محمد عماد*
28 عامًا هو الفارق بين ظهور زيدان الأب في المونديال للمرة الأولى، وظهور زيدان الابن خلفًا لوالده في كأس العالم، إلا أن كلاً منهما ظهر بألوان علم مختلفة. فما الذي تغير في كرة القدم في هذه السنوات؟
صنع زين الدين زيدان الأب جزائري الأصل، المجد لفرنسا ومنحها الكأس الذهبية الأغلى للمرة الأولى في تاريخ أحفاد نابليون، وهو وزملائه المهاجرين من بقاع مختلفة من البلاد التي استعمرتها فرنسا سابقاً، وحتى اليوم، لا يزال هو اللاعب الوحيد الذي سجّل هدفين بالرأس في نهائي كأس العالم، حيث أحرز ثنائية في الشوط الأول من ركنيتين نفذهما إيمانويل بيتي ويوري دجوركاييف من الجانبين، خلال فوز فرنسا 3-0 على البرازيل في نسخة 1998.
كما سجّل زيدان أهدافًا بالرأس خلال 20 دقيقة على ملعب “ستاد دو فرانس” أكثر مما سجلته فرنسا في النسخ الثلاث التالية من كأس العالم، حيث كان هدف باتريك فييرا الوحيد خلال تلك الفترة، وجاء أمام إسبانيا في دور الـ16 بنسخة عام 2006.

بين زيدان ولوكا… تغيرت كرة القدم
أما الابن، لوكا، رغم أنه نشأ وهو يشاهد أبيه أسطورة في بلاد أحفاد نابليون، فاختار تحقيق وصية الجد إسماعيل المنحدر من منطقة القبائل وتمثيل منتخب الجزائر الأول، بعد أن خاض مباريات مع الفئة السنية الأدنى لمنتخب فرنسا.
قرار لوكا زيدان الذي ربما يخالف ما كان يحدث في العقود الماضية، باختيار لاعبي المهجر تمثيل منتخبات أوروبا الكبرى لكي يحظوا بفرص أقرب إلى الواقع للصعود لمنصات التتويج وتحقيق المجد والشهرة، لم يعد غريباً بالسنوات الأخيرة، حيث أصبحنا نرى شكلاً من أشكال الهجرة العكسية من لاعبي المهجر.
اختار لوكا زيدان أن ينفذ وصية جده، ويلعب مع المنتخب الجزائري، معاكساً بذلك مسيرة الأب زين الدين زيدان الذي حقق كأس العالم لفرنسا في 1998، فما الذي تغير في ثلاثة عقود من كرة القدم لتبدأ موجه الهجرة العكسية بين اللاعبين؟
هناك كوميك انتشر تداوله بين جمهور كرة القدم حول اللاعب الإيطالي ستيفان الشعراوي، نجم ميلان السابق وروما، الذي كان أحد المواهب الصاعدة بقوة في الكرة الإيطالية، حيث فضّل تمثيل الأزوري عن اللعب بألوان بلاد والده مصر، الكوميك يدور حول أن شعراوي اختار إيطاليا لضمان اللعب في المونديال، عكس مصر التي غابت عن المونديال لعقود، ربما كان الشعراوي واقعيًا في اختياره بعيدًا عن العاطفة، ولكن لسوء حظ الشعراوي إن إيطاليا نفسها المتوجة بكأس العالم 4 مرات غابت عن آخر 3 نسخ من كأس العالم، بينما تأهل منتخب الفراعنة في نسختين من الـ 3.

بالتأكيد ما حدث مع الشعراوي لا يعد مثالاً لأخذ العبرة، لدفع لاعبي الجيل الأول والثاني في المهجر لاختيار تمثيل منتخباتهم الأصلية، وقد يكون مجرد سوء حظ لم يلاقيه أي لاعب آخر، ولكن ما يحدث في خارطة الكرة العالمية في السنوات الأخيرة من تغيرات ومفاجآت مثل صعود المغرب للمربع الذهبي في كأس العالم 2022 ومقارعة بعض المنتخبات الإفريقية لكبار القارة العجوز في المونديال، زاد من صعوبة اتخاذ قرار للاعبي المهجر لأي بلد يمثلون، عكس سهولة اتخاذ القرار بالماضي.
ربما يلجأ البعض إلى اتخاذ القرار السهل والأكثر واقعية مثل لامين يامال، الذي رأيناه في فيديو شهير متداول يحتفل بفوز المغرب على إسبانيا في كأس العالم في قطر، وقتها لم يكن الفتى المراهق يعلم أن عامين فقط ستفصله عن كونه أحد نجوم منتخب إسبانيا الذي قاده للفوز بكأس الأمم الأوروبية، وكم سيتمنى لو يمحي الفيديو للأبد عن على الإنترنت.

