معمر طاهر الشريف
أنا آخر ما تبقى لكم من شرف …..أيها العرب
أنا الأم ..أنا الجدة .. أنا الزوجة … أنا الحفيدة …. أنا السبطة …
أنا الأرملة ، الثكلى التي لم يُبقِ لي صمتكم وخنوعكم عضدا ألوذ به ، ولا كتفا أتعلق به …يا عرب
و لم يترك لي تقاعسكم و تجاهلكم حصنا أحتمي به …. يا مسلمين
أنا المرمية هنا بين حطام الدور المدمرة ، وسط خراب الشوارع ….حافية القدمين ….معفرة الثياب بغبار الأرض الطيبة التي تأبى الانحناء ….
كل بقعة تراب في جبتي السوداء هي أعظم النياشين ، و أعلى الأوسمة في صدر الأمة المقاومة ….و دموعي المرتسمة في ثنايا محياي الأغبر ، لا تظنوها دموع هلع ولا أسف ولا خوف بل هي أخر ما تبقى لي من أسلحة الصمود و المقاومة والتضحية بعد أن ضحيت بمالي ، وأهلي و عشيرتي ، و مأواي …..
أنا الحرة الأبية التي مزقها قهركم و ذلكم وهوانكم …ضاع عنفواني و كبريائي بين الملايير من أبناء أمتي النائمة ، المنبطحة أمام حثالة الأجناس و أنجاسهم ….
حدقت كثيرا عن يميني أحن للذكرى فلم أجد أطفالي الثمانية الذين طالما تسابقوا و جروا ، وشاغبوا ….ولطالما اصطدموا ، واحتموا بي وهم يمرحون ، و كم تهافت بعضهم على ظهري من أجل الاختباء في أوقات ألعابهم التي لا تنتهي ، و هم يصرخون : أنا سأختبئ وراء ظهر أمي …أنا سأختبئ في حجر أمي …. لا وقت ألعابهم استمر …ولا هم بقوا …..
ارتقى واحدهم تلو الآخر ، وتركوني وحيدة أجتر ألم الفراق والثكل ، والجوع و العطش ، و المهانة والانكسار …حدقت في كل الجهات لكنني لم أر إلا كومات الحطام و الأنقاض ، و دخان القنابل ، و أثر الرصاص على الجدران المتهاوية …..
كم التفتّ ورائي لأطمئن على باب المنزل – الذي لم يعد موجودا الآن – لأرعى أبي المقعد بنظراتي ، وهو يستنشق نسيم المساء القادم من أعماق البحر ، و قلبي يتحسر ألما على الأيام التي أخذت منه قوته وفتوته ، وزئيره الذي كان يملأ الأجواء حين يعود من رحلة البحث عن لقمة العيش : ” خوذوا بالكم يا أولاد من الخنازير المتربصة بأهل الدار ” … ولكن لم يتبق لي منه إلا رسم صورته التي لا زالت ترفرف في مخيلتي ، ووقع صوته القوي الذي لا زال يسكن أذني …لقد ارتقى كما ارتقى و يرتقي الكثيرون في كل حين وآن …
و أمطط عنقي كثيرا لأتطلع خلف الركام ، علني أجد أبا الأولاد و هو يتمايل من وقع ثقل الطعام يمينا وشمالا حينا ، ومن نشوته العظيمة حين يحمل هدايا العيد للأولاد حينا آخر ، و كم تزداد نشوته عنفوانا عندما يباغته الأولاد في الطريق ،ويتعلقون برقبته ، وبأطرافه وثيابه و هم يفرحون مبتهجين بالسند الذي لا ينكسر ، و يحمدون الله في سرهم وعلنهم على نعمة الأب الذي يحميهم ويطعمهم ويسقيهم ويتفنن فوق هذا في طريقة تقديمهم الهدايا و يهتفون ” الله يخليلنا اياك يا بابا ” …ولكني لا أرى إلا السراب المرتسم خلف لهب النيران الذي خلفته الصواريخ المتعاقبة ….
الكثير من الهدايا التي حملها أبو إبراهيم للأولاد هي الآن تحت الركام …هل يا ترى استطيع رؤيتها مرة أخرى أم أرتقي أنا بدوري قبل أن يُرفع هذا الركام عن وجه بيتي ، و عن جثة زوجي و ما تبقى لي من أولادي الذين ساروا دون وداع ….
فتشت في الأفق البعيد والقريب عن جيراني الأقارب والأباعد ، وكلما أرسلت بطرف عيني إلى هناك اصطدمت بكومات الأسمنت و قضبان الحديد المتداخلة الملتوية في جميع الأمكنة ، وبقايا الأدخنة تحتل الربوع ….
حدقت في السماء الواسعة ، وأفقها الرحب لأتسلى و أطلب ملجأ من جحيم الأرض الذي يحيط بي ، فاكتشفت الجحيم الحقيقي هناك ، فقد نابت عن أشعة الشمس الصفراء وجدائلها الذهبية ، القنابل الحمراء ، والصواريخ المتساقطة كمطر الخريف …..
