حسين زين الدين الإدريسي
على زاوية ما من هذه المعمورة، وفي رعب المنفى، تسكن قبائل الطوارق الصحراوية؛ حيث تعتبر العمامة أفضل ترجمان عن الهوية المدفونة تحت رمال الصحراء، موزعة في كل من “مالي” و”النيجر” و”الجزائر” و”موريتانيا” و”بوركينا فاسو” و”ليبيا”، وهم في مقاومة شرسة حادة للذوبان مع الحياة المدنية ورمي تراث الأجداد من أجل مواكبة الموضة والحداثة.
يعتبر “الطوارق” أوفياء لتراثهم في اقتناء العمامة؛ حيث لا تجد شابا فيهم مكشوف الرأس، نقيضا للقوميات الأخرى المجاورة لهم، التي لا ترى في العمامة سوى مجرد قماش عادي لا يحمل أي معنى أو رمزية. يعتبرها الطوارق الصحراويون تراثا لأجدادهم النبلاء، وهوية رفيعة؛ فيعتنون بها في شتى المواقف المختلفة، في الحروب واللقاءات السياسية، والأعياد -في جميع الطبقات الاجتماعية- كوسم قديم محبوب، فلا تكاد تجد صورة من صور التاريخ القديم لشخصياتهم بدونها.
ويحكى عن سر ذلك الالتزام قصص تاريخية أقرب ما تكون إلى الأساطير، منها: أن لديهم أعداءً يستغلون غيابهم فينهبون ممتلكاتهم، فأشار إليهم بعض الشيوخ أن يخفوا النساء، ويقعدوا في البيوت ملثمين في زيهن لاستدراج العدو ومكره، وعندما جاء العدو ظنهم نساءً ولم يحذرهم فهزموهم، ثم لزموا اللثام تبركا به لنصرهم.
إلا أن هناك تفسيرا منطقيا يحاول ربط العلاقة مع الظروف الصحراوية القاسية التي تتميز بها مناطقهم كالحر الشديد والعواصف الرملية، في مناخ لا يرحم؛ فالعمامة نائبة مناب المظلة في الحر، والكمامة في الغبار، خاصة في مناطق صحراوية قاسية كـ “شمال مالي” و”جنوب الجزائر”. لكن الدافع الأكبر يكمن في الرمزية القيمية التي اكتسبتها مع مرور الزمن، وصارت لجاماً عن الشر والدناءة في الغالب، واحتفظوا بها بقدر ما يمكن. ومما يذكر في القصص الصحراوية عن شدة تمسكهم: أن رجلهم المقتول في الحرب، قد لا يعرفه طرفه إذا وُجد منزوع العمامة، لا بد من لفها على رأسه حتى يتمكنوا من معرفته.
ومن عادتهم أن الرجل الشريف لا يكشف عن رأسه ويحكم لثامه دائماً، ولا يمكن معرفته إلا من خلال الملامح الضيقة التي لا يحجبها اللثام كالعينين وجزء من الأنف، ويبقى الرجل طيلة حياته مقنعاً بها دون الكشف عن ملامحه، وقد تنشب حرب ضروس بسبب إسقاط العمامة أو اللثام عن رأس الرجل، خاصة زمن “سلطنة إولمدن” النبلاء المحافظين على التقاليد والأعراف. ومما أضفى عليها القداسة كونها تستلزم الأدب والرجولية؛ فالرجل الطارقي الملثم بعمامته يخجل ويستحي من فعل مشين، أو موقف ينقص من كرامته؛ لأنه يستشعر مسؤولية التمثيل لكيانه وهويته.
ولا توضع بشكل طبيعي بل لا بد من أجواء رسمية، مفعمة بالروحانية والأدب، وبحضور الشيخ؛ حيث يستدعى الشاب المؤهل لحمل تراث سلفه، بعد مؤانسة الرجولية فيه، فيلقيها على رأسه، مهديا له بعض النصائح الأدبية عن حملها وعن مقصدها، يوصيه بالوقار والرزانة وغض البصر الذي هو مفتاح الشرور {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} ويشرح له مفهوم اللثام كصورة رمزية تحمل معنى قيمياً راقيا؛ إذ يعتبره الصحراويون المحافظون الطوارق لجاما عن السوء وعن بذاءة اللسان والمنطق، فينصح الشاب بعضّه وقت الغضب حتى لا تصدر منه زلة لسان تخالف قوانين الشريعة والعرف، كما ينصح بسحبها فوق العينين وقاية من النظر في الحرام وإطلاق البصر.
هذه صورة العمامة في المجتمعات الطارقية، وسم للهوية والشرف والأصالة، إضافة للمعنى الفلسفي العميق الذي عبر عنه الأديب “إبراهيم الكوني”: بأن الفم يعتبر عورة، وبه حدثت الخطيئة الأولى للإنسان عندما التقم “آدم” عليه السلام الثمرة المحرمة، والطوارق يخفون عورة الفم بواسطة اللثام خوفا من الوقوع في الحرام والرذيلة. ولو تأملنا بعض الصور المعنوية عنها لوجدناها مصداقا للوحي وآداب الشريعة الإسلامية، كغض البصر عن الحرمات والسفاسف، وكذلك اللثام الذي يعتبر سجنا وقائيا لشر اللسان حالة الغضب، حيث ورد في الأثر النبوي: “ليس الشديد بالصّرعة، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب”.
إلا أن المجتمعات الصحراوية كانت كأي مجتمع إنساني يطرأ عليه التغير؛ فمع غزو المدنية، وتداخل الثقافات، وفيضان عالم الإنترنت، صار هناك نوع من التسامح في شأن العمامة كردة فعل للحداثة، ويمكن القول إنه بسبب رمزيتها تحدت التغيرات الاجتماعية والسياسية، وبقيت صامدة حتى اللحظة. وأرجو من الشباب الملثمين القيام برسالة اللثام، وما يحمل من القيم، والاعتناء بثقافتهم الصحراوية الجميلة، مع مواكبتهم للعالم المتقدم!
المصادر والمراجع:
العتيق بن سعد الدين، الجوهر الثمين في أخبار صحراء الملثمين، مخطوط بالمكتبة السوقية بقرية عبان رمضان، ص 28.
صحيح البخاري، كتاب الأدب.





