المجلة الثقافية الجزائرية

هُدْنَةُ غَزَّةَ.. أَهِيَ مَكْسَبٌ أَمْ فَخٌّ…؟؟؟

معمر طاهر الشريف

تتبعنا كما تتبعت كل شعوب العالم أحداث السابع من أكتوبر التي أطلق عليها مفجروها اسم ” طوفان الأقصى ” وما تلاها من حرب طاحنة شنتها آلة القمع الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني الغزاوي ، وما تخللتها من إبادة جماعية ممنهجة باركتها عظمى الدول الغربية الأوروبية الأمريكية بالصمت تارة ، و بالدعم السري تارة ، و بالدعم العلني تارة أخرى ، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية ، التي باركت الحرب وأيدتها ، وشاركت فيها بترسانة أسلحتها المتطورة ، وقنابلها المدمرة ، و لولا هذا الدعم العلني السافر ، لفشلت دولة الكيان في الصمود أمام ضربات المقاومة محكمة التخطيط والتنفيذ أشهرا قليلة ….

وقد رأينا كذلك ورأى العالم كله ، تدحرج المنظمات الحقوقية الدولية إلى مهاوي الخزي والذل والهوان و العار ، واكتشفنا و اكتشف هذا العالم أنها منظمات صورية فقط ، أنشأها الأقوياء للدفاع عن مصالحهم العليا على أنقاض بقايا الشعوب المريضة و أنّاتها ، وانكساراتها المتواصلة ، و أدرك الجميع يقينا أن صوت هذه المنظمات الأممية ، القانونية ، والحقوقية و حتى الثقافية و العلمية إذا زأرت في وجوه ضعفاء العالم ، ينفذ زئيرها إلى دواخلها العميقة المترهلة ،ويؤتي أكله مضاعفا ، فتستكين هذه الشعوب المغلوبة على أمرها ، وترضى بالهراوة الضخمة التي تسلطها هذه المنظمات الأممية على هاماتها ، و لا تنبس ببنت شفة ، أما إذا تعلق الأمر بالاقتراب من مصالح الدول العظمى التي أنشأت هذه الكيانات الحقوقية المزعومة و سهرت على ميلادها ووجودها ، تراها عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها ، فما بالك الدفاع عن الآخر الضعيف الذي يطالب بحقوقه المشروعة التي انتزعها منه هؤلاء الأقوياء ” أقوياء العالم ” .

هذه الحرب التي عرّت الإنسانية ،و جردتها من حلة ثوبها الأنيق التي كانت تتباهى به ، ونزعت عنها أقنعتها المموِهة ، التي كانت تتبرقع بها و بشعاراتها المضللة الجوفاء ، لتحقيق أهداف خبيثة ودنيئة كانت مرتسمة في النفوس الجشعة لمصاصي دماء الضعفاء ، والشعوب المريضة ….

هذه الحرب التي أتت على الأخضر واليابس ، وانهكت الأنفس ، و بالغت في إذلالها .ماديا ومعنويا ، و تهاوت بها إلى دركات الشقاء اليومي الذي لا يطاق ….

هذه الحرب التي قتلت ، ويتمت ، وشردت ، و جوعت وعطشت ، وخربت كل جميل تنبض به الحياة في مدينة كانت محاصرة أصلا ….

هذا العدو الهمجي الذي لم يشف غليله بزهق الأرواح الطاهرة البريئة وحسب ، بل بالغ في ساديته القذرة ،و لم يفرق بين شيخ وعجوز ، وصبي ، ومدني وعسكري ، و عندما لم تستطع ترسانته الحربية الضخمة مجابهة المقاومة التي أركعته ، و أبطلت فعالية هذه الآلة العسكرية الجهنمية ، و أسطورة جيشها الذي لا يقهر ، صب جامّ غضبه على الأرض فأحرقتها ، و جرف كل ما تبقى من شوارعها وبنياتها التحتية ، ولم يسلم شبر واحد من أرض غزة من هذا التصرف البربري ، و الذي يذكرنا بسياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها فرنسا طيلة قرن و اثنتين و ثلاثين سنة في الجزائر …و الهمجية ملّة واحدة …

هذه الحرب التي خلفت أكثر من مئتي ألف ضحية بين قتيل وجريح ، و إلى آخر دقيقة قبل موعد وقف إطلاق النار ، كان وابل القنابل يلعلع في سماء غزة ويخترق بناياتها ، ودورها ، فيتعالى دوي انفجاراتها المهول ، ولعل دولة الكيان المجرمة تتعمد خرق هذه الهدنة بين الحين والآخر ، أتدرون لماذا ؟

