المجلة الثقافية الجزائرية

دون كيخوتي: مديح الوهم النبيل:

وليد الأسطل
في السهول التي أكلها الغبار،
دون كيخوتي؛ جرحٌ تعلّم الوقوف.
خوذةٌ من صدأٍ يلمع فيه انكسار الشمس،
ورمحٌ طويل، كعصبٍ خارجٍ من قلبٍ لا يعرف اليأس.
الحقول تشيخ،
الآبار، وجوه العابرين،
كلُّ شيءٍ ينحدر ببطءٍ نحو تعبه الأخير،
إلّا ذلك الرجل
الذي يمضي كأن الزمن يقع بعيدًا عنه.
في عينيه تتكاثر الممالك الساقطة،
وفي قلبه تتناوب الرايات،
كما تتناوب الأحلام على نائمٍ لا يريد أن يستيقظ.
العالم، من شقّ الروح، يبدو على هيئةٍ أخرى:
الحانات قلاع فقدت ذاكرتها،
الريح خصمٌ يستحق المبارزة،
الغبار تاريخٌ لم يُكتب بعد،
السقوطُ أرضًا نافذةٌ، 
مجرد مرحلة من الطيران المؤجل.
كلُّ هزيمةٍ اتساعٌ جديد للقلب.
والسخرية من كل هذا، تعبٌ من الحُلْم.
دولثينيا اسم معلّقٌ على عتمة العالم كي لا ينهار المعنى دفعةً واحدة،
ضوء لا يحتاج إلى جسد.
يصوغها دون كيخوتي من فراغٍ نبيل،
يضع على كتفيها طهارةً لا يجرؤ العالم على لمسها،
ويجعل في صوتها وعدًا دائم التأجيل.
وكلما ابتعدت عن الحقيقة، اقتربت من روحه.
وفي الليل، حين يهدأ كل شيء،
تعود إلى مكانها الأول:
فكرةً لا تُمسَك، ونداءً يسبق الخطى.
إلى جواره،
سانشو بانثا بثقل الأرض وحكمتها الجائعة.
الخبز أكثر إلحاحًا من المجد،
والمعدة لا تُصغي إلى الملاحم،
ينظر إلى سيده كمن ينظر إلى حكايةٍ خرجت عن حدّها،
ويضحك أحيانًا كي لا يسقط في جدية الجنون.
ومع ذلك،
ينام قربه كأرضٍ قررت أن ترافق السماء دون أن تفهمها.
الليل ديرٌ مهجور،
الحصان الهزيل يأكل الصمت،
والنجوم بعيدة كأفكار الربّ.
في الأعلى سماءٌ باردة،
وفي الداخل قلبٌ يرفض أن يترك العالم بلا معنى.
ثمّ التعب الأخير.
رايةٌ مزّقتها الريح بعد معركةٍ منسيّة.
الأوهام نفسها تتعرّى عن حقيقتها:
ليست كذبًا،
إنها الشكل الأخير لنقاء القلب.
موتُ دون كيخوتي
إطفاءٌ خفيفٌ في لمعان الأشياء:
الطرق أقصر،
الريح أقلّ شاعرية،
والبشر أكثر مهارةً في النجاة،
وأفقر روحًا.
ومنذ ذلك الوقت،
كلُّ رأسٍ يرتفع أعلى من ضرورة العيش،
كلُّ يدٍ تمتدّ نحو نجمةٍ مستحيلة،
كلُّ قلبٍ يزداد وفاءً للمستحيل كلما جرحه الواقع،
يمشي
في الدرع القديمة
لذلك الفارس الحزين.
مدريد 15 يوليو 2023. من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”.