المجلة الثقافية الجزائرية

قريبا من السماء الأولى

– نصوص استذكارية-

  حامد عبدالصمد البصري

    – نصوص تستذكر سعدي يوسف – سعدي يوسف مع حامد عبدالصمد البصري

 

     * ـ مدخل

    مرة قلتَ لي ـ : ما يزال الشعر عصيّا عليّ.. وكنت ناشفاً إلا من البكاء.. والظلّ والبراءة .

قلتُ لك :ليس ســــوى القلق.. فضحــــــكتَ.. وانفتح القلبُ.. امطرتَ صمتاً :

والقرويّ على كفّه الذكرياتْ

وعلى قلبه..

ألف كوخ من الكلماتْ

آهِ معذرة ..هذه بعض أوراقك المنتقاة

في بساتين روحي .. سأتركها

ها ..هنا تتحدّث للآخرين.. !

       إنها أوراق محبة.. وذكرى.. وشاهد صدق.. فعلى الرغم من انني.. بين مد وجزر.. وأيامي مبعثرة لكن عيوني لم تفقد سلوتها وأضواءها، وتجد عذوبة في البحث عنك في كلّ الأمكنة التي أحبها، وتحبها يا سعدي، وستسعفني الأمكنة بكــل أخبارك، وتلملم أيامــي، وأيامك ، لتكون باقة تفـــوح برائحة الأمس.. معذرة مرة اخرى.. فهذه الأوراق محاولة لتحضير الأيام المنسية بنبض من حنين :

 جلستُ في ظل جدارْ

 سكبتُ بعض الماء في وجهي

خوفاً من الشمس التي تعدّت الدفء إلى حريقْ

ثمّ أتتني الريح بالرطوبة

تذيب مأساتي..

فكنتُ في انتعاش

باغتني الحنين

لطيبة الترابْ

طاردني الحنين

  ……….

حتى مددتُ فجأة يدي

للأرض.. والنقاوة

فاخضوضرتْ أصابعي ….!

     فتحت قلبي ، وكتبت لم اخطط للكتابة وهكذا جاءت هذه النسمات للتآلف، والمحبة الطريّة تشم فيها رائحــة التنور.. واللبن المخضوض والرطب القنطار. .والماء في باب سليمان ..!

رضعتُ من ذاكرتي

 رسمتُ قامتي

 مشيتُ

ملفلفاً براية الإنسان

 نافذة الروح

_____________

كان الليل ببدلته السوداء ، يبدو هادئاً

وكان سعدي يوسف أكثر هدوء ، أشعل لفافته

واخذ نفساً عميقاً

ثم نظر إلي .. وعلى وجهه تلوح قصائد مرئية :-

ـإنني أحبو على خيط انتَ تعرفهُ

نظرتُ إليه مبتسماً

قال لي : ـ

هذه هي الحقيقة ، أشعة الشمسِ تبقى ساطعة

قبّلته .. ومضى ، يسير على الخيط …!

أعطيتُه مجموعتي الأولى-” أوراق الربيع ” –

اعتدل في جلسته وقال :

هذه خطوة في طريق طويلْ

اقوَ على التأمل ،

وإذا ضعفتَ، فاضعفْ عن الكتابة

ما ضلّ ذو أمل .. أو متأمل ..

لا تمّرغ ذكرياتك في التراب

يراك الناس، في هذه الأوراق

يراك الناس قبل الموت .. بعد الموت

فالأفقُ واسعٌ ..والطريقُ طويل

وهذه الخطوة ، طمأنينة البقاء

لا تقلْ كيف السبيلْ .. ؟

     *******

حين مضيتَ عنّي

هزّ قلبي صداك

لو أراك ، فقد طوّقتني الليالي

وقالتْ خطاك ارتحالٌ

هنا .. أو هناكْ

يا صديق الطيور الجميلة

يا بعيدا عن سمائه الاولى

استنامتْ عواصف اليأس

واطلّ الصباح

ينتزع الأشواك، من دروبنا

فاسمحْ لي. ايّها الأخضر ، أنْ أقدّم لك بطاقة دعوة

كي تستريح على جذع نخلة من نخيل أبي الخصيب

فقد تمـ..دّ ..د الصمت بيننا كثيراً ..