 لأن راعي هذه الهدنة هو ذراعها الأيمن الذي ساندها في هذه الحرب بكل ما تحتاجه ، ولم يبخل عليها بشيء ، و قاتل معها بالعدة والعتاد ، و زوّدها بعناصر ميدانية مساعدة عندما لم يقو جيش الاحتلال على كبح جماح شعلة هذه الانتفاضة المقدسة التي أصبحت طوفانا ، ولم يستطع مجابهة رجاله قليلي العدد و العدة والعتاد …وكانت عدتهم وعددهم وعتادهم الأقوى الإيمان العميق بعدالة قضيتهم ، واستعدادهم المطلق للدفاع عنها بالنفس والنفيس ….

قد يختلف الانطباع حول هذه الهدنة التي سرى فيها وقفٌ لإطلاق النار منذ مدة قصيرة ، فمن المتابعين من يخرج بانطباع متفائل ، ويقنع نفسه بكون هذه الهدنة ترفع الكثير من الغبن عن الشعب الفلسطيني الغزي الذي صبر لمدة عامين متتاليين ، و أصبح لصبره حدود ومعالم يجب عدم تجاهلها و تجاوزها ، ولكون هذه الهدنة التي تمهّد لوقف نهائي للحرب ، تشكك الكثيرَ من الصهاينة في حكومتهم التي تشدقت كثيرا بضرورة تركيع حماس ونزع سلاحها ، ولكن لا هذا الهدف تحقق ولا ذاك ، وخرجت المقاومة من هذه الحرب منتصرة ، رغم التضحيات الجسيمة التي قدمتها ، و الكوادر السامية الكثيرة التي فقدتها ….

أما المتشائمون فيعتبرون أن هذه الهدنة تعتبر فخّا عظيما نصبته الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا لتحييد جذوة المقاومة عن غزة خاصة وعن فلسطين عامة ، و تكبيل يديها بمعاهدات ومواثيق كتلك التي كبلت بها منظمة التحرير الفلسطينية نفسها عندما صادقت ووقعت على اتفاقيات أوسلو ، التي لم تستطع مخرجاتها إقامة الدولة الفلسطينية المرجوة التي كان يحلم بها الفلسطينيون ، وفوق هذا كله تنصلت إسرائيل من بنود هذه الاتفاقيات تباعا ، بعدما انتزعت من منظمة التحرير ، ومن رئيسها المرحوم ياسر عرفات الاعتراف العلني ، المرئي والمسموع والمكتوب بدولة الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية …

و مهما يكن من أمر هؤلاء المتفائلين ، و أولئك المتشائمين فإن اليقين المطلق بجدوى رأي دون الرأي الآخر هو من قبيل التعصب ، لأن الرأيين يتقاطعان في حقائق واقعية معيشة لا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها …

و قد يخرج الكثير أمثالي بانطباعيين متضادين في آن واحد ، تشاؤم طاغ ، وتفاؤل حذر …..

أولا :التشاؤم الطاغي

عودنا هذا الكيان المغتصب المجرم ان لا نثق فيه قيد أنملة ، فهو كالكثير من الكيانات المحتلة المبتلعة لأراضي غيرها بقوة الحديد والنار ، ليس له ” إلّا ولا ذمة ” فمن يصوّغ لنفسه التعدي على حقوق الآخر وسلبه حاجته وسرقته منها واستباحة حرماته ، لا تردعه دموع الضعيف ، ولا توصيات الوسيط ، ولا قوانين العالم و لا نداء الهيئات الأممية الضعيفة التي لم يعترف بها أصلا عندما اغتصب هذه الأرض وشرد شعبها ، واستمر في جرائمه منذ وطئت رجلاه هذه الأرض ولا يزال ….

لقد عودنا هذا العدو على عدم تصديق ما يقول ، و استحالة الوثوق فيما يمضيه من بيانات ، ولا اتفاقات ولا معاهدات ، لأنه سينقضها حتما إذا رغب ، وفي أية لحظة شاء ، فمن يضمن أن تصمد هذه الهدنة بعد أن يتسلم قادة الكيان كل المختطفين من أيدي المقاومة ، و الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين من سجون الصهاينة ومعتقلاتهم والذين ستعتقلهم سلطات الاحتلال مرة أخرى في أي وقت تريد …..

