ترجمة: سعيد بوخليط
حينما أستعيد ذكرى ماضي عمل بعيد، بإعادة تخيّل صور متعدّدة جدّا رتيبة للغاية بالنّسبة لمشتغلٍ مثابرٍ، أقرأ وأتأمّل على ضوء مصباح، أعيش على تصوّر مفاده أنّي الشّخص الوحيد وسط لائحة المشهد.غرفة ذات جدران باهتة كما لو أنّها موصولة بمركزها،الذي انصبّت وجهته حول متأمّل يجلس أمام طاولة مُضاءة بمصباح.
عرفت لائحة المشهد ألف تغيير،على امتداد حياة طويلة. لكنّه يحافظ على وحدته، وكذا حياته المركزية. إنّها حاليا صورة ثابتة تدمج بين الذّكريات والتأمّلات الشّاردة. يركّز الكائن الحالم ضمن سياق ذلك بغية تذكّره الكائن المشتغِلِ. هل يعدّ سكينة أو حنينا أن نتذكّر غرفا صغيرة حيث كنّا نشتغل، وامتلكنا طاقة العمل بشكل أفضل. يحيل المكان الحقيقي للعمل منفردا، على غرفة صغيرة، ودائرة تلك البقعة المضاءة بمصباح. أدرك جون دو بوشير الأمر لذلك كتب:”توجد فقط غرفة ضيّقة تتيح مجالا للاشتغال”(1). يضع مصباح العمل مختلف زوايا الغرفة ضمن أبعاد طاولة الجلوس. يركّز مصباح الزّمان الماضي على البيت من خلال ذكرياتي، ويعيد بناء لحظات عزلة شجاعة، عزلتي وأنا أشتغل.
ينجز المجتهد على شعلة نور مصباح نحتا أوّليا، أستسيغه عبر ألف ذكرى، يستسيغه الجميع، لكنّي على الأقل أتخيّله. أنا متيقّن، بعدم حاجة الصّورة المرسومة إلى أسطورة. لانعرف ما الذي يفكّر فيه المشتغل بجوار مصباح، لكنّنا نعلم بكونه يفكّر وحيدا. ينطوي هذا النّحت الأوّل على سمة العزلة، ويميّزه نمط عزلة خاصّة.
كمْ أشتغل بشكل أفضل وعلى نحو جيّد، حينما أجدني بكيفية ما مع ”أولى” منحوتاتي.
تتضاعف العزلة حينما تسود كلّ مساحة الورقة البيضاء الموجودة فوق طاولة يضيئها مصباح. ورقة بيضاء! تستدعي هذه الصّحراء الشّاسعة عبورها، غير أنّه سعي يستحيل تحقّقه. أليست هذه الورقة البيضاء التي تبقى بيضاء خلال كلّ سهرة إشارة كبرى عن عزلة تبدأ ثانية دون توقّف؟ يالها من عزلة تثابر ضدّ المنعزِلِ وتشكّل عزلة شخص يعمل ويرغب ليس فقط في التّثقيف والتّفكير، بل يريد الكتابة. هكذا فالورقة البيضاء بمثابة عدم موجع، عدمية الكتابة.