وكثيراً .. وكفى.. كفى..

يا أيها النجـم …

لم يبقَ رماد…!

في فـضـــاء الـحيــــاة

مشهد كانون الأول 1973 قبل أن أصل إليه .احسستُ بدفء الشمس . يتغلغل في كياني . وظلال القرى النائيات تتألق .. وكلمات الفلاحين . تتهادى.. مثل قطرات الندى امتدّتْ خطواتي كانتْ أقدامي ، تحرق المسافة الطويلة بعد نصف ساعة رأيتُه بقامته .وهو يضع المفتاح ويحاولُ إغلاق باب غرفته فقد كان يهم بالمغادرة …. – أستاذ سعدي التفتَ ، منتبهاً إلى صوتي – أنت أيها البصريّ ..اهلا …وسهلا فتح باب غرفته .في الطابق الرابع جلسنا معاً …. بعد أن تعانقنا أسرع بإحضار القهوة .وهو يقول :- -أنت لا تشرب غير القهوة … أنا اعرف ذلك – شكرا لك يا أبا حيدر – ما أخبار البصرة…؟ قلت له بصوت منخفض – تفكّر فيك ابتسم وقال: كلّما اسمع بالبصرة ، صدقني يا حامد: تطوقني الذكريات أأنسى البصرة…؟

وما أخبارك أنت يا حامد إنني اقرأ شيئاً من الحزن في عينيك… – لقد سافرت الأحلام . فكانت هذه المجموعة .

وقدمت له مجموعتي الشعرية الثانية “عندما تسافر الأحلام ”

– أسافرتْ أحلامك …؟ وأنت في بداية الطريق ….؟

– إذا قرأتَ المجموعة .ستعرف سذاجتي …

– شكرا أيها العزيز .اطبعتها على حسابك الخاص ؟ – نعم طبعتها في مطبعة حداد .وهذه المطبعة للأديب يوسف حداد .

– انه رجل طيب . وقاص معروف – بالتأكيد وهو يترجم بعض القصص… على أية حال .

أرجوك . ابعث لي بعض النسخ لأبيعها إلى (دار الكتب والوثائق) المكتبة الوطنية – شكرا لك يا أستاذ .. ولكن كم نسخة ..؟ – سأتصل بهم ( أدار قرص الهاتف )

– صباح الخير -…………..

– صديق عزيز عليَّ أصدر مجموعة شعرية .

وأنا اعرف أنكم تقتنون أو تشترون بعض النسخ اليس كذلك …؟ – ……………….. – لا…. الرجاء شراء خمسين نسخة . -…………….. وضع السماعة . وقال :- – أسمعتَ يا رجل..؟ – سمعتُ وأشكرك جدا – أرسل لي خمسين نسخة . وأنا سأبعث لك ثمنها – سأرسلها إليك ثم تحدثنا عن الشعر ، وعن البصرة ،وأبي الخصيب، ثم ودعته بحرارة وغادرت غرفته . بعد أيام عدتُ إلى البصرة ،وهيأتُ خمـــسين نسخة من مجموعتي وأرسلتها إليه . وبعد أسبوع واحد فقط . جاءني ساعي البريد برسالة فيها “يرجى حضــوركم إلى محافظة البصرة- حسابات (الخزينة) -لوجود مذكرة إذن صرف خاصة بكم وذهبت إلى الخزينة . ودفع لي أميـن الصندوق مبلغا قدره خمسة دنانير ..! مشهد 29-3-1977 كنّا معاً ، في متنزه الخورة ،والجو قد بدا رائعاً وجميلا، يشيع في القلوب الطمأنينة والارتياح ،

قال لي سعدي وهو ينظر إلى الأشجار – انظر إلى تلك الشجرة ،إنها تفترش العشب، وتغني بحثاً عن رضاب الضوء..! نظرتُ اليها.. انها وجه شفاف ، كعصير ورد الياسمين قلب يتفتح للحب ،وعلى ثغرها ابتسامة..! – ألم اقل إنها شجرة عذراء..؟ -ابتسمتُ بنقاء- وتعلقتْ نظراتي بها ثانية ،وبدأ قلبي يخفق بشدة.. حتى أحسستُ بأنَّ يدا حطّتْ على كتفي – حامد – نعم – لا تحلق بعيدا ..!

