المجلة الثقافية الجزائرية

مُدُنُ الماء

شعر: منذر ابو حلتم

في مُدُنِ الماءِ

حيثُ الشوارعُ تَجري،

والأبنيةُ تنهضُ مثلَ نُوافيرَ

تتذكَّرُ شكلَها ثُمَّ تَنساهُ فجأة،

يمشي البشرُ كقطراتٍ تتظاهرُ بالثبات

وهي ترتعشُ تحتَ الضوء.

في مُدُنِ الماء

لا جدرانَ… بل أمواجٌ

تتلوّى كلَّما صرخَ إنسانٌ

ظانًّا أنَّ صوتهُ سيُغيّرُ المدَّ.

الناسُ هناكَ

يمسحون ملامحَهم بأكمامٍ شفّافة،

فتذوبُ الوجوهُ كما تذوبُ الأسماء

على فناجينٍ بلا حرارة.

في مُدُنِ الماء

السياراتُ تركضُ بلا عَجلات،

تسحبُ خلفها ذيولاً من الارتباك،

والجسورُ تتأرجحُ

كأنها لم تُقرّر بعدُ

إن كانت تريد العبور…

أم السقوط.

والبشرُ – يا صاحبي –

يشبهون الماءَ أكثر ممّا يعترفون؛

يتشكلونْ

بحسب كأسٍ مُمتَدّة،

بحسب يدٍ تُمسِك..

أو تهجُر.

يتحوّلون إلى غيمٍ عندَ الغضب،

وإلى مطرٍ عند الخوف،

وإلى أنهارٍ صغيرة

تجري إلى بعضها

فلا تلتقي أبداً.

في مُدُنِ الماء

الحقيقةُ فقّاعةٌ

تلمع للحظةٍ

ثمّ تُصدرُ طقطقةً خفيفة

وتختفي.

والحربُ أمطارٌ حارّة

تسقطُ على السطوح السائلة

فتصنعُ دوائرَ

تتسعُ… وتخنقُ الريح.

والحكّامُ هناكَ

مصنوعون من بخارٍ كثيف،

يظهرونَ عاليًا…

لكنّ أوّل نسمةٍ

تعلّمهم حدودَهم.

أما العاشقون

فيكتبون رسائلَهم

على سطحِ جدولٍ ضيّق،

يعرفون أن الكلماتِ

لن تبقى،

لكنّهم يكتبون…

كي يسمعهم الماء.

وفي آخر المدن

يجيء طفلٌ

يحمل كأسًا فارغًا،

يرفعه نحو السماء،

ويقول للموج:

“أريدُ وطنًا لا يذوب.”

لكن البحر

كان يعرفُ الحقيقة:

نحن الذين نذوبُ

لا المدن.