب رياضي جبري فقط… بل الليل ينسلخ من النهار، والنهار ينسلخ من الليل، ضمن تدرج لطيف يمنح النهار بعضًا من صفات الليل، والليل بعضًا من صفات النهار.”

بهذا التوصيف، نكون أمام وعي زمني مشبع بروح التأمل الصوفي، حيث لا شيء ينتهي أو يبدأ، بل كل شيء يتحول في رحم التجاور. إنها فلسفة “الانسلاخ”، لا القطيعة، حيث الزمن يُقاس بدرجة الانصهار بين النور والعتمة، وبين النوم والصحو، وبين الحياة والموت.

أما المكان، فقد تحوّل في الرواية إلى “فضاء روحي” أكثر منه جغرافيا. فنحن لا نتحرك داخل قرية أو وادٍ أو صحراء، نجد انفسنا نتحرك داخل مرايا، وسراديب، وحدائق رمزية. يظهر هذا المعنى بجلاء في تأملات “فرح” حول مستويات المكان، كما جاء في السرد:

 “المكان الأول مقرون بالذاكرة، والمكان الثاني بالحضور البيولوجي، والمكان الثالث بالخيال المُتخيل، وهو مستقبل يتشكل من تراكب الماضي والحاضر معًا.”

هكذا تتعدد مستويات التلقي المكاني بين التذكر والعيش والتوقع، ويتحول المكان إلى “زمن مؤجل”، يحمل أثر ما كان، ويستبطن ما سيكون. إننا إزاء سرد يرسم خارطة الروح، ولا يقيس المسافة بالأمتار بل بالحنين والرؤى والحدوس.

وتتجلى عبقرية هذا البناء الزمكاني في علاقة “فرح” بالمرآة، حين يحاور الراوي أحد المتشككين في طروحاته فيعرض عليه المرآة قائلاً:

 “هل كانت المرآة لتُظهر صورتك إن لم تكن هيئتك الأثيرية قد سبحت في الفضاء؟ وهل تعلم أن طيفك يسري في المكان وإن لم تراه العدسات؟”

في هذه اللحظة، لا تعود المرآة أداة بصرية، يمكن القول انها تتحول إلى رمز للزمن “المنكسر في الذات”، حيث يظهر المرء لذاته مؤجلاً ومكسورًا عن إمكاناته الكامنة، مثل الزمن الذي نعيشه دون أن نراه، أو المكان الذي نحياه دون أن نعي حدوده الحقيقية.

وتبلغ الفلسفة الزمكانية ذروتها في المشهد الذي يحضر فيه “الشيخ فرح” وقد غاب طويلًا، ثم عاد يتقدمه “سرب من الجراد يغطي وجه الشمس”، في إسقاط رمزي لحضور الزمن الكارثي، الزمن الذي لا يُقاس بالدقائق بل بوطأته:

“إنه الجراد يا قوم.. قادم ليأكل الأخضر واليابس!”

ويعقب هذا الظهور الكارثي بُعد آخر للحضور، حين تنقلب الكارثة إلى بداية التجدد، إذ يقول السرد بعد انحسار الجراد:

 “كان على الشيخ أن يمد يده لملامسة أهداب النباتات الميتة… فإذا بالمعجزة الأرضية تنبثق من دياجير الظلام.”

المحور الرابع: الرموز الكونية والطبيعية – من العقرب إلى الطير: قراءة في فلسفة الحيوان والرؤيا

تؤسس الرواية لعالم رمزي واسع تتقاطع فيه الكائنات غير البشرية مع الوعي الإنساني، في انفتاح على فلسفة الحيوان بوصفه مرآةً للوجود ورمزًا للمعرفة الكونية. فالحيوان يتصدر المشهد بوصفه كائنًا رمزيًا، حاملًا لأفكار عميقة ترتبط بالحياة والموت، بالفطرة والتأمل، بالخطر والنجاة، بل وبتعريف الإنسان ذاته في علاقته بالعالم من حوله.

يبدأ هذا التأسيس الرمزي من العقرب، الذي يشكل أول علاقة حيوية لفرح مع كائن خارج ذاته. العقرب هو قرين ومرآة ومعلّم. يصفه الراوي بدقة حين يقول:

“كان الفتى يستأنس بمراقبة العقارب السامة… يرافقه عقرب داكن السواد في جولاته اليومية، يسير خلف ظله، ويرتمي على قدمه إذا توقّف.”

هذه الصورة تضع العقرب في موضعين متناقضين ومتلازمين: رفيق الظل، وسُمّ الخطر. وإذا توقف فرح – أي إذا تعطّلت حركته الوجودية – ينقلب العقرب عليه. العقرب هنا ليس سوى رمزية دقيقة للفكر نفسه، أو للحدس، أو للمصير: يرافقك، يحرسك، ولكنك إذا توقفت عن السير، عن التفكير، عن الحفر في العالم، قد ينقلب ضدك ويغرس سمه فيك.