 ومن يضمن أن لا تعيد دولة الاحتلال هجوماتها على قطاع غزة بأكثر همجية بعد تحرير رهائنها ، كما فعلت في المرات السابقة منذ بدء الطوفان …

سيقول البعض : رعاة هذا الاتفاق سيضمنون تطبيق بنود مخرجات هذه المفاوضات ، وهم مسؤولون أمام العالم والتاريخ في شأن مراقبة سير هذه الهدنة .

و لكن الواقع يثبت أن هناك وسيط واحد فقط هو الذي يمتلك الكلمة العليا ، أما بقية الأعضاء الوسطاء فهم مكلفون بمهمة إلزامية من قبل هذا الوسيط القوي ، وهل يعقل أن نصدق أن الولايات المتحدة التي ساندت إسرائيل منذ نشأتها ، وكل من يريد الفوز بكرسي الرئاسة فيها يجب أن يعبر عن دعمه المطلق لهذا الكيان ، وإلا فلن ينجح في اعتلاء سدة الحكم ، ولو كانت له النسبة المهيمنة من الأصوات . و هي كذلك من تدعم هذا الكيان المصطنع سرا وجهرا ، و لأدل على ذلك أن معظم الأسلحة الفتاكة و القنابل المدمرة التي تحارب بها إسرائيل أهل غزة هي من إهداء الولايات المتحدة…. هل يعقل أن تكون وسيطا نزيها يضمن حق الطرف الآخر ، و لا ينحاز إلى صف مدللته الوحيدة في المنطقة وهي دولة الكيان ، وفي هذه الفترة بالذات ؟

و في حالة ما إذا تم نقض بنود هذه الهدنة ، وعادت الحرب على الغزاويين بعد ما يتم تحرير الرهائن الصهاينة ، هل ستأخذ الولايات المتحدة على يد الظالم ، وتعيده إلى رشده ، أنا شخصيا ، لا أظن ذلك ، لأنها ستلصق تهمها الملفقة الجاهزة ضد المقاومة ، تحملها تبعات خرق بنود الاتفاق ، و تجيز لدولة الكيان مواصلة الحرب ، وتصب غضبها الكلي على الجانب الفلسطيني المقاوم …

أما إذا سار الاتفاق كما يريد الكل ، ونجحت هذه الهدنة في إيقاف الحرب على غزة ، وعودة الأهالي ، ودخول المساعدات ، و وعودٌ من كل دول العالم بالمساهمة في الإعمار ، كيف سيكون اليوم التالي في غزة كما يقول السياسيون ؟ …

من سيحكم غزة بعد هذه الحرب المدمرة ؟ بعد أن أبدت حركة حماس القبول بسلطة فلسطينية بالتنسيق مع فعاليات عربية وإسلامية ، و قبولها كذلك بتسليم أسلحتها لهذه الهيئة الفلسطينية العربية الإسلامية ، كما تروج بعض الأوساط ….وهذه التنازلات من حماس إن صحّت ، ستذكي أوسع مجالٍ لبروز أسئلة كثيرة ، ومتنوعة منها :

ما نوع هذه الهيئة الفلسطينية التي ستتولى تسيير غزة في هذه المرحلة الانتقالية إن صح التعبير ، أهي هيئة مستقلة ، أم خاضعة لسلطة الاحتلال ، أم للسلطة الفلسطينية الوطنية ، أم إلى من يتماهون في مساندة أطروحات الاحتلال …

و الفعاليات العربية الإسلامية كذلك ، يقال عنها ما قيل عن الهيئة الفلسطينية ، التي ستختار لحكم غزة في اليوم التالي :

 هل سَيُنْتَخَبُ لهذه الهيئة الوطنيون الأحرار الذين كانوا يساندون أطروحات المقاومة ، و يرفضون هذه الهيمنة الإسرائيلية على غزة ، وعلى كل الأراضي الفلسطينية المحتلة ؟

أم ستكون تركيبتها من المنبطحين الذين لا يستطيعون قول ” لا ” للصهاينة و للأمريكان .

