المجلة الثقافية الجزائرية

الفضول بين التعلم والتطفل

محمد قائد الحسيني 

منذ أول لحظة يفتح فيها الإنسان عينيه على هذه الحياة، ويبدأ وعيه بالتشكّل، لا يكتفي بالمشاهدة، بل تبدأ الأسئلة تدور في ذهنه: كيف؟ ولماذا؟ وغيرها من الأسئلة التي يدفعنا فضولنا لطرحها على الغير. وهذه الأسئلة كانت وما زالت ذات دور كبير في قيام الحضارات، فالفضول غريزة إدراكية كانت نتيجتها إخراج البشرية من السكن في الكهوف، ليعمروا الدنيا فبنوا أهرامات عملاقة، وجسورًا تمتد طويلا لحماية المدن والدول، ووصلوا إلى بناء ناطحات سحاب، واختراع أدوات ووسائل كثيرة سهّلت على الإنسان سبل وطرق حياته، هذا في حال اقتصر الفضول على الجانب المعرفي دون الانحشار في خصوصيات الآخرين وأمورهم الشخصية.

وعند نطق كلمة فضول أو سماعها يتبادر للذهن غالبا المعنى السيئ لهذه الكلمة والمتمثل في التطفل على الآخرين والتدخل في خصوصياتهم، وينفر الناس من نعتهم بصفة الفضول أو إطلاقها عليهم، والحقيقة ان الفضول له معنى أوسع وأشمل، ففي الفضول بحث وفيه استقصاء وتحري بهدف اكتشاف المعرفة والتزود بالمعلومات والخبرات المفيدة، والفضول يمدنا بالكثير من الأسئلة التي تفتح لنا أبواب المعرفة، والعقول المتفتحة تطرح الأسئلة دوما للبحث عن الحقيقة وفهم الموضوع من كافة جوانبه، والأسئلة التي يمدنا بها فضولنا المعرفي تعد وسيلة هامة من وسائل استثارة الأفكار واكتشاف الفرص العلمية والمعرفية الجديدة وهذا ما مشى ودرج عليه العباقرة والمبدعون، وجبريل عليه السلام حينما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة أصول دينهم جاء ليطرح الأسئلة على النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم يسمعون تلك الأسئلة واحد بعد الآخر ( أخبرني عن الإسلام؟ أخبرني عن الإيمان؟ أخبرني عن الإحسان؟ أخبرني عن الساعة؟) والحديث عند مسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والمتتبع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم التشريعية سيجد أن كثيرا من الأحكام كانت بدايتها أسئلة يجيب عليها إما بآية ينزلها الله ومثال هذا قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة:189)، وقد كان نزولها إجابة لسؤال الناس للنبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة كما رواه بن عباس رضي الله عنهما، ومن السنة ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده))؛ [متفق عليه].

والفضول المعرفي يعمل على بناء العقل وزيادة المعرفة وتشير الدراسات إلى أن الدماغ يظل دائمًا في حالة تحفيز فضولي بهدف الاستكشاف ومعرفة ما ينقصه، هذا الفضول هو ما يدفع الطالب للقراءة خارج ما تم إقراره من منهج، ومحاولة التجربة دون طلب من المعلم، وكل اختراع نراه في حياتنا اليومية كانت بدايته الفضول، ويحكى عن ألبرت انشتاين أنه قال (ليس لديّ أي مواهب خاصة، أنا فقط فضولي بشغف). وهذا يعني أن الموهبة وحدها لا تكفي مالم يكن المرء شغوفا بالتعلم والمعرفة بفضول كبير، وفي اعتقادي أن الشخص الفضولي معرفيًا هو أكثر الناس مرونة وتقبّلًا لآراء الآخرين؛ فوجهة النظر المخالفة له تمثل جانبًا معرفيًا متنوعًا، تستحق الدراسة لا المهاجمة والجدال.

وثمة فضول يمكن أن يكون مبادرة طيبة، نابع من كرم أخلاقي وحسن نية ينبني على سؤال: كيف يمكنني المساعدة؟ مبتعدا عن سؤال: ماذا حدث بالتفصيل؟ وما يجري مجرى هذا السؤال، والفضول إن كان مبنيًا على السؤال الأول قد ينتج عنه مساعدة وجبر خاطر، وإذا كان من اهتمام ومسؤولية اجتماعية، فسيأتي السؤال هنا بهدف المواساة وتقديم الحلول، لا للمعرفة ونشر الأخبار، أي إن الفارق يكمن هنا في النية والأسلوب، كما أن هذا النوع من الفضول قد ينتج عنه إصلاح بين متخاصمين وردم فجوات النزاع الموجودة أو المحتملة، ويصبح الفضول حينها جسرًا للعبور نحو الألفة والمحبة والتسامح.