“من لا يقفز فهو مسلم”!
في المقابل، يرفض البعض الآخر المنافسة الكبيرة على حجز مكانة في صفوف منتخبات أوروبية كبرى، ويفضل أن يكون “سوبر مان” لمنتخب عربي، مثلما فعل إبراهيم دياز، واختار تمثيل منتخب المغرب، رافضا المنافسة مع نجوم برشلونة اليافعين أمثل بيدري وجافي على حجز مكانة أساسية في قائمة منتخب اللاروخا.
ربما لم يمتلك دياز جرأة الاعتراف بالعنصرية التي يتعرض لها لاعبي المهجر في المدرجات الإسبانية، على غرار هتاف مثل “من لا يقفز فهو مسلم؟” الذي تكرر ترديده في بعض مباريات الدوري الإسباني. وفي مباراة مصر وإسبانيا الودية التي أقيمت منذ شهور قليلة فقط لمح دياز أن الاتحاد الإسباني لا يعطي اهتماماً إلا لمواهب برشلونة، فهل كانت العنصرية كانت لاختيار دياز الاحتماء في “منبت الأحرار”؟
يرفض البعض الآخر المنافسة الكبيرة على حجز مكانة في صفوف منتخبات أوروبية كبرى، ويفضل أن يكون “سوبر مان” لمنتخب عربي، مثلما فعل إبراهيم دياز اختار تمثيل منتخب المغرب.
وهل الهجرة العكسية سببها رياضي فقط؟ هذا ما رفضه النجم كريم بنزيمة، أحد أبرز مواهب الكرة الفرنسية في العقد الأخير، والذي حُرم من التتويج مع الديوك بكأس العالم 2018 بسبب استبعاده من قبل المدرب ديدييه ديشامب، إذ كانت العلاقة بينهما فاترة، كما استبعده من يورو 2016 التي أقيمت على الأراضي الفرنسية وكان أصحاب الأرض هم وصيفوا البطولة، واستبعدوا من تحقيق مجد المونديال في 2018.
عندما رضى ديشامب عن بنزيمة في يورو 2020 وضمه للبطولة، قدم بنزيمة أداءً استحق الثناء عليه من كل من تابعوه، ولكن هذا لم يشفع لصاحب الكرة الذهبية لخوض مونديال 2022، إذ استبعد قبل البطولة بيوم واحد، والسبب المعلن هي الإصابة.
خلاف ديشامب وبنزيمة المعلن كان بسبب اتهام بنزيمة بابتزاز زميله في المنتخب فالبوينا بدفع أموال مقابل منع انتشار فيديو غير أخلاقي للاعب، ولكن بنزيمة قرر الخروج عن صمته عقب خسارة فرنسا لنهائي مونديال 2022 من الأرجنتين، وأعلن اعتزاله الدولي، وألمح في أكثر من مرة أن ديشامب قد رضخ للضغوط العنصرية من اليمين المتطرف لاستبعاد بنزيمة من المنتخب، رغم كونه أنه قادرا على التعافي من الإصابة وخوض غمار مباريات المونديال.
لذا، لم يكن من المستغرب أن بنزيمة فتح النار على ديشامب في أكثر من مناسبة بتصريحات مبطنة، وألغى متابعته على انستغرام، فهو حاليًا في الـ 38 من عمره كان يمني النفس برقصة أخيرة في المونديال، مثل أقرانه كريستيانو رونالدو وميسي ولوكا مودريتش، ورغم إعلان بنزيمة علنًا رغبته في اللعب في كأس العالم مرة أخيرة، إلا أن ديشامب لم يمنحه صك الغفران حتى الآن.
“عندما نفوز نكون مواطنين، وعندما نخسر نصبح مهاجرين”. ربما لخص مسعود أوزيل نجم المنتخب الألماني ما يحدث لنجوم المهجر بتلك المقولة، التي أدلى بها في بيانه عقب الاعتزال دوليًا عن تمثيل منتخب ألمانيا عقب مونديال 2018، لنرى اللاعب المتوج مع المانشافت بكأس العالم 2014 قريبًا من شعب وحكومة بلاده الأصلية تركيا بعد الاعتزال.

العنصرية التي أعادتهم إلى بلادهم
العنصرية ضد لاعبي المهجر، لا تقتصر على اللاعبين العرب فقط، بل قد تطال كل من هم من أصحاب الأصول غير الأوروبية، وتصل إلى حد الاستهداف عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما تجلى ضد 3 من أصحاب البشرة الذين السمراء اختاروا الدفاع عن ألوان قميص المنتخب الإنجليزي، سانشو وراشفورد وساكا، الثلاثي الذي أهدر ركلات الترجيح أمام المنتخب الإيطالي في نهائي يورو 2020 في ويمبلي، ليُحرم الإنجليز على أرضهم من التتويج بأول بطولة كبرى لهم منذ عام 1966، ويصبح الشبان الثلاثة مادة خصبة للعنصرية على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.
فهل تلقى القائد الإنجليزي هاري كين نفس المعاملة عندما أهدر ركلة جزاء أمام فرنسا بخرت حلم الإنجليز في المضي قدما في مونديال قطر، وإنهاء جفاف بطولات مهد كرة القدم المستمر لأكثر من 6 عقود؟
رغم محاربة اتحادات كرة القدم والحكومات وضع حد لتلك التصرفات العنصرية، إلا أن الحال قد يكون كما يقول المصريون “اللي في القلب في القلب”، ولعل هذا هو السبب الأكبر لدفع المزيد من لاعبي المهجر إلى الهجرة العكسية، لأسباب كروية وغير كروية.






