المجلة الثقافية الجزائرية

بين الشيطنة والتقديس.. صورة رجل الدين في الأدب والدراما العربية

محمد صالح رجب

من الموضوعات التي تستحق الاهتمام موضوع الدعوة إلى الله؛ ففي الوقت الذي يأمرنا فيه ربنا -تعالى-أن تكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تقتصر مهمة الداعي على البلاغ فقط تاركاً أمر القبول والهداية لله تعالى، نجد نماذج لدعاة مغايرة لما أمر الله به. حتى إن بعضهم -بدلاً من أن يكون وسيلة لهداية الناس-يصبح سبباً في نفورهم؛ بسبب الهيئة والأسلوب والصورة التي يقدم بها نفسه ودعوته.

والسؤال الذي يطل برأسه هنا: هل ساهمت الآداب والفنون في تكوين تلك الشخصية وتكريس صورتها لدى المتلقي، بل ولدى الداعية نفسه؟ هل الأدب والفن متهمان أم مجني عليهما؟ كيف تناول الأدباء صورة الداعية ورجل الدين عموماً في أعمالهم؟ وما الصورة التي قدمها الفن لهما؟

لا يمكن الادعاء بأن الفن -كما الأدب-كان على شاكلة واحدة في تعاطيه مع رجل الدين؛ فالبعض غَالى في تقديمه بصورة ملائكية: لطيف، حكيم، مبتسم، يصبر على الأذى، يرد السيئة بالحسنة، وصاحب كرامات. والبعض الآخر غَالى -أيضاً-في تقديمه بصورة مناقضة تماماً؛ فهو الأجش الغليظ، العنيف، المنفر، الأَكول، المِزواج، السطحي، والمشعوذ. وبينهما قلة تناولت الداعية بموضوعية، فقدمته كإنسان له مشاعر؛ يحب ويكره، يفرح ويغضب، يصبر ويقاوم، ويتكلم بلغة الناس العادية.

ففي فيلم “الناصر صلاح الدين” مثلاً، قُدم القائد كداعية بأفعاله وسلوكه؛ فهو المسلم المتسامح الذي يسمح بإقامة شعائر مخالفيه في المعتقد، ويصبر على الأذى، ويفرج عن الأسرى، ويقدم إليهم الطعام والماء، بل ويعالج أعداءه. ونموذج آخر من الفن الذي يقدم الداعية بصورة ملائكية هو مسلسل “الإمام المراغي” الذي قام ببطولته الفنان الراحل حسن يوسف.

وعلى صعيد الدراما العربية، مال قطاع واسع من المسلسلات التاريخية والدينية إلى تقديم سير الصحابة والأئمة بقدرٍ عالٍ من التقديس والهالة النورانية التي تجعل الشخصية منزهة عن الخطأ البشري تماماً. هذا النمط -الذي نراه في مسلسلات تاريخية كبرى ركّز على الخطابة والفصاحة والورع المطلق، مغفلاً في كثير من الأحيان الجوانب الإنسانية البسيطة والصراعات النفسية الداخلية التي يمر بها أي بشر، مما خلق فجوة بين واقع المتلقي وهذه النماذج الحالمة، والأمثلة في هذا السياق أكثر من أن تُحصى.

وعلى الجانب الآخر، قُدم الداعية في كثير من الأعمال الفنية الأخرى في صورة “شيطان”، ولم يقتصر الأمر على السينما، بل امتد للدراما التلفزيونية التي كرست في فترات معينة صورة (الشيخ المتطرف)؛ فظهر رجل الدين في الحركات المتشددة كشخصية أحادية الأبعاد، يُحركها شبق السلطة والمال، وتفتقر لأي عمق إنساني أو فكري، وهو ما رأيناه في أعمال ناقشت قضية الإرهاب، حيث قُدم الفكر المتشدد كحالة من الجهل الأعمى والانسياق الغريزي دون مناقشة الجذور الفكرية العميقة للمشكلة.

والأمر لا يختلف في الأدب عنه في الفن؛ ففي رواية “مولانا” للكاتب إبراهيم عيسى، قُدم رجل الدين بصورة المنافق الوصولي، الذي يداهن السلطة، ويتجمل أمام الشاشات، ويتفنن في جذب الجمهور إليه. وفي رواية “عمارة يعقوبيان” لعلاء الأسواني، برزت شخصية “عزام” الذي لا تفارق المسبحة يده، في حين يسعى في الخفاء لإشباع شهواته ونفوذه.

وعلى النقيض، قدم أحمد شمس الدين الحجاجي رجل الدين بشكل ملائكي في روايته “سيرة الشيخ نور الدين”، والأمر ذاته فعلته الدكتورة هويدا صالح في رواية “جسد ضيق”. في حين قدمت الدكتورة سهير المصادفة في روايتها “شيء من سالومي” شخصية رجل الدين الأقرب للواقع، وهو الإنسان الذي يخطئ ويصيب ويتقبل النقد.

وكما فعل الأدب، لحقت به الدراما في محاولاتٍ مميزة لكسر هذا الاستقطاب الحاد بين الشيطنة والتقديس؛ فقدمت السينما الكلاسيكية قديماً فيلم “الشيخ حسن” للفنان حسين صدقي، حيث قُدم رجل الدين كجسر للتواصل الاجتماعي ومصلح يواجه التعصب. وفي الدراما الحديثة، قدم الكاتب عبد الرحيم كمال في مسلسل “جزيرة غمام” شخصية “الشيخ عرفة” كنموذج للتدين الفطري السمح؛ فلم يكن عرفة معصوماً، بل كان يخطئ، ويخاف، ويضعف أمام فتنة الدنيا، لكنه كان يحمل قلباً نقياً يبحث عن الله بالحُب لا بالترهيب، مما جعله نموذجاً واقعياً لمس قلوب المشاهدين وأعاد لرجل الدين صورته الإنسانية المفقودة.

ورغم هذه المغالاة -في كثير من الأحيان-في تقديم صورة رجل الدين في الفن والأدب سلباً أو إيجاباً، إلا أننا لا يمكننا وضعهما وحدهما في موضع الجاني؛ فالأدب والفن في النهاية مرآة وانعكاس للمجتمع، فضلاً عن أن الدعاة أنفسهم ساهموا في هذا الأمر بشكل أو بآخر، حين سمحوا بتسلل الدخلاء وغير المؤهلين إلى ساحاتهم دون مقاومة تذكر.

وختاماً، تبقى مهنة الوعظ والدعوة من أَجلّ المهن وأشرفها، ولخطورتها البالغة وجب ألا يتصدر لها إلا الأكفاء المؤهلون.

                                                                                      

                                                               *كاتب مصري