المجلة الثقافية الجزائرية

شهادة إبداعية حول أدب الأطفال

مجلة «ماجد»… ثلاثون عامًا من الكتابة لطفولة عربية واحدة

د. مَحْمُود أبُو فَروةَ الرَّجَبي 

ليست علاقتي بمجلة «ماجد» علاقة كاتب بمجلة نشر فيها نصوصًا ثم مضى، بل هي علاقة عمر كامل تقريبًا، بدأت من الطفولة، ثم امتدت إلى الشباب، ثم نضجت مع التجربة الأدبية والمهنية، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتي الشخصية والإبداعية. فقد عرفت «ماجد» أولًا قارئًا صغيرًا، أترقب صدورها أسبوعيًا، وأفتح صفحاتها بشغف طفل يرى في المجلة عالمًا كاملًا من الحكايات والشخصيات والمغامرات. كنت أقرأها، وأراسلها، وأشارك فيها، وأشعر أنني لا أتعامل مع مطبوعة عابرة، بل مع بيت واسع يضم أطفالًا عربًا كثيرين يشبهونني في الحلم والدهشة واللغة.

ثم شاءت الأقدار أن أعود إلى هذه المجلة كاتبًا، لا قارئًا فقط. حدث ذلك وأنا في المرحلة الجامعية، بعد أن كنت قد بدأت أخطو خطوات جدية في الكتابة، وبعد أن صار نص الطفل بالنسبة إليّ مسؤولية أدبية وفنية، لا مجرد محاولة بريئة. ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقة مهنية طويلة مع مجلة «ماجد»، امتدت أكثر من ثلاثين عامًا، وهي مدة لا يمكن أن تمر في حياة كاتب من غير أن تترك أثرًا عميقًا في لغته، وخياله، ونظرته إلى الطفل، وفهمه لوظيفة أدب الأطفال.

أستطيع أن أقول اليوم، بامتنان صادق، إن مجلة «ماجد» أسهمت في صقل تجربتي، ومنحتني انتظامًا في الكتابة، ودرّبتني على مخاطبة الطفل العربي أسبوعًا بعد أسبوع، بلغة مفهومة وجذابة، وبقيمة تربوية وأخلاقية لا تنفصل عن المتعة الفنية. لم تكن الكتابة للمجلة أمرًا عابرًا؛ كانت تدريبًا مستمرًا على الانضباط، وعلى احترام القارئ الصغير، وعلى البحث الدائم عن فكرة جديدة، وحبكة محكمة، وشخصية قادرة على الحياة داخل وجدان الطفل.

حين أستعيد اليوم بداياتي معها، أذكر بوفاء كبير الأستاذ أحمد عمر، رحمه الله تعالى، رئيس تحرير المجلة، الذي شجعني في وقت مبكر، ورأى فيّ موهبة تستحق الرعاية. كان ذلك الموقف من اللحظات المؤثرة في حياتي، لأنه جاء في مرحلة كان الكاتب الشاب فيها يحتاج إلى من يؤمن به، ويفتح له بابًا حقيقيًا. وقد شعرت حينها أن مجلة «ماجد» لا تبحث عن أسماء جاهزة فقط، بل تبحث عن المواهب العربية، وتمنحها فرصة الظهور والنمو.

ومن أوائل النصوص التي نشرتها في المجلة قصة «رداد والعنب الأسود»، وهي قصة فازت بجائزة رابطة الكتاب الأردنيين لغير الأعضاء. ما زلت أذكر دهشتي حين رأيت القصة منشورة، لا لأنها ظهرت في مجلة واسعة الانتشار فحسب، بل لأنها ظهرت محاطة بعناية تحريرية وفنية جميلة. أدركت يومها أن النص الموجه للأطفال لا يكفي أن يكون جيدًا في فكرته ولغته، بل يحتاج أيضًا إلى رسم مناسب، وإخراج جميل، وتقديم يحترم عين الطفل وذائقته. ومنذ ذلك الوقت فهمت أن أدب الطفل عمل جماعي، يشارك فيه الكاتب والرسام والمحرر والمخرج الفني، وأن الطفل يستحق أن نقدم له الأفضل، لا الأسهل.