غير أن ما يدهش القارئ هو أن فرح لا يرفض العقرب، لكن يستأصل الجلد الذي انغرس فيه العقرب المتماهي. إنه فعل وجودي كبير: فبدل أن يقتل الكائن، يخلع أثره من جسده. هذا النوع من العلاقة مع الكائنات يتكرر لاحقًا في رؤيته للضواري، حين يُقدّم نظرية متكاملة في “أخلاق الحيوانات”:

 “الأسود والنمور والفهود ضواري نبيلة، لا تفترس إلا عند الجوع، وتختار أضعف فرائسها، فتمنحها نعمة الموت بالتماهي مع جسد آخر. أما الضباع والخنازير فهي قذرة، آكلة للجيف، مفترسة دون نبل.”

هذه الرؤية الأخلاقية القائمة على التمييز بين النبيل والخسيس تبدو إسقاطاً واضحاً على العلاقات الإنسانية، على السياسة، على التاريخ، على السلوك الاجتماعي. فالحيوان هنا يصبح مجازًا مكثفًا للكائن البشري، ومعيارًا لفرز الخير من الشر، النقاء من الدنس.

ويمضي فرح في تقديم مقترحات للبقاء في عالمٍ مفترس، فيقول:

 “عليك أن تواجه الأناكوندا لا أن تهرب منها، فإن تصديت لها انطفأت، وإن هربت منها ابتلعتك. واعلم أن ضعفها في فمها لا في جسدها!”

كم تبدو هذه العبارة أبعد من مجرد نجاة من ثعبان! إنها فلسفة شجاعة الوعي، وفهم نقاط ضعف الخصم، بل هي إسقاط وجودي على مواجهة المصير ذاته. هذه الرؤية – في جوهرها – امتداد لما يطرحه التصوف من أن النجاة في التسليم، وأن القوة لا تقهر إلا بالمعرفة.

وتتحول الحيوانات لاحقًا إلى معلمين للغة، حين يبدأ فرح في الحديث مع الطيور:

 “كان دربه السالك يبدأ بالنوم في المروج، والتحاف السماء… وكان يتحدث مع الطير، ويترجم خوارزميات أصواتها كما فعل سليمان الحكيم.”

إن دخول “فرح” في ميثولوجيا لغة الطير يُحيله إلى مقام الحكيم العارف، وهو مقام رمزي صوفي عميق، حيث التواصل قائم على موجات كونية أثيرية، يتم التقاطها بالحس المرهف، لا بالمنطق وحده.

وفي ذروة هذا التداخل بين الحيوان والرؤيا، يظهر “الجراد” بوصفه كائن الكارثة والتجلي معًا. إنه الغزو الذي يحجب الشمس، ويأكل الأخضر واليابس، لكنه أيضًا الكاشف عن معنى الانبعاث، إذ بعد انسحابه تنبت الزهور وتعود الحياة. يقول السرد:

 “كان على الشيخ أن يلمس أهداب النباتات الميتة… فإذا بالمعجزة الأرضية تنبثق من دياجير الظلام.”

تلك العلاقة الدراماتيكية بين الفناء والخلق، بين الجراد والمطر، بين الجفاف والزهرة، تؤكد رؤية الرواية للطبيعة بوصفها نصًا مفتوحًا على المعنى، لا يمكن فهمه دون إشراك الحيوان فيه كرمز، لا كمخلوق بسيط.

المحور الخامس: الهوية السودانية في خطاب الرواية – بين التقديس الرمزي والقراءة النقدية

لا يمكن قراءة رواية الشيخ فرح ود تكتوك ، حلال المشبوك بمعزل عن سياقها الثقافي والجغرافي، إذ تشكّل الرواية في جوهرها مرآةً عاكسة لتفاصيل الهوية السودانية من خلال بنية رمزية مشبعة بالتأمل والحب والانتماء، وأحيانًا بالنقد الخفي للثقافة والواقع والسلطة.

فمنذ اللحظات الأولى، يسود السرد مناخ سوداني محض، في اللغة، وفي الإيقاع، وفي مفردات اليومي والروحي. تختلط ألفاظ مثل “الضُل”، و”التمسّح بالشيخ”، و”الجراد”، و”الشاي بالنعناع”، و”الخلوة”، و”الود”، و”الحيران”، في شبكة لغوية تؤسس لمزاج سردي لا يُخطئه القارئ. غير أن هذا المزاج لا يُقدَّم بوصفه ماضويةً جامدة، بل يتخلل النص بوصفه حقلًا دلاليًا مفتوحًا على الصراع، وعلى الحنين، وعلى فقدان المعنى أيضًا.

إن شخصية فرح – كرمز مركزي – هي اختزال مكثف لذاكرة السودان، لا كشخصية فردية فقط، بل ككائن جمعي. يقول السرد في موضع كثيف الدلالة:

 “في فرح تَجسّد إرث القرية… معجونًا بالفطرة، والحكمة، والنبوءة، والزلل. كان كأنما هو السودان المصغّر: جموح، حكيم، مُباغت، مُتصوف، ومُبهم.”