ثم واصلنا مشيتنا على أرصفة المتنزه ،ونحن نمسك بالجذور.. عبر تجاعيد الوقت ..! – ماذا تقول يا حامد..؟ – يا أستاذي أقول :- إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا ..إلى الله فقد الوالدين يتيم ضحك سعدي وقال :- كلنا أيتام ، وعليك أن تمتلك رؤية نافذة ،في أعماقك ، لتدعم وجودك الإنساني ،لتكـن لك صرخة حب ، صرخة أمل ، صرخة تساؤل ، في هذا الأفق الغارق بالعتمة، لتفتح أبواب العالم ..!

ثم مسحنا السماء بنظراتنا.. سرنا خطوات ، وبقينا.. بانتظار التي تأتي ولا تأتي..!

                                                                                                           مشهد- 30-3- 1977 انسحبنا بهدوء – أنا وسعدي – من قاعة المركز الثقافي لجامعة البصرة ، بعد أن استمعنا لبعض بحوث الجلسة الثالثة من ندوة- اللغة العربية وآدابها في الخليج العربي تراث حضارة وعنوان أصالة – وقفنا نتنفس هواء الحديقة ، فتحدث سعدي بهدوء.. عن الشعر في البصرة في فترة الخمسينات.. وتذكّر اصدقاءه ..

وقال لي: إنني الآن أشمّ بساتين أبي الخصيب، وأرى شمس القرى النائيات ، وفجأة أحسستُ بيد تهزني. – كنت ابحثُ عنك – نظرتُ اليه.. فاذا هو الدكتور حسن البياتي ، وقد حــطّ يده اليمنى على كتفي ، ويده الأخرى على كتف سعدي يوسف.. ثمّ قال : مرحبا بك أيها العزيز سعدي ، وأهلا بك أيها البصريّ حامد

 واستطرد قائلا :- يا أبا حيدر: ان هذا الرجل البصري حامد ،فيه الشيء الكثير منك ..خجله.. طيبته.. وفي شعره نحا. أو نسج على منوالك ، لكنه أكثر عاطفة منك ،فهو يذوب عاطفة ورقة ،ويسعدني أنني قد درّسته في الكلية ،وهــو احد طــلابي النجباء.. أتمنى له مستقبلا زاهراً . ابتسم سعدي وقال يا أبا جميلة: أنـا اعرف هذا البصري منذ نعومة أشعاره ، ونعومة أظفاره ،خصيبي لحـــدّ اللعنة والجنون ، فكيف لا يكون سعدياً، وقد أطـلق مشاعره تعبيراً عن رؤاه الشعرية، بلغة عذبة ..ضحكنا.. و.. عـدنا إلى القاعة ،وأنا اردّد قـــول اوسكار وايلد – الفـــــقراء الذين يتبادلون الحب.. هم أغنياء…!

مشهد الطفولة

احتلّ جدول الصمت حنجرة سعدي

حدّق في الأفق البعيد

لملمَ بعضه

وسار في طريق قريته حمدان

خطواته

تتهادى خطوة

خطوة…..خطوات

وشذا نظراته … تلوّن الدروب

غصّ في رئتيه الهواء

حين لمح طفلاّ

يقفز فوق ـ الطوفة ـ

اقترب منه قليلاً

ارتعش جسم الطفل ..

ثم هدأ .. وشعّ بالنور، وفاح بالقداح ،والأريج

بعد ان سمع صوت سعدي

ـ لا تخف يا ولدي ….