ما ميّز مجلة «ماجد» في نظري أنها لم تكن مجلة أطفال عادية، بل كانت مدرسة عربية في أدب الطفل. كانت تمتلك إدارة واعية، وفريقًا مؤمنًا برسالة ثقافية وتربوية، ودعمًا مكّنها من الاستمرار والانتشار والوصول إلى الأطفال العرب بسعر مناسب ومحتوى رفيع. كما أنها فتحت أبوابها لعدد كبير من الكتّاب والرسامين العرب، فصنعت حالة إبداعية مشتركة، وأسهمت في تكوين ذائقة أجيال كاملة.

كانت «ماجد» عالمًا لا صفحات متفرقة. فيها شخصيات صارت جزءًا من ذاكرة الأطفال، مثل «كسلان جدًا»، و«أمونة المزيونة»، و«رشود»، و«فضولي»، والنقيب خلفان والمساعد فهمان ومريم، وغيرها من الشخصيات التي جعلت الطفل يشعر أنه يدخل بيتًا مألوفًا في كل عدد. وأنا حين أتحدث عن ذلك لا أتحدث ككاتب فقط، بل كطفل سابق أحب المجلة، وشعر أنها تخاطبه بوصفه طفلًا عربيًا، لا طفلًا ينتمي إلى قطر محدد. كانت المجلة في وجداني مشروعًا ثقافيًا عربيًا جامعًا، وربما أستطيع أن أقول، من وجهة نظري، إنها كانت من أنجح مشروعات الوحدة العربية وجدانيًا وثقافيًا؛ لأنها جمعت أطفالًا من أقطار مختلفة حول لغة واحدة، وشخصيات واحدة، وخيال مشترك.

بدأت الكتابة للأطفال في سن مبكرة، ولذلك أشعر أنني كنت، في البدايات، طفلًا يكتب لطفل. ثم نضجت التجربة، وبدأ السؤال يكبر في داخلي: ماذا يفكر الأطفال؟ كيف يرون العالم؟ كيف يمكن أن نقدم لهم نصًا ممتعًا من غير أن نخون القيمة؟ وكيف نستطيع أن نكتب أدبًا أخلاقيًا من غير أن يتحول النص إلى وعظ مباشر أو درس ثقيل؟ منذ البداية كان هاجسي أن أكتب من داخل منظومة قيم، وأن تكون الأخلاق جزءًا من النسيج الفني، لا لافتة معلقة فوق النص.

لقد آمنت دائمًا بأن أدب الطفل لا ينفصل عن القيم العربية والإسلامية الأصيلة؛ قيم الصدق، والعدل، والاحترام، والتعاون، والمساواة، وحب الخير. لكنني آمنت في الوقت نفسه بأن الطفل لا يحب الخطبة، ولا يستجيب للنصيحة إذا جاءت باردة ومباشرة. لذلك كنت أحاول أن أجعل القيمة تنبع من الموقف، وأن تظهر في الفعل، وأن يكتشفها الطفل داخل الحكاية، لا أن تُفرض عليه من خارجها.

وقد ساعدتني الورشات التي قدمتها في المدارس والمؤسسات على فهم الأطفال بصورة أعمق. كنت ألتقي بهم، وأسمع أسئلتهم، وأراقب دهشتهم، وأتعلم منهم. فالكاتب الذي يكتب للأطفال من غير أن يراهم ويسمعهم قد يكتب عن طفل متخيل لا وجود له. أما الاحتكاك المباشر بهم، فيكشف للكاتب لغتهم النفسية، وطريقة استقبالهم للفكرة، وما يضحكهم، وما يدهشهم، وما ينفرون منه. وما زلت أرى أن الطفل هو الناقد الأول لأدب الطفل، حتى لو لم يستخدم مصطلحات النقد.

