عبد العزيز الظاهر
ماتت أم الغراب في العراء، ولم يوارَ جثمانها في التراب، فمزق جسدها أسرابُ النمل شر ممزق أمام مَرْأىً وَمَسْمَعٍ من ابنها المسكين، فخرج غاضبًا من وسط الغابة، وسكن أطرافها، فرأته حرباء كانت في الجوار، فقالت: أيها الصغير، من أتى بك إلى هنا، أين والدتك؟!
فقال: أيتها الحرباء، إنني حزين لقد ماتت أمي، ولم يأتِ أحد من سكان الغابة للسؤال عنها أو لتأدية واجب العزاء.
فقالت الحرباء: إنهم معذورون، فالحزن هو ثوبك من يوم أن خلقك الله، انظر لسوادك، لمشيتك، إلى صوتك المشؤوم، فمثلك لا يحزن، بل عند الفاجعة يغني، غنِ يا غراب ليعلم سكان الغابة أنك حزين.
اقتنع الغراب بما قالت، فأخذ يتمتم: نعم إن كلامها صحيح، ولكن كيف لي أن أغني بصوتي المشؤوم.
فذهب لصديقه البلبل وأخبره بما قالت الحرباء، وطلب منه أن يعلِّمه الغناء؛ ليبلغ سكان الغابة أنه حزين.
فضحك البلبل، وقال: ما هذا الغباء، ضحكت عليك هذه الخبيثة التي تملك ألف قناع، كيف لك أن تصدق هذا الهراء؟! وإن كنت مصممًا على فعل ذلك فمصيبتك تحتاج لنواح، فاذهب إلى اليمامة وتعلم منها النواح لتعبّر عن حزنك.
أعجبه كلام البلبل ففتح جناحيه وأخذ يبحث عن اليمامة، فرآها فوق غصن تنوح، فوقف إلى جانبها صامتًا وبمجرد انتهائها، قال لها: لقد ماتت أمي ولم يعلم أحد بموتها، وأريدك أن تعلميني النياح.
فقالت له: يا غبي، ألم تتعلم من قصة جدك.
فقال متعجبًا: ماذا، جدي؟!
نعم جدك، لقد حاول تقليد مشية طائر الحجل فنسي مشيته، إن النعيق هو صوتك الذي ميزك به الله، أتريد أن تفقده كما فقد جدك مشيته وأورثكم معشر الغربان مشية الخبلان، إن لكل مخلوق صوتًا يتميز به، لا تسألني لماذا؟ فأنا لا أعلم!
والآن استمع إليَّ، سأخبرك بسرٍّ لم أخبر عنه أحدًا سواك: أتعلم أنني عند قدومك كنت فرحانة أغني!
فلا تصدق كل ما يقال: “اليمامة تنوح لأنها حزينة” فالمخلوقات تحب اختلاق الأساطير ومن حمقها تصدقها.
المهم رحم الله والدتك، ها أنا أقدم لك العزاء.
فأخذ الغراب الصغير يبكي ويردد ها أنت تخليتِ عني، كما فعل البلبل، وتحاولين إقناعي أن النعيق والغناء والنواح كلهم سواء.
أيعقل أن تكذب الحرباء وتصدقي أنتِ، وذلك البلبل الخبيث؟!
وعندما سمعت اليمامة اسم البلبل قالت متعجبة: وما دخل البلبل فيما دار بيننا من حوار؟
فأخبرها أن قدومه لها بسبب مشورته، فاستشاطت غيظًا، وقالت للغراب: انتظرني هنا ولا تغادر لقد وجدت الحل لمشكلتك، وفردت جناحيها وحلقت تبحث عن البلبل، وما إن رأته حتى اتجهت إليه وقالت له بغضب: أيها الخبيث ترسل لي هذا الأحمق لأعلمه النواح، أقسم بالله سأقطع لسانك وأحرمك لذة الغناء إن لم تجد حلًّا سريعًا لهذه المعضلة، فأنا وأنت نعلم أننا ليس بإمكاننا تعليم الغراب ولا التشكيك في نصيحة آمَنَ بها هذا الغبي.
فصاح البلبل قائلًا: وجدت الحل.
تنهدت اليمامة وقالت: أخبرني به.
فرد البلبل: لا ليس الآن هيا بنا نلحق بالغراب من قبلُ أن يشعر باليأس، ويفكر في الانتحار.
وبمجرد وصولهما، قال البلبل للغراب: يا صديقي لقد اكتشفنا أنا واليمامة أن الحرباء على حق، نعم أَيُّهَا الصغير بإمكانك أن تغني، بإمكانك أن تنوح، ولكن المشكلة أن هذا الأمر يحتاج منا سنين، عندها يكون العزاء قد فات وقته ومن الجهل إقامته.
لذا توصلنا أنا واليمامة إلى حل سريع وهو أن أغني أنا وتنوح هي وترقص أنت.
وافق الغراب على الفور واجتمع ثلاثتهم على غصن شجرة عالية وسط الغابة فأخذ البلبل يشدو واليمامة تنوح والغراب يرفرف بجناحيه، يرفع قدمًا وينزل أخرى، وعندما علم سكان الغابة مناسبة هذا الاحتفال جاؤوا أفواجًا يعزون الغراب الصغير وهم يضحكون!