نعم، إذا أمكننا فقط الكتابة! بعدها، بوسعنا ربما التّفكير. اكتبْ أوّلا ثم تفلسف ثانية، تقول مزحة نيتشوية (2)، لكن في غمرة الوحدة من أجل الكتابة. الورقة البيضاء مفرطة البياض، مبدئيا فارغة تماما حتّى يبدأ وجودنا الحقيقي مع الكتابة. تفرض الورقة البيضاء الصّمت. تعارض ألفة المصباح. حينها أضحى لهذا ”المنحوت” مرتكزين اثنين، المصباح من جهة وكذا الصّفحة البيضاء، يتأرجح بينهما المجتهد المنعزل. يشغل صمت غير ودّي مجمل ”المنحوت”. ألم يختبر مالارمية بكيفية منشطرة تجربة أن يعيش في إطار”نحت” حينما استحضر:
صفاء مصباح مهجور
فوق ورقة شاغرة تحت رحمة البياض (3)
كمْ سيكون جيّدا، سخيّا أيضا نحو ذاتي، حينما أعيد كلّ شيء من جديد، ثمّ بدء حياة وأنا أكتب! أن تولد مع الكتابة، بفضل الكتابة، مثال نموذجي كبير بالنّسبة لكبار السّاهرين المنعزلين! بيد أنّه للكتابة ضمن نطاق عزلة وجودكَ، وتأتّى لك إلهام صفحة حياة بيضاء، أنت في حاجة إلى مغامرات الوعي، مغامرات العزلة. لكن هل بوسع الأخيرة وحدها تمكين الوعي من تنويع عزلته؟
نعم، كيف أستطيع في غمرة وحدتي إدراك مغامرات الوعي؟ هل يمكنني تمثّل مغامرات الوعي بالانحدار إلى أعماقه الخاصة؟ كم من مرّة وأنا أحيا داخل ”منحوتاتي”، أعتقد بكوني أعمّق عزلتي، وأنزل أدراج سلّم الوجود، واحدة تلو الأخرى. أعتقد حينها بأنّي أفكّر، بينما أحلم. دائما يكمن الوجود تحديدا فوق فكر منعزل يشتغل. ينبغي كي أولد ثانية، أمام الصّفحة البيضاء، خلال أوج فتوة الوعي، أن أبثّ أكثر شيئا من الظّلّ بين طيّات المعتّم-المضيء لصور قديمة وباهتة. في المقابل، يلزم إعادة نحت أداة النّحت خلال كلّ سهرة، كائن المنعزل نفسه، خلال عزلة مصباحه، باختصار يرى كلّ شيء، يتأمّل كلّ شيء، يقول كلّ شيء، ثم يكتب كلّ شيء ضمن وجود أوّل.
إجمالا، وبعد كل تجارب الحياة، تجارب عالقة وممزِّقة، أكون بالأحرى فعليا عند طاولة وجودي أثناء مواجهة ورقة بيضاء موضوعة وفق الصيغة المطلوبة فوق طاولة بمحاذاة مصباحي.
نعم، وأنا جالس عند طاولة وجودي أدركتُ الوجود ضمن أقصى حدوده، يمضي قُدُما صوب الأمام، وجهة الأعلى. تتمتّع جلّ مكوّنات محيطي بالسّكينة والهدوء، وحده وجودي الذي يبحث على كينونته مشدود إلى حاجة غير واقعية تتمثّل في أن أصير كائنا آخر بل أكثر من كائن. بالتّالي، انطلاقا من هذا اللاّشيئ، والتأمّلات الشّاردة أعتقد بإمكانية إبداع كتب.
لكن، عندما أنهي مختارات صغيرة حول المعتّم-المضيء لنفسية الحالم، تعود ساعة الحنين إلى أفكار مرتّبة على نحو صارم جدا. لم أعترف على طاولة الوجود، وأنا منقاد خلف رومانسيتي الموصولة بلهيب شعلة، سوى بنصف ماعشتُه طيلة حياتي. تأخذني عجلة بعد زخم التأمّلات الشّاردة، كي أتعلّم أكثر، ثمّ أستبعد الورقة البيضاء بهدف الانكباب على قراءة كتاب رصين، وقد بدا لي دائما صعبا للغاية. يتشكّل الذّهن ويعيد التشكّل، جرّاء التوتّر أمام كتاب ينمّ عن استطراد شاقّ. تكمن أيّ صيرورة فكرية ومستقبل للفكر، ضمن إعادة بناء للذّهن.
هل لازلت أملك مزيدا من الوقت كي أعثر مرّة أخرى عن المثابِرِ الذي أعرفه جيّدا حتى أجعله ينتمي إلى لوحة كتاباتي؟
*هوامش:
مصدر المقالة:
Gaston Bachelrd :la flamme d’une chandelle (1961) pp:152-159
(1)جون دو بوشير: شيطان الظّلام،ص 195
(2) نيتشه: بهجة المعرفة،ترجمة ميركور دو فرانس، ص 25 ،المقطع رقم 34
(3)ستيفان مالارميه: نسائم بحرية. قصائد الشّباب.