ومن الشخصيات التي بقيت قريبة من قلبي شخصية «رابحة»، وهي طفلة ذكية وقوية كتبتها لتحقيق توازن في حضور الشخصيات الطفولية، خاصة في مقابل الشخصيات الذكورية. كانت رابحة تواجه المقالب بذكاء وحكمة، وتنتصر بعقلها لا بالعنف، وبالوعي لا بالانتقام. كذلك تظل شخصية «مظلوم» من الشخصيات القريبة إليّ، فقد تشرفت بالكتابة لها سنوات طويلة. والحقيقة أن الكاتب حين يعيش مع شخصية مدة طويلة يشعر أنها لم تعد حبرًا على ورق، بل صارت رفيقًا من رفاق التجربة.

ولعل أجمل ما يبقى للكاتب بعد سنوات الكتابة الطويلة هو أثر النصوص في الناس. لقد وصلتني رسائل كثيرة من قراء كانوا أطفالًا يتابعون ما أكتب في «ماجد»، ثم كبروا وصار بعضهم كتّابًا أو مهتمين بالأدب والثقافة. وفي الدورات التدريبية التي أقدمها داخل الأردن وخارجه، كثيرًا ما أذكر أنني كتبت في مجلة «ماجد»، فأرى الوجوه تبتسم، وتعود الذاكرة إلى طفولة بعيدة. عندها أشعر أن النصوص التي كتبناها لم تكن عابرة، وأن المجلة تركت أثرًا حقيقيًا في وجدان أجيال عربية واسعة.

أرى أن مجلة «ماجد» أثّرت في الطفل العربي لغويًا وثقافيًا وتربويًا. ربما نحتاج إلى دراسات علمية معمقة تقيس هذا الأثر بصورة دقيقة، لكن التجربة والملاحظة تقولان إن المجلة أسهمت في بناء ثقافة عربية مشتركة بين الأطفال، وقدمت العربية الفصحى بطريقة قريبة ومحببة، لا متعالية ولا ضعيفة. كانت لغتها فصيحة، لكنها قادرة على الوصول؛ جميلة، لكنها غير متكلفة؛ تربوية، لكنها لا تخلو من مرح وخيال.

ومع مرور السنوات تغيّر أسلوبي في الكتابة للأطفال، كما تغيّر الطفل نفسه. لقد أخذت دراستي للماجستير والدكتوراه وأبحاثي العلمية جزءًا كبيرًا من وقتي، لكنني لم أنقطع عن أدب الطفل إلا فترة قصيرة، ثم عدت إليه بوعي جديد، خاصة في ظل التحول الرقمي. فالطفل اليوم ليس طفل الثمانينيات أو التسعينيات. إنه طفل يعيش في بيئة رقمية، محاط بالشاشات، سريع التلقي، كثير الخيارات، لا يقبل المحتوى لمجرد أنه موجه إليه. صار يحتاج إلى إيقاع أسرع، وتشويق أكبر، ومحتوى أكثر تفاعلًا، لكنه ما زال يحتاج، في العمق، إلى الحكاية الجيدة والقيمة الصادقة واللغة الجميلة.

إن دخول الإنترنت إلى حياة الأطفال خلق تحديات لم تكن حاضرة بهذا الشكل من قبل: الخصوصية، والتنمر الرقمي، والمحتوى غير الآمن، والتعلق بالشاشات، والسطحية، والتلقي السريع. وهذا كله يفرض على كتّاب الأطفال أن يطوروا أدواتهم، وأن يفكروا في الطفل العربي بوصفه طفلًا محليًا وعالميًا في الوقت نفسه؛ طفلًا مرتبطًا بلغته وثقافته، لكنه يتأثر أيضًا بما يتأثر به أطفال العالم كلهم.

في ظل هذه البيئة الرقمية، لم يعد التحدي هو تبسيط الفكرة وحده، ولا شد انتباه الطفل وحده، ولا الحفاظ على العمق وحده، بل الجمع بين هذه العناصر كلها. الفكرة الجيدة لا تكفي إذا جاءت باردة، والجاذبية لا تكفي إذا كانت فارغة، والعمق لا يصل إذا جاء معقدًا. لذلك يحتاج كاتب الطفل اليوم إلى وعي فني وتربوي ورقمي في آن واحد.

