المجلة الثقافية الجزائرية

في رثاء المفكر والأديب والناقد زياد جيوسي

 شعر : منذر ابو حلتم

 

يا غائــبًا والحزنُ يَسكُنُ في الفؤادْ

والدمعُ يجري في المآقي كالمدادْ

يا صاحبَ الخُلقِ الرفيعِ، فمَن لنا

بعدَ ارتحالِكَ يُطفِئُ الجرحَ الوقادْ؟

يا من جعلتَ القَولَ صدقًا مُشرقًا

ما هُنتَ يومًا، ما ارتضيتَ بهُ انقيادْ

تبكيكَ أوطانٌ ذَوت في جرحِها

وتقولُ: قد رحلَ الذي أعطى وزادْ

كم كنتَ تجلو بالكتابةِ وحشةً

وتردُّ عن وجهِ الحقيقةِ كلَّ سادْ

نامت قلوبُ الناسِ بعدكَ لوعةً

واستوطَنَ الأسى بها، وبكى السُهادْ

لكنَّ ذِكرَكَ في القلوبِ مُخلَّدٌ

كالنجمِ، يَلمعُ لا يجافيه ابتعاد

والروحُ تسكنُ في فضاءِ صفائِها

وتظلُّ تَرقُبُنا بحُبٍّ لا يُبادْ

ما غابَ مَن عاشَ الجمالَ مُحبّبًا

بل عاشَ خالِدَ ذِكرِهِ أبدًا زيادْ

ماذا نُودِّعُ بعدَ فقدِكَ يا اخي؟

قد ضاقَ بالدنيا علينا كُلُّ وادْ

أمضيتَ عُمرَكَ صادقًا متفانيًا

لا تَرتَضي في الحقِّ ضعفًا أو فسادْ

كُنتَ الأديبَ إذا تكلَّمَ صادحًا

أحيا القلوبَ، وزادَ في الأرواحِ زادْ

كم فتَّحتْ أنفاسُ حرفِكَ أفقَنا

كالزهرِ يَبعثُ عِطرَهُ بينَ البِلادْ

صَوتُكْ شُعاعُ الفجرِ حينَ يُبدِّدُ الـ

ليلَ الطويلَ، ويَستفيقُ بهِ الرقادْ

قلمٌ نزيهٌ لا يُساومُ قيمةً

يمشي كضوءٍ في الدُّجى أبدًا يُشادْ

يا صادقَ الإحساسِ يا بحرَ النَّدى

يا من عطَرتَ العمرَ بالقولِ الرشادْ

تبكيكَ أوطانٌ ذَوَتْ في جُرحِها

فتقول: قد رحلَ الذي أعطى وزادْ

كم مَرَّ عامٌ كنتَ تُعطي نسمة

للأرضِ إذ ضاقتْ بأرزاءِ العبادْ

واليومَ صرتَ حديثَ دمعٍ صامتٍ

يبكيكَ فيه القلبُ في صَمتٍ مُرادْ

نامتْ عيونُ المخلصينَ على الأسى

وتركتَنا في حَيرةٍ تبكي زيادْ

كَم من نديمٍ قد جلستَ بصفوةٍ

فأضاءَ حُبُّكَ كالصديقِ المستزادْ

ما كنتَ تعرفُ للحياةِ خديعةً

بل كنتَ تمشي مستقيمًا في اعتدادْ

واليومَ نرثيكَ القلوبُ، فإنَّها

قد أوقدتْ في الذكرِ نارًا لا تُبادْ

يا من بنيتَ الحرفَ صرحًا شامخًا

يشدو به الأحرارُ في كلِّ البلادْ

ستظلُّ تذكرُكَ القوافي دائما

ما عاشَ حرفٌ أو تهادى في الوِدادْ

لو غابَ وجهُكَ عن عيونِ محبِّنا

فالروحُ تسكنُ في الضمائرِ لا تُغادْ