بقلم عمرو منير محمد
مشهدٌ لا يتكرّر كثيرًا في هذا المول التجاريّ الشهير الذي يعجّ بأرقى العلامات التجارية العالمية.
رجلُ أمنٍ يرتدي زيًّا مميّزًا عليه شعار المول الضخم يقف أمام امرأةٍ قصيرةِ القوام، هزيلةِ الجسد، ترتدي ثيابًا سوداءَ بالكامل تعبيرًا عن حُزنٍ ما، وتقبض بيدها على يد طفلةٍ صغيرةٍ تحملُ حقيبةَ مدرستِها على ظهرها.
أصرّ رجلُ الأمن، الذي تتّسم ملامحه بالغلظة الشديدة، على تفتيش حقيبة الطفلةِ المدرسية.
لم أعلم ـــ أنا وغيري ممّن يقفون في طابور دفع فواتير المشتريات أمام الكاشير ـــ ما الذي جعل رجل الأمن يُصرّ بهذا الشكل على تفتيش حقيبة طفلةٍ لم تتجاوز الأربعَ سنواتٍ من العمر.
تركتُ الصفّ الذي لم يكترث فيه أحدٌ غيري من مرتادي هذا المول لهذا الإصرار الغريب، وتوجّهتُ نحو رجل الأمن لأفهم ماذا يحدث.
تعجّبتُ من حالة اللامبالاة التي ارتسمت على وجوه الحضور حولنا… هل هذه الحالة طبيعية للمتردّدين على هذا المكان؟
لا أعلم، فأنا لا آتي هنا إلا في أوقات التخفيضات المعلنة على بعض السلع التي تملأ بعض متاجر المول.
سألتُ رجل الأمن في تعجّب:
ــ خير يا فندم… البِنت عملت إيه؟
فأجابني بسرعةٍ ممزوجةٍ ببرود:
ــ يا أستاذ… خليك في حالك. دي إجراءات أمنية، وده مش شُغلك.
كان ردّ رجل الأمن جافًّا، وأصرّ على تفتيش حقيبة الطفلة. لم تجد الأمُّ الخائفةُ مفَرًّا من الرضوخ لطلبه، ففتحتِ الحقيبةَ تحت إحدى كاميرات الكاشير لضمان تصوير المشهد بالكامل.
سقطتْ المفاجأة على رأس الأم كالصاعقة.
عثر رجل الأمن على قطعةِ شيكولاتةٍ كبيرةٍ مستوردة موجودةٍ وسط كراسات الطفلة، ويبدو أنها لم تتحمّل الحرارة فذاب جزءٌ منها داخل الحقيبة.
نظر إليّ رجل الأمن وقد ارتسمتْ على وجهه علاماتُ النصر، فقد حقّق إنجازًا بالقبض على سارقٍ مُتلبّس.
هنا ضغط الشابُّ زرَّ جهاز اللاسلكي ليستدعي رئيسه. انهارت الأم وهي تبكي وأكّدت لرجل الأمن أنها لا تعلم شيئًا عن قطعة الشيكولاتة.
باغتها الشاب، الذي يبدو من هيئته أنه ينتمي إلى إحدى المناطق الشعبية بالعاصمة، قائلًا:
ــ بِنتِك حراميّة يا مدام، وإنتِ غالبًا اللي معلّماها السِّرقة!
لم أفهم سبب حدّة رجل الأمن؛ فحتى لو أخذت الطفلة قطعة الشيكولاتة بالخطأ فذلك لا يعني سرقة. هل يُحاسَب الأطفالُ على أفعالهم؟ ما هذا الخَبَل؟!
تدخلتُ لإنهاء الموقف بطلب دفع ثمن قطعة الشيكولاتة للطفلة، فهي باهظة الثمن بالنسبة للأم، حيث لا يستدعي الموقف كلَّ ذلك التضخيم.
وبينما أحاول حلّ المشكلة، ظهر مسئول أمن المول بقامته القصيرة وكرشه المتهدّل، ورفض طلبي بعد أن أعطاني محاضرةً في كيفية تطبيق القانون على السارق، وأصرّ على تطبيق غرامة السرقة على الأم التي ـــ على حدّ قوله ـــ لم تُعلّم ابنتها الفرق بين الحلال والحرام.
بعد جدال طويل، وفي ظلّ بكاءٍ متصاعد من أمّ الطفلة، وإصرار مسئول الأمن على معاقبة السيدة وابنتها، وسط صمتٍ مطبق من زبائن المول الذين شعرتُ أنهم يؤيّدونه بشكل ضمنيّ…
قررتُ أن أنهي الموقف بقبولي دفع الغرامة المالية المطلوبة في قانون هذا المول، وهي ألفُ جنيهٍ نقدًا، مع دفع ثمن السلعة.
