وليد الأسطل
1
صباح شمبانيا:
ينسلخ الليلُ عن عظمِه الأخير
كأنّه يخلعُ وشايةَ الحدادِ عن جسده ويتركها للريح
تسقط الريحُ في غرامِ الأشجار
وتتهجّى أوراقها كاعترافٍ لا يجرؤ على الاكتمال،ثم ترفعها بخجلٍ كأنها صلاةٌ لم تُتْقَن
يمرّ الضوء فيك كعاصفةِ كشفٍ لا تقاوَم
يمزّقُ آخرَ ما تبقّى من عتمةٍ مترددة
ويفتح في صدرك نوافذ لا تعرف كيف تُغلق
تتخمك الحياةُ حتى تفيض عنك،
تتمايل الأرضُ تحتك كأنها فقدت مركزها
ويتسرّب الصباحُ إليك حتى تصير الخفةُ شكلاً من الجاذبية الجديدة،
لا يملك فيها جسدك يقينَ سقوطه ولا يقينَ نجاته.
2
نافذة على احتمال النجاة:
أستيقظ كلَّ صباحٍ كأنني الناجي الوحيد من انهيارٍ لم يُعلَن في الأخبار.
المدينة تحت قدميّ تتقلب كجسدٍ محموم، العمارات ترفع شرفاتها مثل أيدٍ تستجدي نجاةً مؤجلة، والطرقات تمضي إلى بعضها بلا يقين، كأن الجهات فقدت ذاكرتها ذات حرب.
أتحسس نجاتي كما يتحسس الجريح ضمادته.
أخاف أن أُمحى قبل أن أُفهم.
كلُّ شيءٍ صار هشًّا إلى حدّ أن الضوء نفسه يبدو قابلاً للكسر.
أمشي كثيرا كي لا أسمع الضجيج المتراكم داخلي.
ثمة خرابٌ صغير يقيم في صدري ويعيد ترتيب الأثاث كل ليلة؛
ينقل الحنين إلى جوار الخوف،
ويضع الوحدة في منتصف القلب.
أراقب وجوه العابرين؛
كلُّ وجهٍ حقيبة،
كلُّ عينٍ بئرٌ رُدمت،
وكلُّ ابتسامةٍ ضمادٌ أبيض فوق جرحٍ يتقن التمثيل.
أحاول أن أتذكر متى بدأ هذا الليل الطويل.
هل بدأ حين أصبحت الأوطان تُقاس بعدد حرائقها لا بعدد سكانها؟
أم حين صار الأطفال يسمعون الريح تتدرّب على صوت الرصاص؟
أم حين صار النوم يحتاج إلى هدنة مع الخوف؟
في داخلي مقبرةٌ مزدحمة بالأصوات:
أصدقاء لم يكملوا أعمارهم،
أمهات يخبزن الدعاء بدل الخبز،
بيوتٌ أُغلقت على دفء أصحابها ثم تُركت للغبار،
وأغانٍ قديمة كلما حاولتُ تذكرها سالت من ذاكرتي رائحة دخان.
أحيانًا أشعر بأنني أكبر من عمري بكوارث كثيرة.
كأن السنوات لا تُقاس بالزمن بل بعدد المرّات التي اضطررنا فيها لابتلاع الدموع كي لا ينهار من حولنا.
لقد صار الصبر عضوًا إضافيًا في الجسد،
وصار القلب حيوانًا بريًّا يتظاهر بالألفة.
ومع ذلك،
ثمة شيءٌ غامض يرفض الانطفاء تمامًا.
شيءٌ صغير بحجم شمعةٍ في نفق،
بحجم يدٍ تمتدُّ من حلمٍ بعيد وتربت على كتف العالم.
لعلّ الإنسان خُلِق بهذه العاهة الجميلة:
أن يواصل السير رغم معرفته بأن الطرق كلها مثقلةٌ بالفقد،
وأن يزرع وردةً في أرضٍ لا تُميّز بين القتل والإنبات،
وأن يفتح نافذته كلَّ صباحٍ
كأن الحياة رسالةٌ وصلت بالخطأ،
ولا يريد إعادتها إلى المرسِل.
3
فرنسا…
حلم طويل
تعلّم كيف يشيخ
دون أن يفقد فتنته الأولى،
اسمٌ إذا وقع في القلب
ترك فيه أثرَ خاتمٍ في شمعٍ دافئ،
ضوءُ صباحٍ يتدرّب على أن يكون أبديّا على شرفات الباريسيين،
ظل شجرةٍ يرافق رساماً في ظهيرةٍ من ذهب،
نهر اللوار وهو يجرّ خلفه مرايا القصور،
والكروم الممتدة كأن الأرض
تكتب رسالة حب طويلة للأفق.
فرنسا لا تُعلن نفسها،
تكتفي بأن تُضيء قهوتها الأولى،
وبأن تُربك الساعة قليلًا
كأنّ الوقت فقد يقينه عند منعطف.
لا يحتاج جمالُها إلى رفع صوته،
يكفي أن يمرّ ظلُّ برجٍ على صفحةِ كتاب.
فيها،
تتعلّم العيون أن تُصغي،
وفي مقاهيها،
تجلس اللغة على حافة فنجان وتبتسم.



