المجلة الثقافية الجزائرية

لماذا ينادي القرآن؟ مدخل إلى ظاهرة النداء القرآني

 يحيى عباسي بن أحمد 

مقدمة: يُعد النداء من أكثر الظواهر اللغوية حضورًا في الخطاب الإنساني، إذ لا يكاد يخلو تواصل بين متكلم ومخاطَب من صورة من صور الاستدعاء أو التنبيه أو توجيه الانتباه. وقد شغل النداء حيّزًا مهمًا في الدرس النحوي والبلاغي العربي، فدرسه النحاة من حيث بناؤه وأدواته وأحكامه، ودرسه البلاغيون من حيث وظائفه وأغراضه التداولية.

غير أن القارئ للقرآن الكريم يلحظ أن النداء يتجاوز كونه ظاهرة نحوية متفرقة، ليصبح جزءًا ظاهرًا من النسيج الخطابي للنص. فالقرآن لا يكتفي بنداء فئة واحدة، بل يخاطب الناس، والمؤمنين، وأهل الكتاب، والأنبياء، كما ينقل نداءات متعددة داخل القصص والحوارات. ويبدو هذا التنوع واسعًا إلى درجة تدفع إلى التساؤل عما إذا كان النداء يؤدي وظيفة أعمق من مجرد التنبيه أو الاستدعاء.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من سؤال أولي:

هل يقتصر النداء القرآني على وظيفة استحضار المخاطَب، أم أنه يشارك في بناء موقعه داخل الخطاب وتحديد طبيعة العلاقة التي تربطه بمضمون الرسالة؟

لا تسعى هذه المقالة إلى تقديم إجابة نهائية، بل إلى رسم الإطار النظري الذي ستتحرك داخله المقالات اللاحقة.

أولًا: النداء في التراث النحوي والبلاغي

عرّف النحاة النداء بأنه طلب إقبال المخاطَب بواسطة أحد حروف النداء، وأشهرها حرف «يا» (ابن هشام، 2005، ج2). غير أن الدرس البلاغي العربي لم يقف عند هذا الحد.

فقد لاحظ البلاغيون أن النداء لا يُستعمل دائمًا لاستدعاء غائب أو تنبيه ساهٍ، بل قد يؤدي أغراضًا أخرى بحسب السياق. ومن هذه الأغراض:

التعظيم، التشريف، التوبيخ، التحذير، الاستعطاف، التفجع، التهديد. 

وقد أشار عبد القاهر الجرجاني إلى أن المعنى لا ينشأ من المفردات منعزلة، بل من العلاقات التي تربط بينها داخل النظم (الجرجاني، 2004، ص 67–72). ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى النداء لا بوصفه كلمة افتتاحية فحسب، بل عنصرًا من عناصر بناء المعنى.

ومن ثم فإن الدراسة الحالية لا تنطلق من رفض التصور التراثي، بل من محاولة توسيعه واختباره داخل النص القرآني نفسه.

ثانيًا: كثافة النداء في القرآن الكريم

يحتوي القرآن على طيف واسع من النداءات، من أشهرها:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21).

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (الأعراف: 31).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1).

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (الأحزاب: 1).

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 67).

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ (آل عمران: 64).

ولا يقتصر التنوع على الصيغ، بل يشمل المخاطَبين أنفسهم. وهذا ما يجعل دراسة النداء مدخلًا محتملًا لفهم كيفية توزيع الخطاب داخل القرآن.

ثالثًا: هل كل نداء في القرآن صريح؟

عند الحديث عن النداء قد يتبادر إلى الذهن النموذج الصريح: يا + المنادى.

لكن القرآن يقدم صورًا أكثر تنوعًا.

ففي الدعاء ترد صيغ مثل:

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ (البقرة: 286).

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (طه: 25).

وهنا يتوجه الخطاب إلى الله تعالى من غير ظهور حرف النداء.

وقد أشار البلاغيون إلى أن حذف أداة النداء قد يرتبط بالقرب أو شدة الحضور أو قوة الاتصال بين المتكلم والمخاطَب، وإن كانت هذه الملاحظة تحتاج إلى اختبار نصي دقيق داخل القرآن قبل اعتمادها بوصفها قاعدة عامة.

كما نجد في بعض المواضع نداءً بغير الصورة المألوفة، مثل:

﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (يوسف: 29).

وهو ما يفتح بابًا لدراسة العلاقة بين النداء الصريح والنداء الذي حُذفت أداته.

ومن هنا ينبغي التمييز بين:

• النداء الصريح. 

• النداء المحذوف الأداة. 

• صيغ الدعاء والخطاب الإلهي. 

لأن جمعها في سلة واحدة قد يحجب الفروق الوظيفية بينها.

