المجلة الثقافية الجزائرية

القصيدة التي قتلت قائلها

التجاني صلاح عبدالله المبارك

لا يعدم الإنسان المبدع والناجح في مسيرته وحياته أفرادًا يتمنون له الفشل أو السقوط، أو ربما الموت! وهذا بطبيعة الحال يكون من نفوس شريرة، ونتيجة دوافع واختلالات نفسية، مثل دوافع الحسد أو البغض أو الطمع، أو حب الذات!

ومن أجل هذا فإنهم يسعون لتفريغ هذه الشحنات النفسية، حتى وإن نتج عن ذلك إزهاق تلك الشخصيات البريئة والناجحة والمتميزة والمبدعة!

قصة القصيدة التي سأتحدث عنها -بعد أن سئمنا أخبار الحروب، ونفاق ومداهنة السياسيين في الوقت الراهن- هي نموذج لهؤلاء المبدعين الذين كانت أقدارهم الموجعة (وقدرنا أيضًا) أن تغتالهم النفوس الشريرة، قبل أن يصل إلينا الكثير من نتاجهم وأشعارهم المتفردة والبديعة!

مهما يكن من أمر القصيدة، ورغم اختلاف سرد الروايتين اللتين يؤكد رواة الشعر أنهما موضوعتان، فمن المؤكد أن لها قائلها، الذي اختلف الرواة أيضًا في اسمه ولم يتفقوا عليه! وهذا من شأنه أن يجعل القصيدة أكثر ألقًا وسحرًا

وقصتها، كما قدم لها العلامة “عبد العزيز الميمني”، أن ملكة اليمن آلت على نفسها ألا تتزوج إلا بمن يقهرها بالفصاحة والبلاغة ويذلها في الميدان، فلم يتفق ذلك لأحد مدة طويلة، فسمع بها بعض الشجعان البلغاء، وجاء يطلب محلها، فمر ببعض أحياء العرب، فأضافه كبير الحي وسأله عن حاله، فأخبره بما هو فيه، وأطلعه على القصيدة المذكورة، وكان ممن خطب المرأة سابقًا، فحمله الطمع على أن رضخ رأس الرجل بحجر إلى أن مات، وأخذ القصيدة المذكورة وأضافها لنفسه، وذهب إلى المرأة ليخطبها وذكر أنه كفؤ لها.

فقالت: من أي الديار أنت؟ قال: من العراق. فلما اطّلعت على القصيدة، رأت فيها بيتًا يدل على أن قائلها من تهامة، فصرخت بقومها وقالت: الزموا هذا فإنه قاتل بعلي، فأخذوه وعذبوه، فأقر بما فعل، فرجعوا إليها به، فأمرت بقتله فقتلوه، وآلت على نفسها ألا تتزوج بأحد بعده، كرامة لهذه القصيدة.

وقبل أن نطالع نص القصيدة التي عزيت إلى سبعة عشر شاعرًا، كل منهم قد ادعاها لنفسه وهو يكذب في دعواه، ينبغي أن نشير إلى أن قصتها جاءت بشكل مختلف عند “جرجي زيدان”، فقد ذكر في قصتها:

إن فتاة من بنات أمير من أمراء نجد بارعة الجمال، اسمها “دعد”، كانت شاعرة بليغة، وفيها أنفة، فخطبها إلى أبيها جماعة كبيرة من كبار الأمراء، وهي تأبى الزواج إلا برجل أشعر منها، فاستحث الشعراء قرائحهم ونظموا القصائد، فلم يعجبها شيء مما نظموه، وشاع خبرها في أنحاء جزيرة العرب وتحدثوا بها.

وكان في تهامة شاعر بليغ حدثته نفسه أن ينظم قصيدة في سبيل تلك الشاعرة، فنظم تلك القصيدة، وركب ناقته وشخص إلى نجد، فالتقى في طريقه بشاعر شاخص إليها لنفس السبب وقد نظم قصيدة في “دعد”، فلما اجتمعا باح التهامي لصاحبه بغرضه وقرأ له قصيدته، فرأى أن قصيدة التهامي أعلى طبقة من قصيدته، وأنه إذا جاء بها إلى “دعد” أجابته إلى خطبته؛ فوسوس له الشيطان أن يقتل صاحبه وينتحل قصيدته، فقتله.

وحمل القصيدة حتى أتى نجد، ونزل على ذلك الأمير وأخبره بما حمله على المجيء، فدعا الأمير ابنته، فجلست بحيث تسمع وترى، وأخذ الشاعر ينشد القصيدة بصوت عالٍ على جاري عادتهم، فأدركت “دعد” من لهجته أنه ليس تهاميًا، ولكنها سمعت في أثناء إنشاده أبياتًا تدل على أن ناظمها من تهامة، فعلمت بنباهتها وفراستها أن الرجل قتل صاحب القصيدة وانتحل قصيدته، فصاحت بأبيها: اقتلوا هذا الرجل، إنه قاتل بعلي! فقبضوا عليه واستنطقوه فاعترف.