ما بك .. لماذا قفزتَ ؟

أأنتَ زرزور ..؟

ضحك الطفلُ وقال : ـ إنا نورس أريدُ أن أطير

ـ أريد أن انظر إلى البستان

لكي أرى الأشجار المثقلة بالإثمار

العنب .. التفاح .. الرمان

لأجني ما تصل إليه يدي .

نظر إليه سعدي بمروءة لا متناهية ، وقال له :ـ

اطلبْ من الناطور

انه صديق الأطفال .. والفقراء

يموع في محبتهم مثل الرطب القنطار

اطلبْ ………….

” من يسأ ل يعط َ… سوى الحب ”

ظلّ الطفل جالساً على الطوفة

تتألق في عينيه اللامعتين كبرياء الطفولة

            مشهد .. لقاء

    قبل قليل كنت قبالة شط العرب ، كان يبدو حزينا فقد نشر

ثيابه فوق الريح ، كي يستريح ،أو لتؤازره مسافات الأيام

المتراخية ليحقق متعة الحوار .. مع من ذهب من الأحبة

فتركته وحيداً، يتراجع إلى الوراء ،بعد أن وجدتُ الطريق

أمامي يحني هامته ..فمشيتُ ..ومشيتُ إلى باب الطويل

لعلّه يكون اقرب إلى الإنصاف فيردّد صدى الذكريات

ولذلك وقفتُ صاغياً ، وقد كان يبدو أكثر لطفاً من الأشجار

 الكثيفة المتلاصقة ، التي جعلت الأرض مليئة بالظلال ..

وبقيت انطلق عبر البساتين باحثا عن الاشراقات وأخيرا

استقرتْ قدماي في نقطة تفوح منها أشذاء السنوات.. التفتُ

إلي باب الطويل بوجه طافح بالارتياح والاعتزاز .

– قفْ قليلاً… ولا تغضب .

– أنا آسف .. ثم ابتسمتُ .

– خذْ هذه الصورة .

أخذتُ الصورة ، قّلبتها إنها صورة سعدي

أأنت تعرف كلّ الناس في (باب الطويل ) ..؟

– نعم ، وأحبهم كثيرا .

 وبعد ماذا تريد ؟

أتمنى أن أرى سعدي ي ، على هذه الأرض الطيبة ،

كما رأيته.. وأنا في الثانية عشرة من عمري .

 -أتريد رؤية لهب الشعر كي يتدفق الأمل من جديد ..؟

ـ نعم .. هو كلماتي حين تتيه بي الكلمات ، هو ابن أبي الخصيب

 الأرض التي تحمل الحب ا لمعتّق على الرغم من إحزانها،

انه الجذوة التي لن تنطفئ .

ـ إذن أنت الطفل الكبير .. تصرف بجدّية واذكر شيئا لنا

 مما في ذاكرتك .. والذاكــرة تخطئ أحيانا تحت وطأة السنين

 ها هو يقبل نحوي ..

ـ صباح الخير .

رفعتُ رأسي بقلب مليء بالسرور

ـ صباح الخير أهلا وسهلا

تطلع بعينيه إلى أعلى فوجد بين الغيوم طائراً يحلق عاليا

ومن خلال حنجرة مليئة بالشـــعر سمعته يقول: (وقد شملتني طمأنينة عجيبة )

” درب من الصفصاف .. والطحلب المـــائي والخضرة

 مسراه عبر النخل أمواج .. وفي قبعتي زهرةْ

نهرٌ من الريحان

والصمت والرمان

يمتد حتى بيتها المغلق ” .

      ثم دار على نفسه .. وراح يراقب الطائــر الذي ابتعد عنا ..

اخرج علبة سجائره ونفضها ، كانت فيها سيجارة واحدة

وضعها في فمه وبدأ يمتص نفسا منها مسندا ظهره الى جذع نخلة .

 قال لي باب الطويل : ـ أتراه الان..؟

هو مثقل بالرحيل.. ولكنـه صادق.. بكــل المسافات والأمكنة .