رابعًا: النداء والخطاب إلى الله

من الظواهر اللافتة أن القرآن ينقل عددًا كبيرًا من الأدعية التي تبدأ بنداء الله:

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (البقرة: 201).

﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ (مريم: 4).

وهنا تظهر إشكالية منهجية مهمة.

فالنداء في أصله اللغوي يرتبط باستدعاء المخاطَب أو تنبيهه، لكن الله تعالى لا يوصف بالغياب حتى يُستدعى.

ولهذا يبدو أن وظيفة النداء في الدعاء تختلف عن وظيفته في الخطاب البشري المعتاد.

ومن ثم قد يكون من المفيد مستقبلاً التمييز بين:

النوع:              

النداء بين البشر يا قوم

النداء الإلهي للبشر يا أيها الناس

نداء البشر لله ربنا، ربِّ

وهو تمييز ستعود إليه هذه الدراسة في مراحل لاحقة.

خامسًا: من المخاطَب؟

إذا تجاوزنا الجانب النحوي المباشر، فإن أول ما يلفت الانتباه هو تنوع الجهات المخاطَبة.

فالقرآن لا يكتفي بعبارة واحدة جامعة، بل يميز بين:

• الناس. 

• بني آدم. 

• أهل الكتاب. 

• الذين آمنوا. 

• النبي. 

• الرسول. 

وهذا التنوع يثير سؤالًا منهجيًا:

هل يحدد النداء المخاطَب فقط، أم يحدد أيضًا الموقع الذي يُنظر إليه منه؟

فالمخاطَب بوصفه «إنسانًا» ليس بالضرورة هو المخاطَب بوصفه «مؤمنًا»، والمخاطَب بوصفه «رسولًا» ليس هو المخاطَب بوصفه «نبيًا».

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود فروق دلالية عميقة في كل موضع، لكنه يبرر على الأقل طرح السؤال والبحث فيه.

سادسًا: النداء بوصفه مدخلًا إلى الفعل

من الملاحظ أن كثيرًا من النداءات القرآنية تتبعها مباشرة أوامر أو توجيهات أو تكاليف:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1).

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ (المائدة: 67).

وهذا يقود إلى فرضية أولية ستخضع للاختبار في المقالات القادمة:

قد يكون النداء في بعض المواضع وسيلة لتحديد موقع المخاطَب قبل توجيه الفعل إليه.

لكن هذه الفرضية ما تزال في طور الاختبار، ولا يمكن اعتمادها قبل دراسة شاملة لجميع النداءات وسياقاتها.

اعتراضات أولية على فرضية الدراسة

يقتضي المنهج العلمي عرض الاعتراضات منذ البداية.

فقد يقال إن اختلاف النداءات لا يدل بالضرورة على اختلاف الوظائف، وإنما هو مجرد تنوع أسلوبي تفرضه طبيعة السياق.

وقد يقال أيضًا إن المفسرين والبلاغيين سبقوا إلى تفسير معظم هذه الفروق، ولا حاجة إلى بناء نظرية جديدة حولها.

وهذه اعتراضات مشروعة، وستكون المقالات القادمة محاولة لاختبارها في ضوء النصوص لا لتجاوزها أو تجاهلها.

خاتمة

تكشف القراءة الأولية للنداءات القرآنية عن ظاهرة تتجاوز حدود التصنيف النحوي التقليدي. فالتنوع الكبير في المخاطَبين، وتعدد الصيغ، وارتباط النداءات بسياقات مختلفة، كلها عناصر تدعو إلى دراسة النداء بوصفه جزءًا من البنية الخطابية للنص.

ولا تدّعي هذه الدراسة منذ البداية أن النداء يؤدي وظيفة واحدة أو أن جميع النداءات تخضع لقانون واحد، بل تنطلق من فرضية أكثر تواضعًا:

أن النداء قد يكون عنصرًا فاعلًا في تنظيم العلاقة بين المخاطَب والخطاب.

وسيكون المقال القادم مخصصًا لأول وأوسع هذه النداءات: «يا أيها الناس»، بوصفه نقطة البداية في خريطة المخاطَبين داخل القرآن.

المراجع

• ابن هشام الأنصاري. (2005). مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. دار الحديث.

• الجرجاني، عبد القاهر. (2004). دلائل الإعجاز. تحقيق محمود محمد شاكر. مكتبة الخانجي.

• ابن عاشور، محمد الطاهر. (1984). التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر.

• الزمخشري، محمود بن عمر. (2009). الكشاف عن حقائق التنزيل. مكتبة العبيكان.

• الرازي، فخر الدين. (1999). مفاتيح الغيب. دار إحياء التراث العربي.

• الطبري، محمد بن جرير. (2001). جامع البيان عن تأويل آي القرآن. تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي. دار هجر.

• القرآن الكريم.