بقلم الأستاذ: أبو أويس خالد بلعربي
خلال الاستماع لبودكاست السنة والشيعة.. إدارة الخلاف في أزمنة الاستباحة «مع د. محمد المختار الشنقيطي تسلّلت إلى نفسي تساؤلاتٌ عامرةٌ بالحزن والقلق حول حال الأمة ومآلاتها، خصوصًا ما يجري في فلسطين؛ فبدت الأحداث كلوحةٍ متقطعةٍ من صورٍ أليمة تُعيد طرحَ سؤالٍ واحد: كيف نُعالجُ خلافاتنا حتى لا تَستغِلّنا عواصفُ الزمن؟ كتبت هذه السطور محاولةً لأن أُصيغَ تأمّلاتي بلغةٍ تليقُ بثقلِ المأساة وحرارةِ الأمل؛ ليستقي القارئُ من الموقف فهِمًا، ومن النداءِ دعوةً للعملِ والإصلاح.
يقول الشهرستاني في » الملل والنحل« (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة مثلما سُلَّ على الإمامة في كلّ زمان) . وهذا الخلاف ـ الذي جرى الدمُ بسببه قرونًا ـ يكشف لنا حقيقة ينبغي ألا نغفلها: إنّ الهوة بين السنة والشيعة لم تكن يومًا قابلة للردم الكلّي، ولا يمكن لعقل واقعي أن يتصور إمكان تجاوزها كما دعا بعض رموز “التقريب”.
الصحيح ليس التقارب، بل التعايش: التعايش يعترف بالاختلاف، لكنه على نقيض الأول لا يدعو إلى التجاوز أو التنكر للهوة الفاصلة بين التيارين وفي الوقت ذاته يعلّمنا كيف ندير هذا الاختلاف دون أن يتحول إلى حربٍ أو قطيعة. فلو عدنا إلى التاريخ لرأينا أن الأمة الإسلامية لم تعرف القطيعة السنية – الشيعية الشاملة إلا في ثلاث أو أربع محطات، بينما عاشت قرونًا طويلة في ظل توازن دقيق: الدولة العباسية ـ خمسة قرون ـ كان خلفاؤها سنّة ومع ذلك استوزروا وزراء شيعة، والدولة الفاطمية كانت شيعية وحكمت تحت رايتها جماعات سنية. إذا كانت أنظمة الحكم التقليدية قد وسعت هذا التعايش، فكيف تضيق عنه ديمقراطيات اليوم؟
والمفارقة أن الغرب نفسه الذي عرف بين البروتستانت والكاثوليك حروبًا دامية امتدت قرنًا أو أكثر، قد وصل اليوم إلى صيغة من التوافق، بينما نحن ـ الذين كان تاريخنا أكثر قربًا من التعايش ـ نعيش اليوم انقسامًا أعمقا! إنّ هذا يدل على أنّ المشكلة ليست في التاريخ بل في تصوراتنا عن ذواتنا وعن بعضنا البعض.
إنّ من أعظم خصائص التشيّع الثقافية ذاكرته المَوتُورَة ؛ ذاكرة لا تهدأ، مشبعة بروح الثأر، مستغرقة في استحضار الماضي وكأنّ الجراح قد فتحت اليوم. ولهذا يسهل توجيههم وتعبئتهم، إذ إنّهم ما زالوا يبكون قتلى القرن الأوّل الهجري، فكيف بقتلى الحرب العراقية الإيرانية الذين لا تزال أمهاتهم وآباؤهم أحياء؟ إنّها ذاكرة طرية، حارّة، لا تعرف النسيان، ولهذا كانت أشدّ رسوخًا من ذاكرة السنّة.
لقد حصدت الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات ما يقارب مليون نفس، ثم جاءت المجازر في سوريا وليبيا والسودان واليمن لتضيف أوجاعًا فوق أوجاع، وكل دمٍ مسفوح يضيف إلى الذاكرة جرحًا جديدًا. وهكذا تجد المنطقة غارقة في نزيفها الداخلي، يقتل بعضُها بعضًا، وكأنّها لا ترتوي من الدماء.
فأيُّ شيءٍ يبهج إسرائيل أكثر من أن تحيط بها شعوب ممزقة، متناحرة، تقتتل بأيديها وتستهلك طاقتها في معاركها الداخلية؟ إنّها فرحة عدوٍّ يرى خصومه ينهارون بأنفسهم دون أن يكلّف جهدًا في قتالهم، بينما هو يرسّخ أقدامه بلا عناء.
