المجلة الثقافية الجزائرية

ما لا تلتقطه الكاميرات

الحسين بوخرطة

في المدينة التي كانت تنام قديمًا على أصوات الباعة وتستيقظ على رائحة الخبز، صار الليل أكثر سطوعًا من النهار. الشاشات في كل مكان. على الجدران، داخل الحافلات، فوق واجهات الأبناك، حتى في المصاعد الضيقة التي لم يعد الناس يرفعون فيها رؤوسهم نحو بعضهم البعض.

كان عبد المالك يعتقد، في البداية، أن الأمر مجرد تطور طبيعي. العالم يتغيّر، هكذا قال لنفسه دائمًا. لكن شيئًا ما بدأ يتآكل ببطء، دون صوت.

في المدرسة التي يدرّس فيها مادة الفلسفة، لاحظ أن التلاميذ لم يعودوا يكرهون التفكير كما كان يحدث سابقًا؛ بل صاروا عاجزين عنه أصلًا. كل إجابة تحتاج أكثر من عشر ثوانٍ كانت تُربكهم. كل فكرة طويلة تبدو لهم كأنها طريق بلا نهاية.

وحين كان يسأل: “لماذا حدثت الحروب الكبرى؟”

كانوا يحدقون فيه بنظرات زجاجية، ثم يعودون تلقائيًا إلى هواتفهم.

أما الإدارة، فكانت سعيدة. وصلت أجهزة تعليم ذكية جديدة. ألواح إلكترونية. منصات تقييم فورية. برامج ترصد انتباه التلاميذ عبر الكاميرات الصغيرة المثبتة فوق السبورات.

قال المدير ذات صباح، بفخر: “لقد دخلنا عصر التعليم المتقدم.”

لكن عبد المالك لم يشعر بالتقدم. كان يشعر أن شيئًا غير مرئي يغادر المكان. حتى الضحك تغيّر.

في المقاهي، صار الناس يضحكون بعد نصف ثانية فقط من ظهور أي مقطع على الشاشة، ثم يصمتون فجأة، كأن الضحكة نفسها لم تعد تخرج من الداخل بل من رد فعل آلي محفوظ داخل الجسد.

وفي البيت، بدأت ابنته سلمى تفقد قدرتها على النوم دون الضوضاء البيضاء القادمة من الهاتف. أما ابنه ياسين، ذو الأحد عشر عامًا، فصار يسأل أسئلة غريبة: “أبي… هل صحيح أن الذكاء الاصطناعي سيختار الوظائف المناسبة لنا قبل أن نكبر؟”

• “ربما.”

• “وهل سيعرف أيضًا من يجب أن يتزوج؟”

ضحك عبد المالك، لكنه شعر بانقباض خفيف.

في تلك الليلة، انقطعت الكهرباء عن الحي كله. للمرة الأولى منذ سنوات، عمّ الظلام الحقيقي. خرج السكان إلى الشرفات مرتبكين، كأن المدينة فقدت الهواء فجأة. لا إنترنت. لا موسيقى. لا إشعارات. فقط صمت ثقيل.

عندها سمع عبد المالك شيئًا لم يسمعه منذ زمن بعيد: صوت الريح. وقف طويلًا قرب النافذة. في العمارة المقابلة، ظهرت وجوه الجيران مضاءة بالشموع. بعضهم بدأ يتحدث مع بعضه لأول مرة منذ سنوات. طفلان كانا يركضان في الممر ويضحكان بلا شاشة بين أيديهما.

شعر عبد المالك براحة غريبة. لكن الراحة لم تدم طويلًا. بعد أقل من ساعة، عادت الكهرباء دفعة واحدة. فعادت الوجوه إلى زرقتها القديمة. اختفى الناس داخل الشقق بسرعة، كأن أحدًا استدعاهم إلى مكان أكثر أهمية من العالم الحقيقي.

وفي اليوم التالي، أعلنت الحكومة عن إطلاق مشروع وطني جديد: “المدينة الذكية المتكاملة”. كاميرات أكثر. أنظمة توقّع سلوكي. مساعدات تعليمية رقمية إلزامية للأطفال. خوارزميات لتوجيه الرأي العام والحد من “الفوضى الفكرية”.

كان المذيع يبتسم بثقة وهو يقول: “نحن ندخل المستقبل.”

لكن عبد المالك لم يستطع النوم تلك الليلة. فتح هاتفه. الأخبار تتدفق بسرعة مرعبة: حرائق في الجنوب. شحّ مياه. أعمال شغب في مدينة ساحلية. إفلاس صحف جديدة. اختفاء أحزاب قديمة. ارتفاع قياسي في معدلات القلق بين الشباب.

ثم ظهر إشعار صغير أعلى الشاشة: “تم تحديث ملفك النفسي بنجاح.”

تجمّد. حدّق طويلًا في الجملة. لم يتذكر أنه وافق على شيء. ضغط على الإشعار، فاختفى فورًا.

في صباح اليوم التالي، ذهب إلى المدرسة مبكرًا. وجد العمال يفككون السبورة القديمة من قسمه. سألهم: “ماذا تفعلون؟”

أجاب أحدهم دون اهتمام: “وصل النظام الجديد.”

بعد دقائق، دخل المدير مبتسمًا: “لم نعد بحاجة إلى الدروس التقليدية كثيرًا. المنصة الجديدة قادرة على تكييف المعرفة حسب كل تلميذ.”

• “وماذا سيبقى للمعلم إذن؟”

تردد المدير قليلًا، ثم قال: “التوجيه… ربما.”

في آخر الحصة، نظر عبد المالك إلى التلاميذ. ثلاثون وجهًا مضاءً بضوء أزرق خافت. لا أحد ينظر إلى الآخر. لا أحد يكتب. لا أحد يسأل.

فجأة شعر بخوف حقيقي. ليس خوفًا من التكنولوجيا. بل من الإنسان حين يفقد بالتدريج قدرته على الانتباه، وعلى الشك، وعلى الوحدة الداخلية التي تصنع المعنى.

اقترب ياسين منه مساءً وسأله: “أبي… هل صحيح أن الناس قديمًا كانوا يحفظون أرقام الهواتف في ذاكرتهم؟”

ابتسم عبد المالك بحزن: “نعم.”

فكر الطفل قليلًا، ثم قال بدهشة صادقة: “ولماذا كانوا يتعبون أدمغتهم هكذا؟”

لم يجب.

رفع رأسه نحو النافذة. في الخارج، كانت المدينة تتوهج أكثر من أي وقت مضى. لكن شيئًا في ذلك الضوء بدا له شبيهًا بالاحتراق البطيء. وفي البعيد، كانت صفارات الإنذار ترتفع للمرة الثالثة ذلك الأسبوع. أما الهاتف، فظل يهتز فوق الطاولة… كأنه يعرف شيئًا لم يعرفه البشر بعد.