المجلة الثقافية الجزائرية

للكأسِ ثلاثةُ أنصافٍ

عماد يحيى عبيد

سأقولُ ما لمْ يقلهُ القتيلُ،

وما لمْ تقلهُ فضّةُ المشيبِ:

سأقولُ عن الشمسِ أنّها ضريرةٌ، وهذا الفضاءُ أسيرُ الفراغِ،

على رسلِها تمضي المصائرُ، ويمضي الدبيبُ بغيرِ اكتراثٍ،

تحرسُ الضجّةُ بيتَ العزلةِ، يمحو الترابُ دفاترَ الحنينِ.

سأقولُ ما ستأتيهِ المشيئةُ،

وما سترويهِ بلاغةُ السكوتِ،

عنْ بؤسنا المقطوعِ منْ شجرٍ لقيطٍ.

عنْ ظلنا الأقصرِ منْ باعِ الغريبِ.

سأقولُ عن الكأسِ بأنصافهِ:

عن حلوهِ البسّامِ في الوجهِ الرضيعِ

عن مرّهِ الرابضِ فوقَ أهدابِ المقلْ

عن رواغِ الطعمِ بين الرعشتينِ

….

قدْ أقربَ سيرةَ الصباحِ.

لنْ أتركهُ لعشّاقِ القهوةِ وهواةِ الفيروزِ،

سأميطُ عنهُ لثامَهُ، سأفضحهُ على مرأى الندى.

الصباحُ حصانُ الشهوةِ، لا يخلفَ معَ الصحبةِ وعداً، ما أنْ يفركَ غبشَ النومِ، سيأتيكم بحسنهِ الأخيرِ، يسبقهُ عطرُهُ الثرثارُ،

ليفشيَ بأسرارِ أجملِ المعاركِ.

سأمرُّ مرورَ البخيلِ على الظهيرةِ.

الظهيرةُ كبّةُ صوفٍ منفوشةٌ

دخانٌ يبحثُ عن نافذةِ نجاةٍ،

مطحنةٌ تجرشُ بختَ الأرزاقِ،

صقيعٌ يتعاركُ مع دفءٍ أعزلٍ.

….

انتظرُ يقظةَ المساءِ.

كلّما تأخرَ في قيلولتهِ، كلّما ازدحمتِ الشوارعُ بالدمى الراكضةِ،

يفسحُ الدربَ ليانعاتِ الهوى،

لولاهنَ …! لاختنقَ البارودُ في جوفِ الرجالِ،

وانطفأتِ الرغائبُ فوقَ صحراءَ الوسائدِ.

….

لا طقسَ يشبهُ مكرَ الليلِ،

يا لليلِ، !! …

كتابٌ يزخرُ بالإعجازِ، سهرةُ عرسٍ شرقيةٍ، مشوارٌ بينَ قلبينِ، يحبُّ بناتَ الأفكارِ، يفردُ لهنَّ خرائطَ السريرِ،

يسلّمُ أمرهنَّ لكهنةِ الجسدِ

….

سأحدثُكم عن الغيمِ الزاجلِ،

عنْ قطنهِ المندوفِ فوقَ مدائنَ الحفاةِ، عنْ لوحاتهِ الناعسةِ في متحفِ العراءِ، بريدُ الأعالي إلى جنّةِ العذابِ، رسولُ غرامِ الثريا،

يسافرُ دونَ مظلةٍ، يزربُ الوعدُ من جدائلهِ، ينأى عن كرومَ الملحِ،

يرطّبَ ذاكرةَ الخرافةِ.

سأقولُ في النّارِ المدائحَ والغزلْ،

سأقولُ عنها ما تشتهي،

عن قدِّها الممشوقِ كالغضبِ الجريحِ،

عرافةُ بختِ الرعاةِ، سامرةُ الأرواحُ الثكلى،

قبستُها منْ عِظاتِ المبشرينَ، عجنتُها مع رمادِ نسلها، أقمّرُها على صاجِ الفتنةِ،

أخبئُها للحشرِ الأعظمِ.

……

تشغلني هذي الأرضُ المبسوطةُ،

هلْ كانَ منْ دوّرها يحبُّ التفاحَ؟

أمْ كانَ يتعبدُ في غارِ النهدِ؟

قالوا: كانتْ تتكئُ على قرنِ الثورِ، سقطتْ في سلةِ مختارِ الكونِ، سوّاها عروساً محتشمةً، خلعتْ طرحتَها واختالتْ، مالتْ مع نعماءِ الدنيا، أضحتْ غابةَ أنسٍ وحشيةٍ، حبستْ أنفاسَ الماءِ، تدورُ حتى يدوخَ الرصاصُ، ترتاحُ على أنغامِ الصراخِ، يمشي الحِدادُ في زقاقاتها بلا عكازٍ، تهدي للأكفانِ أحلامها الفائضةَ،

ترسمُ بأحداقها زهرةً للبكاءِ.

….

يعودُ النهارُ من رحلةِ حربٍ،

يعودُ محمولاً على أكتافِ الموتى، يؤبنهُ النصرُ المهزومُ، تشرأبُ أعناقُ البنادقِ، يصطبغُ الخوفُ بألوانِ الطينِ،

ينسلُّ التعبُ من أجفانِ الضوءِ،

يلوذُ تحتَ قنطرةِ السديمِ.

وأنا المخمورُ بالماءِ الوثني،

أشتاقُ لموسيقا صمّاءَ، لأدبكَ على إيقاعِ العتمةِ، وأغني بلا شفتينِ،

أيامي تُحصي فضائلَها،

بردٌ يترنمُ فوقَ أراجيحَ الحزنِ،

وحريقٌ يأكلُ منْ عشبِ الصدرِ.

ها قدْ أخلى القولُ وفاضهُ،

وانصرفَ الوصفُ إلى ماضيهِ،

نضبتْ أحباري ولغاتي، وانهارَ بياضُ الراياتِ،

ما منْ ريحٍ تعرفُ وجهتَها، ما منْ فرحٍ أكملَ لعبتهُ،

أحتاجُ لمقلاعٍ يقذفُني صوبَ الفلكِ المنسي، يرفعني فوقَ سماءٍ عذراءَ،

ويُسقطُني في فوهةِ وطنٍ.

1/3/2025