إنّ خلاصنا لا يكون في محاولة محو الفروق العقدية، فهذا وهمٌ لا طائل تحته، بل في صناعة تعايش ناضج يقبل هذه الفروق ويحوّلها إلى طاقة تنوّع، لا إلى وقود حروب. بهذا وحده نستطيع أن نطوي صفحة الذاكرة الموتورة، ونكتب لأنفسنا ذاكرة جديدة؛ ذاكرة بناء لا ذاكرة هدم، وذاكرة حياة لا ذاكرة دم.
غير أنّه من الخطأ أن يُظنّ أنّ معركة إسرائيل الكبرى هي في غزة. فغزة ـ على قسوة مشاهدها ـ لا تحمل لإسرائيل قيمة تاريخية أو دينية؛ فهي ليست أصلًا جزءًا من الأرض التي يسمّونها “أرض التوراة”. إنّ مركز الصراع الحقيقي بكل ثقله الديني والجغرافي والاستراتيجي هو الضفّة الغربية؛ فهي القلب التاريخي لنصوصهم وأساطيرهم، وهي مسرح المواجهة القادمة والبوابة التي يعبرون من خلالها لتحقيق حلمهم. وما يحدث اليوم في غزة ـ على مأساويته ـ ليس سوى تمهيد لمذبحة أعظم وأشرس في الضفّة، مذبحة سيكون لها من الخطورة ما يفوق كل ما شهدناه حتى الآن.
أمّا ما نراه اليوم فليس حدثًا غريبًا على صفحات التاريخ، بل هو استدعاء لصورة قديمة تعيد نفسها على لسان الزمان. لقد تكرّر المشهد في أيام الحملة الصليبية الأولى (1096 إلى 1099 )، حين اجتمعت جحافل الفرنجة على أرض الشام ففاضت الدماء وأُنهكت الأرضُ من الخذلان. التاريخ يعيد نفسه متبدّلًا بالأدوات لا بالمضمون؛ فالقتل يظلّ قتلًا، والخذلان يظلّ خذلانًا، والعدو – مهما تغيّر اسمه أو شِعاره – يظلّ عدوًا.
كما سجّل ذلك ابن القَلانسي في «ذيل تاريخ دمشق»: (…الواضح أنَّهُ سهَّل مُهمَّة الصليبين ما حدث من خلافاتٍ بين الحُكَّام المُسلمين في الشَّام آنذاك…) ثم إنّ الأمر لم يتوقّف عند حدّ الخلافات، بل تعدّاها إلى أن يكون مدّ يد للصليبين، وطعنا في ظهر المسلمين وتواطأ كما يشهد به المؤرخ وليم الصوري (عاش خلال القرن 12م) في كتابه الذي رأى النور في القرن السادس عشر، حين يقول: (يُضَافُ إلَى ذَلِكَ أَنَّ خَلِيفَة مِصْر – وَهُوَ أَقْوَى السَّلَاطِين الْمَارِقِين … كَانَ قَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ إلَى قَادَتِنَا، وَتَتَلَخَّص أَسْبَاب بَعَثَه إيَّاهُمْ إلَى وُجُودِ عَدَاوَةٍ مُتَأَصِّلَةٍ وَعَمِيقَةُ الجُذُورِ مُنْذُ سَنَواتٍ طَوِيلَةٍ بَيْنَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمِصْرِيِّين وَهِي عَدَاوَةٌ نَاجِمَةٌ عَنْ اخْتِلَافِ مُعْتَقَدَاتِهِم الدِّينِيَّة بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَمُبَايَنَة مَذْهَب الْوَاحِد مِنْهُمْ لِمَذْهَبِ الْآخَر، وَظَلَّت هَذِه الْكَرَاهِيَة دُونَ انْقِطاعٍ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا وَمِنْ ثَمَّ ظَلَّت هَاتَان المَملَكَتَان تُحَارِب كُلٌّ مِنْهُمَا الأُخْرَى حَرْبًا لَا هَوَادَةَ فِيهَا… وَكَان حَاكِمِ مِصْرَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ الرِّيبَة إلَى كُلِّ تَوَسَّعٍ مِنْ جَانِبِ الْفُرَسِ أَوْ التُّرْكِ … فَرِحَتُهُ بَالِغَةً حِينَ جَاءَتْهُ الْأَخْبَار بِضَيَاع نِيقِيَة مِنْ يَدِ قِلج أَرسَلَان، وَبِهَزِيمَةِ جَيْشِهِ فِيهَا …) وَعَدَّ كُلّ خَسَارَة تُصِيبُ الْأَتْرَاكِ مَكْسَبًا لَهُ…) فتبدو الوقائع، رغم اختلاف الأزمنة، كأنّها مرايا تعكس بعضها بعضًا فوالله كأنه يتكلّم عن حكّام عصرنا!
