وليد الأسطل
أبصرتُ النور في وهران،
عندَ الحافةِ التي يتصافحُ فيها الملحُ مع الريح،
في مدينةٍ تُطلُّ على البحرِ كما تُطلُّ أمٌّ على طفلِها النائمِ؛
تُصلحُ لهُ غطاءَهُ من الضوءِ
وتتركُ النافذةَ نصفَ مفتوحةٍ
كي تدخلَ إليهِ زُرقةٌ تكفي لحلمٍ كامل.
أبصرتُ النور في صباحٍ كانت الأمواجُ تُعيدُ ترتيبَ الشاطئِ،
وكانت النوارسُ تكتبُ فوقَ الماءِ رسائلَ لا يقرؤها أحد،
إلا الذينَ جاءوا إلى الدنيا محمّلينَ بأسئلةِ الجهاتِ البعيدة.
لم أكنْ أعرفُ يومئذٍ
أنَّ للروحِ وطناً آخرَ ينامُ في دمي،
وأنَّ المسافةَ بينَ المهدِ والنسبِ
أقصرُ من رفّةِ قلب.
فأنا ابنُ وهران،
لكنَّ جذوري كانتْ تشربُ من أرضٍ أخرى،
أرضٍ إذا ذُكرتْ
ارتفعَ في الكلامِ شيءٌ يشبهُ الأذانَ حينَ يلتقي البكاءَ.
فلسطينُ لم تكنْ بلداً بعيداً في الحكايةِ؛
كانتْ الغصنَ الخفيَّ في شجرةِ العائلة،
وكانتِ الظلَّ الذي يسيرُ إلى جانبِ الأسماءِ،
والملحَ الذي يحفظُ الذاكرةَ من فسادِ النسيان.
كبرتُ بينَ بحرٍ يفتحُ ذراعيهِ للغرباءِ
وحكاياتٍ تعودُ كلَّ مساءٍ من الشرق.
كانَ البحرُ يقولُ لي: امضِ.
وكانَ الدمُ يقولُ لي: عُدْ.
فنشأتُ بينَ دعوتينِ جميلتين،
كأنني سهمٌ من نورٍ
يشدُّهُ قوسان.
وكان كلُّ شيءٍ فيَّ موزّعاً بينهما؛
خطوتي تتبعُ الأفق،
وظلّي يتبعُ الحكاية.
أسمعُ المآذنَ ترتفعُ من بينِ الزيتون،
وأسمعُ الموجَ يتهجّى اسمي على الصخور.
فأدركُ أنني لستُ ابنَ مكانين،
إنما ابنُ شوقين.
كبرتُ أتعلمُ من الموجِ كيفَ يُخفي انكسارَهُ في لمعانِه، ومن الزيتونِ كيفَ يرفعُ ثمارَهُ على أغصانٍ تعرفُ معنى الصبرِ منذُ أوّلِ المطر.
كنتُ إذا ناداني البحرُ سمعتُ في آخرِ النداءِ صوتَ حجرٍ يتدحرجُ في أزقّةِ القدس، وإذا صافحتُ جذعَ زيتونةٍ ارتجفتْ في كفّي رائحةُ المرافئِ التي تركتْ مراسيَها معلّقةً في القلب.
لم يكنِ الإرثُ صندوقاً من صورٍ قديمة، كانَ نافذةً كلّما فتحتُها دخلَ جَدٌّ يحملُ مفتاحاً ويخرجُ طفلٌ يحملُ سماءً.
وحينَ سألتُ اسمي وجدتُهُ يمشي على طريقينِ دونَ أن يتعب: يبلّلُ قدميهِ في المتوسّط، ويغسلُ جبينَهُ بندى التلال.
ما ضعتُ بينَ جهتين، فالنجمُ لا يحتارُ إذا عرفَ أنَّ الليلَ سقفٌ واحد، والقلبُ لا يشيخُ إذا ظلَّ يعرفُ بابَهُ ولو تغيّرتِ البيوت.
كلُّ ما في الأمرِ أنَّ اللهَ وزّعَ ملامحي كما يوزّعُ الفجرُ ضوءَهُ على نافذتينِ متقابلتينِ، فتعلّمتُ أنَّ اليدَ الواحدةَ تستطيعُ أن تُربّتَ على موجةٍ وتغرسَ زيتونةً في اللحظةِ نفسها.
أحملُ وهرانَ كما تَحملُ الصَّدَفَةُ همسَ البحر، وأحملُ فلسطينَ كما تحملُ البذرةُ غابتَها القادمة.
فإذا سألني أحدٌ: من أينَ أنت؟
أشيرُ إلى قلبي.
من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”



