المجلة الثقافية الجزائرية

رواية جنازتان في مخيم النصر: موت رجل وموت جيل

إسلام حماده*

بداية الحكاية “نصر” بل هو الحكاية كلها رجل ميت يوجه كلامًا حادًا إلى زوجته بعد أن سمع منها كلمةً ما. ربما يسمع الموتى، وربما يتكلمون مع أنفسهم، لسنا هنا بصدد محاولة إدراك القدرات الحسية للموتى، بل أمام ميت يروي روايته. وهي بداية مشوقة وعنيفة، لا تقل عنفا عن غريغور كافكا الذي تحول إلى حشرة هائلة الحجم في أول سطر من الرواية. ولكن ماذا سيروي هذا الميت؟ تخبرنا صفحات الرواية القليلة ـفهي بالكاد لا تتجاوز 75 صفحة- أنه يحاول الرد عليها، إلا أننا نحن الذين نستقبل رده، نحتمل غضبه وصراخه، ونتأسى على حاله وضعفه. هو يدرك -لو كان للموتى حق الإدراك- أنها لا تسمعه، يسرد قصته معها علّنا نشير له عن سبب ما قالت أو على أقل تقدير نخمن معه. في حكاية هذا النصر لا حقيقة إلا ما قال، يحكي معنيًا بحياته بأثمر ما فيها وأفسد ما آلت إليه، ونحن متلقو الحكاية لا نرى فيها نصرًا، بل جيلًا كاملًا من اللاجئين عاش في مخيمات الأردن خمسينيات القرن الماضى وما تلاها. على هامش ما قلت وبما أن الحبلى لا تضع إلا صنفين فإن نصف نساء مخيمات أردن ذلك الزمان ينبئن بمشروع نصر جديد.

تناولت الرواية مجموعة مهمة من أفكار ذلك الجيل، أبرزها: علاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة المدرس بالطالب، وحضور القضية الفلسطينية. في العنصر الأول – علاقة الرجل بالمرأة- تبرز الذكورية العالية عند نصر، جاء على لسانه مع صديقه رامي: “النساء وجدن للطبخ والإنجاب وطاعة الزوج، لذلك يجب أن تكون زوجتي المستقبلية طباخة ماهرة، ومربية فاضلة لأولادي، وأن لا تناقشني في قراراتي، وأن تراعي أمي.” وهي تلخص نظرة الرجل للمرأة في ذلك المجتمع، فهي المنوط بها واجبات المنزل من طبخ وتربية، وعليها واجب الطاعة لزوجها ورعاية أهله. وحين يختار الرجل زوجته يفضلها صغيرة لا تعمل ولم تذهب إلى الجامعة حتى يضمن عدم فساد أخلاقها. وامتدادًا لذلك الفكر فإن الرجل ينتظر المولود الذكر أكثر من الأنثى، فالذكر سند والأنثى “هم حتى الممات”.

وعلاقة المدرس بطلابه لا تختلف من وجهة نظر نصر عن علاقته بزوجته، فهو السلطة هنا وهناك، يمتلك الصلاحيات كزوج كما يمتلكها كمعلم، له حق التربية قبل التعليم، وعليهم الطاعة والامتثال فهم طلاب علم وأدب كما يراهم. وقد جاء صديقه رامي ليمثل النقيض له فيوضحه، وهو اختيار ذكي آخر من مهند عميرة، حيث أوضح حضور رامي صفات نصر أكثر، رامي هو ابن المدينة المثقف صاحب الأفكار المنفتحة.

وقد حضرت القضية بقوة في الرواية، يقول نصر: “كنت أشعر بالعزة عندما أرى صور الرموز تزداد على جدرانه رأيت محمود درويش”، و”محمد الدرة”، و”أحمد ياسين”، و”إيمان حجو”، و” يحيى عياش”، و”جورج حبش”، و”أبو عرب”، و”حنظلة”، وعندما زرته في 2018، ورأيت الزهور تملك جدرانه، أخذت على نفسي عهدًا بأن تكون الزيارة الأخيرة؛ لإن المخيم لا ينبغي له أن يعرف الزهور إلا أكاليل على قبور الشهداء، إذا فرح المخيم يا سميرة ماتت القضية.” والاقتباسات كثيرة وواضحة في هذا الصدد. وفي قصص تسميته لأبنائه: “صدام، وجمال” ما يشير إلى مفهوم القومية في ذهنه وانتمائه لها. أما ابنه الثالث “ثابت” فيدل اسمه على شخصية نصر نفسه، ووضوح أبرز سمة عنده، وهي ثباته على صفاته -بغض النظر عن صحتها من عدمها من وجهة نظر القارئ- بل وثباته على ما هو أقل من ذلك: الآراء والاختيارات البسيطة. لو تأملنا حضور عامل المقهى “رمضان” الذي طلب لنصر قهوة بعد أن سلم عليه لكنه سأل رامي عن طلبه لفهمنا شخصية نصر أكثر: “قاطعنا صوت رمضان:

– أهلا بالأساتذة، هات قهوة حلوة للأستاذ نصر، ماذا تريد اليوم يا أستاذ رامي؟

– هات موز بالحليب.”

يموت نصر ويأخذ معه أفكار جيل كامل، ومن هنا -في ظني- جاء اسم “جنازتان”، ولا نعرف هل علينا أن نحب نصر؟ أم نبغضه؟ هل هو رجل صاحب قضية ومبدأ وسلطة؟ أم أنه ظالم قاسٍ؟ هو كل هذا، نصر إنسان، يجتمع فيه الحسن والسيء، وقد حاول مهند عميرة وصفه بحياد لا نقده، وهو ما يفعله الروائي المجيد المتمكن في صنعته.

لغة الرواية فصحى معاصرة ومفهومة، والحوار فصحى وذلك لومي الوحيد على الكاتب، ففي ظني أن الدارجة الأردنية كانت ستعطي هوية أوضح للمكان، وهو في هذه الرواية مهم، بل لا يقل عن شخصية نصر التي أجاد الكاتب بناءها.

 

*كاتب من مصر