دفعتُ الغرامة، وتُركت السيدة وابنتها ليذهبا إلى حال سبيلهما. وبعد أن تأكدتُ من تحرّر الأم والطفلة، عدتُ مرة أخرى إلى مسئول الأمن.
في حديثٍ مقتضب، طلبتُ منه الحصول على إيصالٍ بالمبلغ المدفوع كغرامة، وقطعةِ شيكولاتةٍ مُجمّدة بدلًا من تلك التي ذابت بفعل الحرارة وتمّ دفع ثمنها وتُركت بحوزة رجل الأمن.
يبدو أن مسئول الأمن كان مستعدًّا لمثل هذا الطلب؛ فالإيصال المختوم بختم المول وجدته في انتظاري، لأن ذلك من تعليمات مالك المول التجاري، الذي لا يقبل ـــ حسب تعبير رجل الأمن ـــ أن يستغلّه اللصوص ويستهينوا بتجارته ويَسْطوا على ممتلكاته، وهو حارسٌ مؤتمنٌ على مال مالك المكان.
بعد دقائق من مكوثي في مكتب الأمن، دخل أحد العاملين وهو يحمل شيكولاتةً مستوردةً جديدة، ومعها الشيكولاتةُ التي ساحت في حقيبة الطفلة، موضوعتَين في كيسٍ بلاستيكي شفاف.
خرجتُ من المول التجاري الشهير كمن خرج من سجنٍ منيـع، وأنا أحمل الكيس بعبوتَيِ الشيكولاتة.
المنطقةُ المحيطة بالمول صحراويةُ الطابع، حيث يقبع هذا البناء الضخم كواحةٍ مهيبة من الخرسانة في قلبها الأصفر، التي يُشاع أنها تمّ الاستيلاء عليها بوضع اليد وفرض الأمر الواقع بواسطة رجل الأعمال الشهير صاحب النفوذ والعلاقات المتشابكة.
انتظرتُ سيارةَ أجرة تقلّني بعيدًا عن المول إلى أقرب محطة مترو؛ فأنا لستُ من مرتادي المولات ممّن يملكون رفاهية السيارة الخاصة ذات النفقات اليومية الضاغطة.
وبينما أنتظر أمام المول، ظهر في الأفق سربٌ من السيارات السوداء التي تتحرك نحو المول. وقفت السيارات أمام بابه الرئيسي، وهبط أحد الحرس الشخصي ليفتح الباب لصاحب السيارة الأَفخم بينها. خرج رجلٌ سمينُ الجسد يحمل سيجارًا سميكًا يدخّنه في استمتاع، واصطفّ رجال أمن المول على جانبيه كأنهم حرسُ شرفٍ في استقباله، وعلى رأسهم مسئول أمن المول.
راودتني نفسي أن أذهب نحو رجل الأعمال الشهير وأتقدم بشكوى له بما بدر من مسئولي الأمن في المول الذي يملكه.
وبينما أفكّر في المحاولة، إذ ظهر لي في الأفق ميكروباص بدتْ جدرانه المعدنية كسرابٍ واضحٍ بفعل حرارة الشمس، يطغى على سراب الصحراء نفسها.
وقف الميكروباص، فدلفتُ داخله وجلستُ بجوار أبٍ قرويٍّ يغطي رأس طفلته بقماش عمامته الصعيدية الأبيض، ويبدو على الفتاة التعبُ من شدة الحرارة.
لم أجد شيئًا أفعله لتلك الطفلة المرهقة من شدة الحرّ سوى أن أُخرج من الكيس الذي بيدي إحدى عبوتَيِ الشيكولاتة وأعطيها لها في محاولةٍ لإسعادها.
شكرني والدها، وقد وجد ابنته تلتهمها بنَهَم بمجرد أن أمسكت باكو الشيكولاتة المستورد الذي لم تكن تتوقع الحصول عليه في مثل هذا الجوّ الصعب. لا أعلم كيف لاحظت الطفلة باكو الشيكولاتة الآخر في الكيس… هنا، وبعفويةٍ فطرية، طلبَتْ منِّي عبوة الشيكولاتة الأخرى.
كان ردّي لها سريعًا ودون تفكير:
ــ هذه الشيكولاتة ليستْ لي، ولكنَّها لطفلةٍ في سنّكِ نَسِيَتْها في المول التجاري الكبير الذي يظهر هناك وسط الصحراء… وللأسف تركتْها بالخطأ في حقيبتها حتى ساحت!
ــــــــــــــــــــــــ
…………..
بقلم عمرو منير محمد
روائي وقاص وعضو إتحاد كتاب مصر