إنّ خلاصنا لا يكون في محاولة محو الفروق العقدية، فهذا وهمٌ لا طائل تحته، بل في صناعة تعايش ناضج يقبل هذه الفروق ويحوّلها إلى طاقة تنوّع، لا إلى وقود حروب. بهذا وحده نستطيع أن نطوي صفحة الذاكرة الموتورة والخلافات المفجورة، ونكتب لأنفسنا ذاكرة جديدة؛ ذاكرة بناء لا ذاكرة هدم، وذاكرة حياة لا ذاكرة دم.
ولئن فتّشنا في سجل التاريخ عن قدوة تعلّمنا فقه الأولويات، فلن نجد أنصع من مواقف الأبطال الذين جمعوا بين حزم السيف وحكمة العقل؛ ولا نجد قدوة أبهى من صلاح الدين الأيوبي، الذي صاغ تجربته تحت عين نور الدين زنكي، فكان مثال القائد الذي يوازن بين العاطفة والسياسة، وبين الحفاظ على الصف ومواجهة العدو. فقد أدرك صلاح الدين الأيوبي مبكرا أن السياسة ليست نزوة ولا مغامرة، بل هي حساب دقيق للزمان والمكان. فحين كان وزيرًا في الدولة الفاطمية، طالبه نور الدين زنكي أن يعلن الخطبة باسم الخليفة العباسي، فأجابه بأنّه لا يقدر، خشية الفتنة وتمزّق الصف فلما مرض العاضد – وهو آخر الأئمة الفاطميين – أعلن صلاح الدين الخطبة باسم الخليفة العباسي، فلما مات العاضد قال: «لو عرفت أنه سيموت من مرضه هذا ما أعلنتها»، أي لكان أخَرها بعد موته. فهو – حسب تقديره – كان ينتظر نضج البيئة السياسية، فإن كانت البيئة تعيسة وغير ناضجة فالوقت ليس وقت مواجهة. فواجبنا أن ندرك أن الوقت ليس وقت مناقشة قضايا نظرية لا يترتب عليها عمل – كعدالة الصحابة ومن الأولى بالخلافة– وإن كان لابد من الجدال فلْيترك الأمر للمتخصصين في زوايا أكاديمية مغلقة.
ولنا في مراسلات نور الدين زنكي مع صلاح الدين صورة ناصعة لوعي القادة بخطورة التخاذل؛ فقد كتب صلاح دين يوم حوصرت دمياط: «إن تأخرتَ عن دمياط ملكها الإفرنج، وإن سرتُ إليها خلفني المصريون في أهلها بالشر، وخرجوا من طاعتي، وساروا في أثري، والفرنج أمامي؛ فلا يبقى لنا باقية «وكان نور الدين زنكي يقول: «إني لأستحي من الله أن أبتسم والمسلمون محاصرون من الفرنج « كلمات خرجت من قلب قائد يدرك أن الضحكة خيانة إذا كانت الأمة تنزف.
وإذا كنا اليوم أمام عدو يريد أن يفنينا جميعًا، فنحن في حرب وجودية، كما نقرأ في شهادة وزير الدفاع الأمريكي في كتابه The American Crusade يقول: (…استجماع الشجاعة نفسها ضد الإسلاميين اليوم…. تُعدّ الإسلاموية أخطر تهديد للحرية في العالم. لا يمكن التفاوض معها أو التعايش معها؛ بل يجب تهميشها وسحقها) نعم قائل هذا الكلام هو صاحب المنصب الأكثر نفوذا في واشنطن، حيث يشرف من خلاله على 3 مليون جندي وموظف مدني برفقة ميزانية تبلغ خلال العام ما يقارب 900 مليار دولار، إنه وزير الدفاع الأميركي الحالي وهو الذي دائما ما يؤكد في خرجاته التزام واشنطن بنسبة 100% بأمن إسرائيل. وصدق المفكر المصري عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- حين قال:( هناك عنصران أساسيان يضمنان بقاء إسرائيل واستمرارها وغيابهما يؤدي لزوالها: الدعم الأمريكي بلا حدود والغياب العربي بلا حدود).
في الجزائر: 20/08/2025