 وإن اختير تركيب هذه الهيئة من الوسطيين ، فأين نجدهم ؟ لأن الوطن العربي و الإسلامي في مجموعهما قد ميزت فيهما هذه الحرب بين فئتين متضادتين فقط لا ثالث لهما ، فئة الرافضين للاحتلال و المساندين للمقاومة ، و الفئة الثانية هي فئة المنبطحين المطبعين …

أم أن الوسيط القوي هو الذي سيفرض تركيبة هذه الهيئة ، ويفرض على الأمم المتحدة أسماء يرضى عنها هو لتمرير أجندات سرية ، لم تستطع الحرب التي عمرت سنتين كاملتين تحقيقها …وحسب ما نقلته الجزيرة عن مصادرها :” فإن المرحلة الثانية تتضمن تصورا لإنشاء هيئة دولية تحمل اسم “مجلس السلام”، يضطلع بدور في إدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، يرأسها ترامب وتضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.”وهو الطرح نفسه الذي تنادي به مصر وتدعمه لإنشاء هذه الهيئة الدولية لحكم غزة في قمتها المزمع عقدها في شرم الشيخ الاثنين 13 / 10 / 2025 ميلادي ، و قد دعت أمريكا إليها الكثير من الدول ، من بينها إيران التي رفضت الحضور….ولعل هذا الإجراء يتوافق كثيرا مع أطماع هذا المجنون الشره الذي أبدى نيته في شراء غزة ، خلال خرجاته التهريجية الكثيرة في الأشهر القليلة الماضية ، و إن تم تمرير هذا الطرح فسيتحصل على أرض غزة مجانا ، وسيكلف هذه اللجنة الأممية أو ” مجلس السلام ” هذا بتتبع آثار المقاومة فيها لاكتشاف الكثير من أسرارها ، وأنفاقها أيضا ….

وكم ستدوم الفترة الزمنية لهذه الهيئة ؟ هل ستُحدد بمدة زمنية معينة تسبق إجراء انتخابات ، رئاسية وبرلمانية ومحلية في كل أراضي الضفة والقطاع ، أم سيحدد لها أجل ما، يكون بعد إنهاء إعمار غزة الذي سيستغرق سنوات طوال …

هل ستكون هذه الهيئة تابعة للسلطة الفلسطينية ، أم أنها ستكون تابعة للأمم المتحدة ، أم أن إسرائيل ستشرف على عملها ، وتوجهها حسب سياستها القديمة الجديدة في المنطقة ، أم أنها ستكون تابعة للرئيس ترامب مباشرة ….

الشيء المرعب الذي يتوجس منه خيفة كل مسلم شهم ، و كل عربي أبي ، و كل وطني حر ، أن تستغل قوى الشر المتربصة بالمنطقة و ضباع الهيمنة الأجنبية هناك ، وحثالة الانبطاح العربي والإسلامي ، هذه التضحيات الجسيمة التي قدمتها المقاومة ، و التي صبرت عليها كل شرائح المجتمع الغزي ، و شيعت من أجلها القوافل المؤلفة من الشهداء الأبطال ، و مئات الآلاف من الجرحى والمعطوبين ، و رضت بتدمير بيوتها وتهجير أطفالها وشيوخها وعجائزها ، وكهولها ، وتخرج هي منها خالية الوفاض ، تستيقظ من بحر هذه المأساة الدامية ، وتبحث عن قطرة ماء تتوضأ بها من رَهَجِ هذه المعركة وغبارها فلا تجد إلا سرابا ” يحسبه الظمآن ماء” ….

ثانيا : التفاؤل الحذر :

رغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الشعب الغزي ، في الأرواح ، و الجرحى ، و في العدة والعتاد ، وتدمير للبنى التحتية التي غيرت ملامح المدينة ، و مسحت كل معالمها العمرانية و الحياتية ، إلا أن مقاومتها الباسلة وصبر شعبها الأبي قد أوسلوا صرخة معاناتهم التي يعيشونها كل يوم تحت وطأة هذا الاحتلال الغاشم ، إلى كل شعوب العالم ، بعد أن خَفَتَ صوت القضية الفلسطينية ، و شارف على الاندثار عقب اتفاقيات أوسلو ، فبعد أن كانت القضية الفلسطينية قضية إنسانية ، أصبحت قضية إسلامية ، وبعدها حولها القوميون العرب إلى قضية عربية ، وبعد اتفاقيات أوسلو أصبحت قضية فلسطينية بحتة ، الصراع فيها ينحصر بين الصهاينة والفلسطينيين ، وبعد قيام السلطة الفلسطينية ، أصبح الصراع بين الصهاينة وجزء من الشعب الفلسطيني ، بعد أن تعرض جزء منه إلى التدجين و الاستسلام و المسالمة و تخلى عن أنيابه و مخالبه طوعا ، أما الآن وبعد طوفان الأقصى استرجعت صداها على كل الأصعدة خاصة ما يتصل منها بالبعد الإنساني و الإسلامي ….