هذا الاقتباس يُظهر كيف تتحوّل الشخصية إلى “وطن رمزي”، حيث تُسند إليها تناقضات الواقع، وفضائل الناس، وخطاياهم أيضًا. ومن هنا، تتشكّل الهوية السودانية كنسيج من التوترات الداخلية، التي تُحتفى مرة وتُعرّى مرة أخرى.

ويُسهم في هذا التكوين حضور الرموز المحلية، كـ”الخلوة”، التي لا تُقدّم فقط كمؤسسة تربوية، بل كحقل روحي، و”الساقية” كرمز للزمن الدائري، و”النفير” كتجسيد للتكافل السوداني العميق، و”الظل” كمجاز دائم عن الراحة والمشاركة والحنين كعناصر جوهرية في بناء الروح السودانية.

وفي مواضع عديدة، ينتقل الكاتب من هذا الاحتفاء إلى نقد ضمني للثقافة السائدة، خصوصًا حين تتداخل السلطة بالتصوف، أو حين يُهيمن الطقس على المعنى. نقرأ على لسان فرح، في لحظة شفافة:

 “لم تعد الراية تعني شيئًا، إذا لم تحمل معها صدق التوحيد وحرارة المحبة. كثيرون يرفعون الرايات، لكن القلوب خاوية، والحناجر مأجورة.”

بهذا النفَس النقدي الهادئ، يُشير الكاتب إلى ما يمكن اعتباره انزياحًا عن الصفاء الروحي، وتحول بعض الطقوس إلى وسائل سلطة واستغلال. وهنا يكمن ذكاء الرواية: فهي لا تهاجم الهُوية، بل تُنقيها من الشوائب عبر الكشف والمساءلة.

ويبدو واضحًا أن الرواية تستبطن مشروعًا لإعادة تعريف الهوية السودانية على أسس من الوعي الذاتي، ومن التصالح مع التعدد والاختلاف، والتجاوز عن الهويات القاتلة. ففي لحظة من لحظات فرح التأملية، يقول:

 “ما من عرقٍ طاهر، ولا من دمٍ أنقى من الآخر… نحن من نلوث الدم بالوهم، ونوزّع النقاء بمزاجنا المتعالي.”

هذه العبارة، المجرّدة والمكثّفة، تنسف فكرة “الهوية الصافية”، وتُعلن أن السودان – ككيان رمزي في الرواية – ليس جوهرًا مغلقًا، بل فضاءً هجينًا، غنيًا باختلافاته، مهددًا حين ينكرها، ومتجددًا حين يصالحها.

ويستكمل النص هذا الخط التحليلي حين يربط الجغرافيا بالهوية، فالسودان في الرواية “نسيج رمزي من الأنهار والحقول والظل والموتى والبوادي”، أي أنه وطن مُتخيَّل، يحمل الذاكرة، أكثر مما يحمل الحدود. هذا واضح حين يقول الراوي:

 “السودان في قلب فرح لم يكن الخارطة، بل الوجوه التي غادرت، والأصوات التي بقيت، والقصص التي لم تُحكَ بعد.”

وبهذا المعنى، تتحرر الرواية من الجغرافيا المباشرة، لتؤسس لهوية سردية مفتوحة، تحاكي السودان الحقيقي – لا الرسمي – بكل ما فيه من دفء وفوضى وجمال وخسارات.

إن” حلال المشبوك” تُقدّم خطابًا حول الهوية السودانية لا يتعامل معها بتمجيد او تشويه ، نجده ينحت صورة معقدة وجميلة لكائنٍ – هو الإنسان السوداني – متورط في مصيره، مغموس في رموزه، محتار في حريته، لكنه يحيا، ويحب، ويبحث.

الخاتمة

تشكل رواية الشيخ فرح ود تكتوك ، حلاا المشبود عملاً أدبيًا استثنائيًا يُمازج بين السرد الفلسفي واللغة الشعرية، في بناء نصٍّ يتجاوز الحدث إلى التأمل، ويتخطى الواقعة إلى المعنى. ففي “فرح” تتجسد الذات المفارقة، التي تمشي على تخوم الأسطورة، وتعيد رسم العالم بكائناته، وأزمنته، وأمكنته، ورموزه.

 تُقرأ الرواية كحكاية من السودان بالاضافة الى امكانية قرائتها كنص مفتوح على الوجود، يُعيد تعريف الإنسان في علاقته بالطبيعة، بالزمن، بالهوية، وبذاته الجوانية. وبهذا، يكون النص قد أنجز ما لا ينجزه إلا الأدب الكبير: أن يُضيء الظل، ويجعل من “حلال المشبوك” مفتاحًا للفهم، لا لعقدة.