وأنا، رغم معرفتي بتحديات الخوارزميات، وما تفضله أحيانًا من محتوى سريع وسطحي، ما زلت مؤمنًا بضرورة تقديم محتوى عربي فصيح وأخلاقي وجذاب. ولهذا حاولت، من خلال قناتي الكرتونية ومشروعاتي الرقمية، أن أواصل الرسالة نفسها بأدوات جديدة. قد يكون الطريق أطول، وقد يكون الوصول أصعب، لكنني أؤمن بأن المحتوى الجيد، حين يصبر صاحبه عليه، يبني أثرًا أعمق من الانتشار السريع الذي يلمع لحظة ثم يختفي.

أما مستقبل مجلات الأطفال الورقية، فأنا لا أراه مغلقًا، ولا أرى أن التحول الرقمي يعني نهايتها بالضرورة. الورق وسيلة، والشاشة وسيلة، والمهم هو المحتوى والرسالة وطريقة الوصول إلى الطفل. المجلة التي لا تتطور قد تتراجع، أما المجلة التي تحافظ على روحها وتنتقل بذكاء إلى البيئة الرقمية، وتستثمر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة بصورة واعية وأخلاقية، فلديها فرصة كبيرة للوصول إلى أعداد من الأطفال لم تكن المجلات الورقية قادرة على الوصول إليها من قبل.

لقد تعلمت من تجربتي الطويلة مع مجلة «ماجد» أن الكتابة للأطفال ليست كتابة صغيرة، بل كتابة كبيرة لقارئ صغير. تعلمت أن الطفل يحتاج إلى احترام، وأن النص الموجه إليه يجب أن يكون دقيقًا في لغته، صادقًا في قيمته، جميلًا في بنائه، حيًا في شخصياته. وتعلمت أن الكاتب لا يعمل وحده، بل داخل منظومة إبداعية يكون فيها المحرر والرسام والمخرج الفني شركاء في صناعة الأثر.

وأقول للجيل الجديد من كتّاب أدب الأطفال: لا تجعلوا المشاهدات والإعجابات والتعليقات هي البوصلة الوحيدة. الانتشار مهم، لكنه ليس القيمة النهائية. الربح مشروع، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب المعنى. سيأتي يوم يسأل فيه الكاتب نفسه: ماذا قدمت؟ هل كتبت ما أفتخر به أمام أبنائي وأحفادي؟ هل تركت في وجدان طفل ما شيئًا جميلًا ونافعًا؟ هذه هي المعركة الحقيقية التي يخوضها الكاتب؛ أن يكتب ما يبقى، لا ما يلمع قليلًا ثم يزول.

ولذلك، حين ألتفت إلى أكثر من ثلاثين عامًا من الكتابة في مجلة «ماجد»، لا أستعيد مجرد نصوص نشرتها، بل أستعيد رحلة كاملة من المحبة والامتنان والتعلم. أستعيد طفلًا كان ينتظر المجلة كل أسبوع، وشابًا وجد فيها أول فرصة كبرى، وكاتبًا ظل يؤمن بأن أدب الأطفال رسالة، وأن الطفل العربي يستحق أدبًا جميلًا، أخلاقيًا، ممتعًا، عميقًا، ومفتوحًا على المستقبل.

تبقى «ماجد» في ذاكرتي أكثر من مجلة؛ تبقى مدرسة، وبيتًا، ونافذة، ورفيقة عمر. وأبقى ممتنًا لها لأنها منحتني فرصة أن أكتب للطفل العربي، وأن أكون جزءًا صغيرًا من ذاكرة أجيال قرأت، وحلمت، وضحكت، وتعلمت، وهي تقلب صفحاتها بمحبة لا تنسى.

• كَاتِب وإعلامي. 

• مدير مركز التدريب الإعلامي والسينمائي فِي جامعة الشرق الأوسط- الأرْدُن.