رسم طوفان الأقصى معالم نفسية جديدة للفرد المسلم الذي كبلته الحروب النفسية الوهمية التي عاشها في مخيلته عن ضعفه وعدم قدرته على مجابهة هذه الجيوش التي لا تقهر ، و عجزه عن مجاراة هذه التكنولوجيا المهيمنة التي لا يمكن أن يقف أمامها إلا في ثوب المستسلم ، مكتوف الأيدي، لأن امتلاكها في تصوره محال ، و توظيفها عبث ،ففاقد الشيء لا يعطيه ، ولا يستطيع توظيفه أيضا …ولكن بعد هذا الطوفان استرجعت شخصية الفرد المسلم ثقتها بنفسها ، و أصبحت تعيش واقعها الحقيقي، و هي مستعدة للمواجهة في كل الظروف و الأحوال ، لأنها شاهدت عين اليقين معجزة الفئة القليلة التي عبثت بمقدرات الفئة الكثيرة ، و تلاعبت بقواتها المادية والعسكرية ، بأبسط الوسائل المعجونة بالمهج و الإيمان و الصبر والثبات …

وعلى مدى هذين العامين المنصرمين اكتشف الفرد المسلم أنه إذا أراد فإنه يستطيع أن يحقق كل ما يريده حتى بإمكانيات بدائية ، و يقوى على امتلاك أعقد التكنولوجيات ، و يستطيع أن يكوّن ثروة مادية ومعنوية كبيرة جدا عن طريق استثمار موارده العقلية و النفسية والعاطفية ويجابه بها هذا الآخر وغيره ، إ ذا استعاد ثقته بنفسة التي غيبتها موجة الاستعمار الحديث على أرضه وكيانه وروحه ودينه ولغته،و غيبتها كذلك الصراعات الداخلية على فتات السلطة المستلب أصلا ……والإيمان بالقضية ، وإخلاص النية في عمله لربه ومولاه ، و العمل المنظم و الدؤوب ، و التضحية المطلقة من أجل تحقيق هذا الهدف المقدس ….

كسر هذا الطوفان كذلك حاجز الخوف الذي كبل واقع الأمة ومصيرها، من قوة وعدة وعتاد العدو ، فها هي حفنة من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه تعبث بأعتى جيوش العالم مجتمعة قوة وجبروتا ، و آلة عسكرية ، وقوى استخباراتية ، وتكنولوجيا حربية و رقمية عالية الدقة ، و داست على جميع جموعها المستنفرة ، و تمكنت من امتلاك تكنولوجياتها عالية الدقة بوسائل بسيطة ….

رغم الدمار الذي أصاب البلد ، ولم يسلم منه لا البشر ولا الشجر ولا الحجر ، و لا المدر ، ورغم المدة الطويلة التي حاول فيها العدو فك قيد أسراه ، لكن الكلمة الأخيرة عادت إلى أسود المقاومة الذين قال ملثمهم يوما : ” لن تستطيعوا تحرير أسراكم إلا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات ، و لا يكون ذلك إلا عن طريق صفقة لتبادل الأسرى من الجانبين ” فعلا هي بشارة خير للإنسان المسلم الذي يجب من الآن ، و في مستقبل ما يأتي من أيام، أن تكون كلمته هي العليا مع عدوه ، نافذة كالرصاصة إذا انطلقت وحلقت في الفضاء الرحب لن تعود أبدا إلى ماسورة وبيت نار بندقيتها ،وتتجه مباشرة إلى قلب الهدف ، وعلى العدو و الصديق معا أن يحسبا لهذه الكلمة ألف حساب …..

جلبت هذه الحرب تعاطفا منقطع النظير للشعب الفلسطيني ، وقضيته العادلة خاصة من الدول الغربية التي كانت إسرائيل تظنها من المعاقل الأساسية التي تساند قيام كيانها و تدعمه وتدافع عنه ، كبريطانيا وأستراليا وإيطاليا والنرويج و الكثير من دول العالم. و انتقلت حمى مناهضة هذا الكيان الدموي من السياسة إلى الرياضة ، وتمنت الكثير من الفرق الأوربية و مدربوها عدم تأهل دولة الكيان إلى نهائيات كأس العالم ، ولأدل على ذلك ما صرح به مدرب الفريق الإيطالي ، ومدرب فريق النرويج ، وما فعلته جماهير الكثير من الفرق الأوربية وآخرها الفريق النرويجي الذي كانت مدرجات ملعب مباراته مع فريق دولة الكيان مليئة بالأعلام الفلسطينية ، وكأن الشعب النرويجي يريد التكفير عن ذنب صفقة اتفاقيات أوسلو التي أبرمت في بلده و التي لم تجلب إلا الدمار و الذل و الهوان للشعب الفلسطيني .