عندما لم أجد وجهة رحيمة تسليني عن واقعي الموبوء ….ها أنا ذا أحدق مرغمة في الأرض ، في التراب الذي يطلب المزيد من ضخ الدماء والتضحيات لكي يرتوي ويزهر ، و تشرق أيامه الآتية بعبير الإباء والأنفة و العظمة والكبرياء ….ويرسم للأمة المستقبل المأمول الذي يتطلع إليه الجميع …….
سأحكي للغد الذي سيشرق لا محالة يوما ما ، ويشملني بنوره الوهاج ، ويشمل هذه الأرض الطيبة بالدفء و النور و الضياء عن ملحمة الشعب الذي ناب للدفاع عن أمجاد الأمة ….عن الشعب الذي قدم كل شبابه وكهوله وشيوخه وأطفاله ، وبناته وعجائزه ، وقدم كل ما تشمله أرضه من حجر ودور وقصور لكي لا يتلطخ شرف الأمة ، ولا يصيبه مكروه …..
لكنّ هذه الأمة …كل هذه الأمة قابلته بالجحود والنكران و لم تنجد حماتها و أبطالها بشربة ماء ، أو رغيف خبز …و تسمرت في مكانها تتفرج كالبلهاء ، كأنها تسترجع حلما رأته في المنام لا تستطيع التدخل فيه أو تغييره…..
أما إذا ارتقيت كما ارتقى أبنائي وبناتي ،وآبائي وأمهاتي ،، قبل أن ينبلج فجر هذا اليوم الموعود ، وكما ارتقى كل الأزواج ، والآباء و كما كل الأبطال الذين لم يبخلوا بأرواحهم الغالية للتضحية عن شرف هذه الأرض الطيبة ،….سأحكي لخالقي هناك في الأعالي وأقول له – و هو العالم بكل شيء – :
يا رب ،كم كانت مئات الملايين من أطنان الطعام ترمى في مزابل أمتي ، وكنا نحن المستضعفين ، المحاصرين ، الجوعى نفتش عن كسرة خبز يابس لنسد به أرماقنا….. ولا نجده …..
كم كانت كل أنهار العرب والمسلمين تفهق بفيض الماء الزلال ، وتتدفق ينابيعها الفضية المتلألئة في البحار والمحيطات هدرا ، ونحن نستغيث ، وحناجرنا تتشقق من أثر الصراخ ، و تنفجر من وقع ترديد النداء …ولكن لم يجبنا إلا الخواء ، والقحط ، و تغوّل الظمأ فينا وصار يلتهم الجميع …..
سأقول له- وهو أعلم بحالي وبحال الأمة – :
نحن الملايين من الأنفس كنا نبحث عن قضمة طعام بين أنياب المستحيل ، وبين قنابل طائرات العدو ، و الكثير من أطفالنا يعودون لنا جثثا هامدة في أكياس الدقيق التي رافقتهم من أجل إغاثتنا ، و الأشراف المزيفون من طراطير أمتي يقيمون الحفلات الحمراء عبر الليالي الطويلة وينفقون الغالي والنفيس تحت أقدام المغنيين والمغنيات ، و الراقصين والراقصات و يميلون بمسابحهم الفضية الأنيقة مستمتعين ، منتشين حتى تدركهم شمس الضحى ، وينامون نهارهم الطويل ملء جفونهم استعدادا لبذخ الليلة المقبلة ….
لو نطق الحجر والمدر ، و الشجر والدواب لرووا ألامنا التي تفوق طاقات التحمل ، على مسامع الكون ، و التاريخ وجغرافيته ، و لو أطلق الله طاقاتهم الكامنة من أعماقهم لوقفوا صفا ضد هذه الهمجية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا …..ولكن أصحاب الحل و العقد ، و أصحاب ما يجوز وما لا يجوز من أمتي ، جامدون في أبراجهم العاجية المكيفة يناقشون صغائر الأمور وتوافهها …..
لو سمع أبو جهل ، وأبو لهب والعاص بن وائل وغيرهم من كفار قريش بما حل بطائفة من عشيرتهم العربية في عصرنا الموبوء هذا ، لانتفضوا من قبورهم وطافوا بين قبائل العرب يجمعون الزاد و الثريد والمؤونة ولأرسلوها للأرض المنكوبة ولقالوا : كيف يهنأ قومنا هنا ويتلذذون بأطايب العيش ، و إخوة لهم هناك يتضورون جوعا و عطشا وقهرا …..
لو طارت صورتي هذه التي تشاهدون ، كما طارت في وسائط التواصل الاجتماعي ، و نقلتها رياح السنين القهقرى إلى ماضي الأمة التليد ورفرفت فوق قبر المعتصم بالله لبعثته إلى الحياة من جديد ولهب واقفا ، و امتشق سيفه العربي الأصيل وقال : لبيك لبيك يا أمة الله ، لبيك أختي العربية المسلمة ، ولجهز جيشا جرارا أوله هنا و آخره هناك في أدغال صحارى العرب ….
ولكن ….
وا أسفاه عليك أيتها الأمة المغبونة الذليلة ، استكنت ورضيت بذل التبعية والدونية و الهوان ، وأخلدت إلى الأرض ، و أصبحت تلهثين … تخافين من ظلك الذي أنتجه وجودك ….فكيف يكون مصيرك إذا اصطدمت بظلال الآخرين ….