وعلى الجانب الآخر يوجد فضول اجتماعي تطفلي قد يكون هدفه إزاحة الغطاء عما يخفيه البشر من خصوصياتهم وما يأتي في سياقها، للتعرف على المزيد في حياة من حول الفضولي سواء يعنيه ذلك أم لا، وغالبا ما يميل هذا النوع من الفضول الى اختراق خصوصيات الآخرين كتقليب وفتح أوراقهم الخاصة أو محادثاتهم، والتطفل على حياتهم بطريقة غير لائقة.

ومع هذا النوع يجب أن تُرسم الحدود الأخلاقية للفضول وأن يعرف الفضولي أن حريته في التصرف تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، وأن لكل إنسان مساحته الآمنة الخاصة به، التي لا ينبغي لأحد الاقتراب منها، والفضولي في كافة أحواله بحاجة إلى ضابط أخلاقي يضع له مسافة بين ما يمكنه الاطلاع عليه وما يقف فيه عند حد معين من خصوصيات الآخرين، والمرء الباحث في متعلقات غيره يتجه نحو مسار خاطئ يمكن أن يتسبب له بمضاعفات نفسية وبدنية وقديما قالو: «من راقب الناس مات همًّا»؛ ولذلك تجد الفضولي يقضي حياته مشتت الذهن والتركيز، ويظل شعور النقص ملازمًا له، يحسد الناس على كل شيء، وتتحول طاقته من الإيجابية نحو السلبية والهدم الاجتماعي.

ولأن هذه الظاهرة منشرة في كافة مجتمعاتنا فإننا بحاجة الى التعامل مع الفضوليين بشكل صحيح يبدأ بمعرفة الفضول وماهيته، وحسن التعامل وأدب الرد، فإن استدعى الموقف حزما كان هذا الحزم عن دراية، وإذا استدعى الصراحة كانت صراحة ملتزمة بالأدب، ومن النصائح والإجراءات التي يمكن التعامل بها مع الفضوليين مايلي:

كن صريحا في عدم رغبتك بالرد على الأسئلة التي تتدخل في خصوصيتك.

احرص على تبيين ما يثير ازعاجك لمحيطك الأسري أو المهني او التعليمي حتى يدرك الآخرون أين تبدأ حدودك.

كن صريحا وواضحا في توقيف الفضولي عن سؤالك خاصة إذا تكررت منه أكثر من مرة.

امتلاك حس الفكاهة في تجنب أسئلة الفضولي أو الرد عليها وتغيير المواضيع لتوجيه الفضولي نحو مواضيع لا تتعلق بك.

لا تعط المتطفل وقتا كافيا لتوجيه الأسئلة وغادر المكان الذي يتواجد فيه.

كن جريئا ولا تخجل من التعبير عن عدم رغبتك في إشباع فضول الآخرين سواء كان الموضوع متعلقا بك أم لا.

ختاما، يبقى الفضول علامةً من علامات الحياة في عقل وفكر الإنسان؛ اتسعت به المعارف البشرية، وتقدّم العلوم، وازدهرت الحضارات عبر التاريخ. ولا يكون الفضول مقبولا إلا إذا اقترن بالوعي وانضبط بالخلق الحسن، فالفضول لأجل التعلم والبحث عن الحقيقة يعلي من شأن الإنسان، ويرفع قيمته في نظر الآخرين، في حين أن الفضول التطفلي الذي يستهدف خصوصيات الآخرين يزعزع العلاقات الإنسانية ويزرع بذور الشك حتى بين أبناء الأسرة الواحدة ويبدّد الطمأنينة فيها، ولهذا فإننا بحاجة لتربية أنفسنا من حولنا ثقافة لماذا نسأل؟، وكيف نحترم المساحات الآمنة للآخرين كما نحبّ أن تُحترم مساحاتنا. وأننا حين نُحسن إدارة وتوجيه الفضول، يتحوّل من عادةٍ اجتماعية ق\ تحدث شروخا وندوبا بين أبناء المجتمع إلى أداة معرفية ترينا الطريق الصحيح وتبني الإنسان علما ووعيا وأدبا وخلقا كريما.

*كاتب وباحث يمني