  ـ كيف عرفت ذلك ..؟

ـ عشقناه في سمائه الأولى ..لأنه قد جاء ممتلئاً رقّة.. شفافية وإنسانية ..

 كان في (النجم والرماد ) صوتا أصيلاً

يعطي للشعر مداه .. فقربناه ، في كل انجازاته، من قلوبنا نجياً .

  أرجوك قل كلمة لعلّه يسمع ما………..

تراجعتُ. حين وقعتْ عيناي على شجرة توت .. وتذكرتُ قوله : ـ

   ” انت…

   يا نافذة للحرفِ خضراءَ هناك

   في ارتجاف السعف والعتمة والموت تضئ

   عندما أغمض عينيّ أراك ”

  ـ قل شيئا ارجوك…- أيها الشاعر البعيد القريب…الغائب الحاضر لم يعد

بيت أبي الخصيب مغلقا فقد تحوّل إلي شلال من النجوم

المتوهجة بذكرياتك.. والقمر السهران.. في سمائنا انطلق

بسرعة عبر غابات النخيل، إلي منزل المسرة ، لكي يراك..

على الرغم من العواصف التي أضرّتْ به ولكنه بقي في انتظارك..

والأرض التي كنتَ بعيداً عنها ما تزال أمينة

لصوتك.. ومحبتها للناس ..لم يصبها تلف.. وهي ماتزال

تحفظ قصائدك كلها واحدة.. واحــدة وتقدّم لك في كلّ يوم

سلال محبة حتى لو وقفت الأحزان على هامتها ، ولأنها الحب الأول

ستتركك تسير في سلام يقظ ، وصمت صاخب ..وستعود للقائك .

            مشهد منزل المسرة

   قبل أن تغادر منزلك الاول.. في القرية الجنوبية..

   وضعت على بابه ورقة صغيرة.. كتبت عليها :ـ

    “منزل المسرات “.. و”وصية”..!

   ” لا تقلبْ سترتك الأولى حتى لو بليت ”

     ومضيت..

     تحمل صرّة طعامك في يدك اليمنى..

     وفي يدك الأخرى، تحمل كتابا ..

     وتركتَ خطواتك تطرّز الدروب

     وفوق قميصك.. رسمتَ نجماً بلا رماد

      سرتَ…… هنا…… وهناك

     وكلما مرّتْ عليك نسمة من سمائك الأولى

     أضافت إليك ..ساعات جديدة للحياة والإبداع

      ونسجت لك أحلاما بأفق غارق بالخضرة

  يا أيها العذب. منزلي الجنوبي ما يزال لصق منزلك..

 كل يوم انظر إليه بشوق فقد طال شوقي إليك

  وها أنا .. أضع لبنة.. لبنة على منزلك..

  ليكتمل قصر الذكريات

 وفي قلبي ألف نداء إليك ..أتعود….؟

 ـ أرجوك عد ثانية لأبي الخصيب .. فالــباص قد مّر

   عد .. لتنطرح على حصيرة الخوص الجنوبية..

   فهي أجمل من كل أثاث الدنيا وها هو منزل

   المسرات.. لا يعرف هدوء ولا سكينة يعيش حزينا ويتحسر

   عليك بألم وعلى ضوء ( لمبة ) يقرأ الليالي كلها .

     مشهد العِشر

أغمضت عيني .. واستدرت قليلا إلى الوراء .. ثم فتحت عينيّ نافذة مشرعة على السماء الأولى .. حدّقت فـيها لحــظات .. وانتبهت إلى نفسي في مرآة الأمس .. ودلـفت إلى سوق الأمير المسقوف المحاذي لنهر العشار ، حيث تشرق مـقاهيه ، والدكاكين على النهر ، وقد ربطت الابلام العشارية ، والزوارق البخارية ، تحت امتداد المقاهي ، وفي منتصف المسافة ، تنحدر شريعة ذات درجات حجرية تفضي إلى النهر ، اجـتزت جسر المقام ذا البكرات .. فحانت مني التفاتة إلى ” العشر ” حيث يبيع “الحدار” القادمون من الكباسي والصالحية والبوار ين والدعيجي وكل القرى النائية المكتظة بغابات النخيل بضائعهم من الخضروات ، والتمور ، والفواكه و…. الخ .

