المجلة الثقافية الجزائرية

نسبية الوجود وانصهار الأنا فى رحاب العشق الأزلى

   د/ محمود حسن محمد

فى كواليس الأيام المعاصرة خلف الشاشات الرقمية يقع الإنسان فى فخ “مادية المشهد الوجودى” حيث يتوهم أن الوجود صلب وثابت بالمسطرة البشرية الجافة، فيغرق العقل الباطن فى تفكير زائد وتشنج عصبى لحماية “الأنا ” ومكتسباتها الأرضية العابرة.

      لكن الوعى الفائق والعمق العلمى والفلسفى يكشفان أن كل مظهر مادى ما هو إلا تجلى نسبى عابر، وأن الثابت الأوحد وراء الكواليس هو القوة المحركة لهذا الكون، قوة العشق الإلهى والتدبير الرحيم .

     وسط هذا الشتات المعاصر ، تبرز سيكولوجية “انصهار الأنا فى رحاب العشق الإلهى” كأعلى قمم الذكاء الروحى الفائق والرفاهية النفسية، الحالة التى تدرك فيها الروح نسبيتها، وتفاهة صراعاتها، وتختار بكامل أناقتها الترفع والذوبان فى رحاب الأمان، والود الإلهى الخالص .

      العمق السلوكى والنفسى فى هذا المقام الفاخر ينبثق من انصهار رصانة التربية الذاتية فى لظى اليقين الثابت وجبروت الفكر الفلسفى والعلمى، إن فك عقد الترقب والتربص بكلام البشر خلف الشاشات يبدأ عندما يدرك وعيك الباطن – بمنظور النسبية العميقة – أن الزمان والمكان منسوجان برفق ومرونة بأمر الخالق العظيم، وأن ما يبدو جبلا عظيما من الهموم هو فى ميزان الحقيقة ذرة عابرة فى فضاء الغيب.

     فى خلوتك الساكنة على سجادة الصلاة فى جوف الليل، تخلع عن قلبك الفخم درع الأنا المتشنجة، وتستبدل بها عفوية بكر ونقاء فطريا ممتلئا بالرضا التام، لتتحول أعماقك إلى واحة من السكينة المطلقة، والاطمئنان الباطنى البديع الذى يعالج الجفاف الوجدانى بالمسطرة الإلهية الرحيمة.

     هذا التسامى الروحى الباذخ يفرز كاريزما ومهابة نفسية خارقة تفرض احترامها على الوجود بكل طاقاته، الشخص الذى صهر أنانيته فى بحار اليقين بالله، يمشى بين الناس بوقار الملوك المستغنين، لا تستفزه حماقات البشر وراء كواليس التعامل اليومى .

   ولا تهزه تقلبات البيئة لأنه لم يعد يرى لنفسه مركزية فى الأرض ، بل يرى نفسه عابرا نبيلا يستمد نوره مباشرة من المصدر الأزلى والمطلق للمحبة والسلام فيصبح كالنسمة الباردة، يمنح اللطف والمواساة، والدفء بكامل شياكته ، ويعفو ترفعا وصمتا، محاطا بهالة من الأناقة الوجدانية التى تستعصى على الخدش أو التعكير بفعل صخب العالم الرقمى أو المادى العابر.

    إن عيش الحياة بمنظور انصهار الأنا فى واحة اليقين هو النعيم الأكبر، والقمة الحقيقية للشياكة وراحة البال اليوم، الرفاهية اليوم ليست فى إثبات الذات أو الانتصار فى صراعات الأنا الضيقة، بل فى أن يملك الإنسان روحا خفيفة، رصينة، تطير فوق تفاصيل الأرض بكامل الأنفة والاستغناء بالخالق العظيم عن كل مرجعية بشرية.

      أن ينام ليله وصدره واسع ، مفرغ من كل عتب، أو ترقب ضاغط، ومستسلم بالكامل للطف القدر الخفى، وتدابيره الفاخرة التى تسير بحكمة بالغة… فى النهاية، تظل الأرواح التى ترفعت واكتفت بالله هى وحدهم الذين يتربعون فوق عرش الطمأنينة والسلام السرمدى، لأنهم ببساطة هزموا وهم المادة وعاشوا ملوكا بكامل الصفاء والوقار والجمال البديع وراء كواليس هذا العمر الجميل .