قراءة في كتاب “تأمّلات في الخطاب الأدبي العربي المعاصر” للمؤلّفيْن لمجد بن رمضان ورقيّة محمد سعيد
عبد الستار الجامعي
يُعتبر كتاب «تأمّلات في الخطاب الأدبي العربي المعاصر»، الصادر حديثا عن دار خيال للنشر، للأستاذ بجامعة ليون الفرنسية لمجد بن رمضان والأستاذة بالأكاديمية الليبية رقية محمد سعيد، من الإضافات البارزة في النقد الأدبي العربي الحديث. فهو يُقدّم دراسةً شاملة للخطاب الأدبي العربي في العصر المعاصر من خلال تحليل نماذج سردية متنوعة تشمل الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية، مع التركيز على السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي أنتج هذه النصوص. يتميز الكتاب بتنوّعه الجغرافي والنوعي، حيث يضمّ نصوصًا من مصر، الخليج، تونس، ليبيا وغيرها، الأمر الذي يمنح القارئ صورة متكاملة عن التجارب الأدبية المختلفة، ويعكس وعي المؤلّفيْن بأهميّة دراسة الأدب العربي المعاصر من منظور متعدد الأبعاد، وبعيدًا عن التركيز على نصوص كلاسيكية أو بيئات محددة.
تتمحور إشكاليّة الكتاب حول قدرة الخطاب الأدبي العربي المعاصر على التعبير عن التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية. ومن هذا المنطلق، يُقدّم المؤلفان تحليلًا معمّقًا للنصوص المختارة، مع مراعاة التنوّع الجغرافي والنوعي والمنهجي، ما يمكّن القارئ من فهم النصوص على مستويات متعدّدة، سواء من حيث البنية الفنية أو الدلالة الرمزية أو السياق الاجتماعي والثقافي.
يعتمد الكتاب على مناهج نقدية متنوعة تشمل المنهج البنيوي والمنهج التداولي، إضافة إلى المنهج الثقافي والاجتماعي الذي يسلط الضوء على تأثير الظروف التاريخيّة والثقافية في إنتاج النصوص، والمنهج التأويلي الذي يُتيح قراءة النصوص ضمن مستويات متعدّدة، مع التركيز على الدلالات الرمزية والمعاني الخفيّة. ويُظهر هذا التنوّع المنهجي قدرة المؤلفيْن على الجمع بين التحليل النصيّ الدقيق وفهم السياق الأوسع للنصوص، ما يمنح القارئ رؤية شاملة ومتعدّدة الأبعاد للخطاب الأدبي العربي المعاصر.
تتوّزع مادّة الكتاب على فصول عشرة رئيسيّة، يُعالج كُلّ فصل نصًا أو مجموعة نصوص من زاوية محدّدة، حيث يقدم الفصل الأول دراسة حول الترحال وأثره في الرواية المصرية الحديثة مع التركيز على أعمال صنع الله إبراهيم خاصة، موضحًا انعكاس التجربة الشخصيّة للكاتب على التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر. ويحلل الفصل الثاني الرواية الخليجية من منظور التداولية، مستعرضًا العلاقة بين النصّ والقارئ وكيفيّة تأثير النص الروائي على تشكيل وعي الجماعة. أمّا الفصل الثالث، فيُسلّط الضوء على رواية «كلاب جلجامش» للشّاعر والروائي العراقي شاكر نوري، مركزًا على الرمزيّة وكسر أفق الانتظار لمعالجة موضوعات الحرب والصراع. ويقدم الفصل الرابع دراسة معمّقة للكتابة النسوية في الأدب العربي المعاصر، من خلال التركيز على كتابات ليلى العثمان ووداد الحبيب وخيرة الساكت، مستعرضًا انعكاس التجربة الذاتية والاجتماعية للمرأة على الخطاب الأدبي. وتشمل الفصول الأخرى المؤثثة لهذا الكتاب نماذج من السير الذاتية والنصوص الليبية والتونسية، ما يعكس شمولية الدراسة واهتمام المؤلّفيْن بالنصوص الأقل حضورًا في الدراسات النقدية السابقة.
وتتجلى أهمية هذا الكتاب في تنوعه الجغرافي والمنهجي الذي يمنح القارئ صورة متكاملة عن التجارب الأدبية العربية المختلفة، بعيدًا عن التركيز على نصوص كلاسيكيّة أو محددة جغرافيًا. ويتيح التعدد المنهجي القدرة على فهم النصوص على مستويات متنوعة من حيث البنية والمعنى والسياق الثقافي والاجتماعي، ما يعكس حرص المؤلّفيْن على الجمع بين الدراسة الأكاديميّة الدقيقة والانفتاح على قراءة النصوص بطريقة متعدّدة الأبعاد. إلى ذلك، فالكتابُ يُظهر اهتمامًا واضحًا بالنصوص الهامشية وغير المتناولة بالتحليل، وهو ما يُعزّز مكانته كمرجع مهمّ للباحثين والمهتمين بالأدب العربي المعاصر، بالإضافة إلى وضوح العرض والتنظيم الداخلي للفصول الذي يُسهّل متابعة الأفكار وفهم العلاقات بين النصوص والسياقات الثقافية المختلفة.
كما يتميز الكتاب بقدرته على إبراز العلاقة بين النص والسياق، حيث إنه لا يقتصر على تحليل الشكل الفنّي للنصوص فقط، بل يتعدّاه لفهم العلاقة بين النص والسياق الذي أنتجه، وهو ما يمنحه قيمة عالية في المشهد النقدي العربي، ويجعله، بلا شك، مرجعًا لا غنى عنه للباحثين المهتمين بالخطاب الأدبي العربي.
ويبرز الكتاب، أيضًا، قدرة المؤلّفيْن على المزْج بين التحليل العلمي الدقيق والقراءة النقديّة المبسّطة، ما يجعل محتواه مناسبًا لشرائح مختلفة من القرّاء، من الأكاديميين إلى المهتمين بالأدب العربي بشكل عام. فأسلُوبه السلس والواضح يُسهّل على القارئ متابعة الأفكار المعقدة دون المساس بالعمق النقدي المطلوب.
إجمالا، يمكن القول إنّ كتاب «تأمّلات في الخطاب الأدبي العربي المعاصر” يُمثّل إضافة نوعيّة للمشهد النقدي العربي، فهو يجمع بين التنوع الجغرافي والتعدّد المنهجي، كما أنّه يُقدّم نموذجًا يُحتذى به في الجمع بين الدراسة النقدية المعمّقة والانفتاح على النصوص الجديدة والمتنوعة، ما يُعزّز فهم الخطاب الأدبي العربي، ويُثري النقاش الثقافي في العالم العربي.