في هذا المشهد رأيت سعدي واقفا يتأمل سمرة السواعد .. وبريق العيون .. وكأنه يريد أن يقتطف من سمائهم نجمة أو قمرا ، فقد كان يحمل في نظراته أسئلة .. ولكنه بعد صمت طويل مضى بخطوات بطيئة باتجاه الكورنيش، وأظنه كان يريد الوصول إلى المقهى ليلتقي بأصدقائه الادباء.

مشهد الهدية

كان الولد الصغير جالسا تحت نخلة ، على حافة نهر يفكر في عصفوره الذي مات ، التفت إلى الوراء قليلا فطالعه شاب طويل القامة ، بوجه اسمر ، وبكتفين نحيلين ، حتى دنا منه قائلا :

ـ صباح الخير

فرد الولد :

ـ صباح الخير

ثم راح الشاب يكتب على جذع شجرة ،وفجأة نظر إلى الولد الصغير بعينين فيهما رقة.

ـ ما بك.. ؟

ـ صديقي مات قبل دقائق

ـ كيف ..؟

ـ لقد مات جوعا صديقي ،

وبكى الولد وتمرغ في التراب ، فاقترب الشاب بحس مرهف ، وذوق مهذب وبين أضلاعه أوراق الأشجار ، وبـدأ يجفف دموع الولد قائلا:

ـ لا تحزن .. ولا تبك ، خذ هذا الصديق الجديد

ـ شكرا ، شكرا

واخذ الولد صديقه الجديد .. نظر إليه بعمق .. انه كتاب “أساطير” لبدر شاكر السياب ، تصفح الكتاب ، لاحظ صورة السياب على الصفحة الثالثة ، ثم رفع رأسه إلى الشاب قائلا :

ـ أرجوك اكتب على الكتاب شيئا للذكرى

اخذ الكتاب منه وكتب عليه

ـ إلى صديقي الصغير الذي فقد عصفوره ، اهدي هذا الكتاب ، نافذة متألقة على سـماء الشعر .. الـتوقيع سعدي يوسف

ثم اتجه إلى الشارع العام ، اقترب أكثر فأكثر حتى اطل عليه الباص الأحمر ، فلوّح إليه بيديه ، لكن الباص لم يتوقف . ولن يتوقف ،،

مشهد سوق المغايز

    كنت صغيراً اغسل همومي . على صدر شط العرب .. فالجرف لا يغادر مكانه المألوف ، تلّفّت كثيرا فوجدت في نفسي رغبات تزدحم ، وقوة خفية تدفعني ، تطلق العنان لقدمي ، بالتجوال خارج قريتي .. لاكتشاف المزيد ، من معالم مدينتي ، فمضيت إلى العشار. .. اخــــترقــــــت الشوارع ، شارعا .. شارعا ، وجدت المتسولين يقتعدون الأرض ، يمارســون مهنتهم ، ألقيت نظرة على ساعة سورين ، الكائنـة عند عنق جـسر سوق المغايز ، مقابل البنك العربي ، ورأيـت سورين المصور الشمسي الأرمني يمسك آلة التصوير ليصور طفلا .. أما بائـع الكرزات يحيى فقد كان يبيع لأحد المارة : “وتدق في سوق الهنود .. وفي دمي ساعة ” الساعة العـاشرة صباحا .. لمحت سعدي يوسف .. يسير أمامي ببطء لكـنّ خطوته بـدأت توغـل في السوق ….. واصل طريقه .. دخل مكتبة الجميع سلم على صاحب المكتبة “الياس ” أما أنا فقد بقيت خارج المكتبة ، انظر إلى الواجهة الزجاجية وما تضمه من كتب … وقع نظري على احـد الكتـب ، دخلت المكتبة