فرزت هذه الحرب المدمرة على غزة ، الأصيل من المزيف ، و استطاعت التفريق بين التبر و التراب ، و ميّزت بين ما هو ذهب أصيل لا يصيبه التحول و لا الصدأ ، وبين ما هو يلمع و يتلألأ ،لكنه سريع التآكل و الاندثار ،يسوّد وجهه مع أول محاولة اختبار ….فرزت هذه الحرب بين الأخ الحقيقي و الأخ المزيف ، وبين الصاحب الأصيل ، و الصاحب المنافق ، الذي يريد تحقيق مآربه على حساب دمار الجميع .

يقول أبو العتاهية :

وفرزُ النّفوس كفرزِ الصّخور

ففيها النّفيس وفيها الحجر

وبعضُ الأنام كبعض الشّجر

جميلُ القوامِ شحيحُ الثّمر .

وبعضُ الوعودِ كبعض الغُيُوم

قويّ الرعودِ شحيحُ المطر

وكمْ من أسيرٍ بقلبٍ طليق

وكم من طليقٍ كواه الضّجر

فكم من أخ كريم في الحياة ، لم تلده أمك ، لبى نداء استغاثتك من وراء البحار و المحيطات ، و ساند قضيتك بكل ما أتيح له من مال وجهد ووقت وصوت ، وكم من عدو كان توأمك بالرحم ، ورث أعمال و تصرفات ، و سادية و نرجسية ، وجشع ” قابيل ” ولم يكفه كره أخيه فقط ، بل ساند عدوه عليه .وتلذذ بتعذيب أهله و إخوته ، والأقربين ….

و في الأخير:

ستطالعنا الصفحة الأخيرة من هذا المسلسل الدرامي الحزين ،بلا ريب مكتوب فيها بالبنط العريض :

دولة الكيان ، ودولة العم صام هما وجهان لعملة واحدة ، فكيف سمح العالم والعرب و المسلمين ، أن يكون ” اللعّاب احميدة ، والرشّام احميدة “؟

,وكيف يكون الخصم ” هو الخصم الحكم في آن واحد ” ؟

وقد ظهر هذا جليا في خطابات المجاملة والمدح والثناء ، نهار اليوم 13 / 10 / 2025 ، والتي نقلتها الكثير من شاشات الفضائيات العالمية من كنيست الكيان ، وكشفت الكثير من الأسرار التي كانت مستورة قبل اليوم ، ورغم أن الخزان الجمعي للعرب و المسلمين يحتوي على قاعدة ذهبية رائدة تؤكد أنه ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ” ، و لكن عودنا العصر الحاضر أن السواد الأعظم من الكيانات المتهالكة لهؤلاء العرب والمسلمين إذا لُدغت أيديهم من جُحر ما مرّة ، أدخلوا فيه أرجلهم و رؤوسهم مرات عديدة أخرى، و تلذذوا بسمّ اللدغات العنيفة المتتالية ….

وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام حين خصّ المؤمن دون المسلم في هذا الحديث الشريف ، لأن نسبة التسعين بالمئة من العرب والمسلمين الآن هم مسلمون ، وليسوا مؤمنين ،و هذا هو السبب الرئيس في انتكاساتهم المخزية المتتالية ، وصدق الله العظيم حين قال : ” قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” الحجرات 14

للأسف الشديد لقد أصبح أغلبنا أعرابا مسلمين من جديد ، بعد أن كان أجدادنا مسلمين مؤمنين ….ولو كنّا مؤمنين حقا لصدق فينا قول الله تعالى ” و كان حقّا علينا نصرُ المؤمنين ” الروم 47

لقد بدأت رحلة الإيمان الحقيقي مع هذه الشلة القليلة التي يمثلها الملثم و أصحابه ، فهل سيمتلئ درب الأمة بأمثالهم من المؤمنين من جديد ….؟؟؟!!!