ذكر “الألوسي” في كتابه “بلوغ الأرب” واحدًا وعشرين بيتًا من هذه القصيدة وقال: “وفي الشعر الجاهلي كثير من أوصاف النساء المحمودة، من ذلك قول بعضهم من قصيدة..”، لكنه لم يذكر اسم القصيدة، ونسبها إلى أحد الشعراء الجاهليين

مهما يكن من أمر، ورغم اختلاف سرد الروايتين اللتين يؤكد رواة الشعر أنهما موضوعتان، فمن المؤكد أن لها قائلها، الذي اختلف الرواة أيضًا في اسمه ولم يتفقوا عليه! وهذا من شأنه أن يجعل القصيدة أكثر ألقًا وسحرًا.

فقد ذكر “الألوسي” في كتابه “بلوغ الأرب” واحدًا وعشرين بيتًا من هذه القصيدة وقال: “وفي الشعر الجاهلي كثير من أوصاف النساء المحمودة، من ذلك قول بعضهم من قصيدة..”، لكنه لم يذكر اسم القصيدة، ونسبها إلى أحد الشعراء الجاهليين.

وقال آخرون إنها من غفل شعر ذي الرمة، مع أن ذا الرمة شبب طول حياته بـ”مي بنت عاصم” لا بـ”دعد” المذكورة في القصيدة، وقال الأخفش: هي القصيدة اليتيمة، ولم يذكر اسم قائلها. أما أبو العباس المبرد فقد قال: هي القصيدة التي لا يُعرف قائلها، وهي اليتيمة. وهذا هو الأقرب إلى الصواب كما ذكر المحققون.. من المؤكد أن قائلها قد ترك شعرًا بديعًا وأثرًا خالدًا باقيًا. وفي النص يقول:

هل بالطـلــول لسائـل ردّ أم هـل لهـا بتكـلُّم عـهـــد

أبلى الجديدُ جديدَ معهدها فكأنمــا هـو ريـطـة جرد

من طول ما تبكي الغيوم على عرصاتها ويقهـقه الرعد

وتُـلِـثُّ سـارية وغـاديــة ويكُرُّ نحــسٌ خلفه سـعـد

تلــقى شــآميـةٌ يمــانيــةً لهما بمور ترابها سـرد

فكست بواطنها ظواهرها نـورًا كــأن زهـاءه بُــرد

يغدو فيَسدي نسجَه حَـِدب واهي العرى وينيره عهد

فوقفـت أسألها وليـس بها إلا الـمـها ونـقـانـقٌ رُبـد

ومكـدَّم في عانةٍ جـزأت حتى يهيِّج شـأوها الورد

فتناثرت دِرَر الشؤون على خدّى كما يتناثر العقد

أو نضحُ عزلاء الشَّعيب وقد راح العَسيف بملئها يعدو

لهفي على دعد وما حفَلت إلا بحـر تلـهـــفـي دعــــد

بيضاء قد لبس الأديم أديـ ـم الحسن فهو لجلدها جلد

ويزين فوديها إذا حسرت ضافي الغدائر فاحم جعد

فالوجه مثل الصبح مبيض والشعر مثل الليل مسود

ضدان لما استجمعا حَسُنا والضد يظهر حسنه الضد

وجبينها صَلْتٌ وحـاجبها شخط المخَطّ أزجّ ممتد

وكأنها وسنى إذا نظرت أو مدنف لمــا يُفِـق بعــد

بفتور عين ما بها رَمَــد وبها تداوى الأعين الرُّمْد

وتريك عرنينا به شـمم وتريك خــدّا لونه الورد

وتجيل مسواك الأراك على رتل كأن رضابه الشـهد

والجيد منها جيد جازئة تعطو إذا ما طالها المرد

وكأنما سقيت ترائبها والنحر ماء الحسن إذ تبدو

وامتد من أعضادها قَصَب فَعْم زهته مرافقٌ دُرد

ولها بنـانٌ لو أردت له عقدا بكفــك أمكن العـقـد

والمعصمان فما يرى لهما من نَعْمةٍ وبَضاضةٍ زَند

والبطن مطويٌّ كما طُويت بيض الرياط يصونها المَلد

وبخصــرها هَيَـفٌ يزيّــنه فـإذا تنــوء يكـاد ينـقــدُّ

والتفَّ فـخـذاها وفوقـهـما كَفَل كدعص الرمل مشتد

فنهوضها مثنىً إذا نهضت من ثقله وقعودها فرد

والســاق خرعَبَــة منعَّــمة عَبِلت فطوق الحجل مُنْسد

والكعـب أدْرم لا يبـيـن له حجم وليس لرأسـه حـدُّ

ومشت على قدمين خُصِّرتا وأُلينتا فتـــكامل الــقَــدُّ

إن لم يكن وصل لديك لنا يشفى الصبابة فليكن وعد

قد كان أورق وصلكم زمنًا فذوى الوصال وأورق الصد

لله أشـــواقـي إذا نــزحـت دار بنا ونوىً بكــم تعــدو

إن تُتهِـمي فتَهامـةٌ وطني أو تُنجِدي يكن الهوى نجد

وزعمتِ أنك تضمرين لنا وُدًّا فهـــلا ينــفع الــوُدُّ

وإذا المحبُّ شكا الصُّدود فلم يُعطَف عليه فقتله عمد

تختصها بالحب وهي على ما لا نحب فهكذا الوجد

أو ما ترى طِمرَيَّ بينهما رجل ألــحَّ بهــزله الــجِدُّ

فالسيف يقطع وهو ذو صدأ والنصل يفري الهام لا الغِمدُ

هل تنفعن الســيفَ حِليته يوم الجلاد إذا نبا الــحَدُّ