ـ السلام عليكم

ـ وعليكم السلام

أريد لو سمحت كتاب ” مختارات من الأدب البصري ” فجأة انتبه سعدي والتفت إلي

ـ مرحبا

ـ مرحبا .. ماذا اقتنيت ؟

-اقتنيت هذا الكتاب

ـ أحسنت باختيارك .. انه أدب حديث ، أغنيات إلى الإنسان

أعطيت ثمن الكتاب إلى صاحب المكتبة وقلت: شكرا جزيلا .. مع السلامة

ـ مع السلامة

وخرجت ……

     مشهد4-4-1972

     كنا في باخرة زاهدة في كل شئ ، إلا من رضا الأدباء فهي تحاول أن تنطلق بما يرضي هذه النخبة فعلى الرغم من تسابق – الرياح كانت السفينة تمخر .. وترسل طرفها بعيدا ….بعيدا ..وتتهادى منها القصائد ونبادلها الود بالود.. والصفا بالصفا ونحن نحمل فصولا من البراءة ونتأمل مظاهر الجمال ..والجلال اتكأت على بعضي وأنا في رصيف الــباخرة .. وتأملت الوجوه كان محمود درويش يبدو رائعا في ســترته البيضاء .استدار لي سعدي يوسف وقال :- يا حامد : ان درويش بحاجة إلى شراب .ليكون أكثر توهجا ..وتألقا…

   شعرت باهتزاز .. يا أبا حيدر ..نحن في منتصف شط العرب …واعتقد أن أوتار قلبك تردد… :- ” يبلل ماؤه الوسادة …في ليالي النوء والحسرة ويأتي مثل رائحة الطحالب اخضر الخطوات يمسح كفي اليمنى بغصن ألرازقي – افق…. أنا النهر ….. ألست تحبني .؟أولم ترد أن تبلغ البصرة بأجنحة الوسادة …..؟ أيها النهر.. أفقت .. أفقت فوق وسادتي قطرة لها طعم الطحالب ….. إنها البصرة ” من قصيدة لسعدي يوسف بعنوان (شط العرب )

مشهد الرحيل

قبل قليل تركت محمود عبد الوهاب ، يحتسي قهوته وحيداً في مناوي باشا وقد سمعت صوته ورائي ينســـاب هادئاً “مع السلامة” سلم على أبي الخصيب.

فتحت قلبي .. ومضيت .. لكنني لم أكن بعيداً عن محمود الذي ظل وفيا لأصدقائه ، وللحب والفهم والحرية.

      اعذرني سأكتب هذه الذكريات بأصابع لينة رقيقة ، لكي لا يهز الليل راسي . حشرت نفــسي في سيارة أجرة كانت عجلاتها تبتلع الطريق ، حتى وجدت نفسي في حمدان ، اجر خطواتي ببطء على أرضية دروبها كي أتأمل آثار أقدامك ، فهي ما تزال ترش شذاها على الطرقات ، وهي تحلم بعودتك ثانية ، أطلقتُ تأملات ارتياح .. وقررتُ مغادرة حمدان، لكنني قبل أن اتركها باتجاه “باب سليمان” مّر بي احد الفلاحين وقال لي: السلام عليكم قلتُ : وعليكم السلام – أنت تحمل عطراً جميلاً ما اسمه؟

– احمل باقة من أشعار سعــدي يوسف وهي تعبق بالصدق والطيبة .. على سمو في التفكير وعفة في الكلمة -آ..آ.. أتقصد أنها حب لا يقهر….؟

– نعم .. نعم حب لا يقهر …! سرتُ وتركته ينظر إليّ ، وكان أكثر سريالية من شعر اندريه بريتون….!

دعوة للتفكير فكّرْ في الناطـــــورْ يبحثُ عن لقمة عــيـــشٍ في صدر الليل المنـــخورْ فكّرْ كــيف ينام وحـــــيدا ..كيف يطــــــير وحيداً بـجـناح مكسورْ….!؟

البصرة: حامد عبدالصمد البصري

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *