المجلة الثقافية الجزائرية

عن جزيرة إبستين ورواية “العطر”

وارد بدر السالم*

 

المعرفة لسياقات اجتماعية وسياسية لأمم ومجتمعاتٍ خلت، وما تركته من أحداث وهوامش، جديرة بالمتابعة والاطلاع والقراءة الذكية لمعطياتها السابقة. فالحاضر امتداد للماضي بلا شك، بل هو تركته وامتداد له على أية حال. ونستشهد في التاريخ القديم، كونه جزءًا من صيرورة البشرية حتى وإن مضت قرون وأجيال عليه، فما تركه من محاولات في الحياة يُذكي فينا الكثير من المعالم السابقة بطريقة القراءة والخيال السردي، الذي يمكن له أن يصل إلى تلك الوقائع، لنقل إلى جوهرها وملابساتها، ومن ثم يجسّدها كأنما هي رؤية حقيقية. لذلك فإن الأفلام التاريخية، أو حتى التي تتناول ما قبل التاريخ، لن تسعفها إلا القراءة لأدبيات القرون الماضية والتحليلات المحاذية لها، والتكهنات والحفريات والمتروكات الصورية، ومن ثم الخيال الفيلمي الذي يحاول تقريب الواقع وتجسيده.

(1)

يُقال: عندما تنتهي الحكاية يبدأ الوعي الفعلي لها، وتُقرأ الظروف المحيطة بها بشكل مستريح. وحكايتنا تبدأ وتنتهي بجزيرة إبستين الجنسية، التي يسمونها جزيرة العذراء في مفارقة اسمية لافتة، لا كمكان عابر في الجغرافيا الأميركية، ولا هو مكان خلّاب وساحر واستثنائي، بل الجزيرة كلها كانت موطنًا للشبهات والاغتصاب الجنسي والقتل لمراهقات صغيرات، بحثًا عن أعشاب وروائح الخلود في أجسادهنّ الغضّة.

تصاحبنا في هذه الرؤية المحتملة رواية معروفة لباتريك زوسكيند التي حملت عنوان “العطر: قصة قاتل”، تدور أحداثها في القرن السابع عشر الفرنسي، وهي رواية أولت الفن السردي عناية كبيرة، ولم يستطع الفيلم الذي أُخذ منها أن يقترب من سحر الكلمات والصور والمشاهد فيها. وبتقديرنا، بالرغم من أهمية الفيلم، فإنه لم يستطع الإحاطة بثيمة الرواية، وهي الرائحة أو العطر، في ما بعد، في المشهد الأخير وهو الأكثر إثارة فيه. بينما بقيت إبستين، وما تزال، بقعة سوداء لجريمة تذكّر بالسوء واللاأخلاقيات الأميركية التي مارست الرذائل فيها من عملاء وأصحاب شركات ومليارديريين. ولعل الكشف عن أسماء سياسيين كبار ورؤساء هو ما يجعل القصة الإبستينية محض جدل عالمي لا ينتهي، ووجود الفضيحة بأسماء مرتكبيها أمثال الرئيس ترامب وزوجته، والرئيس كلينتون وزوجته، وغيرهم من السياسيين والدبلوماسيين العرب وغير العرب، ما يجعلها فضيحة أخلاقية-اجتماعية-سياسية، شخصياتها معروفة ومكانها معروف، والأطفال الضحايا غير معروفين للأسف.

(2)

انتبهنا إلى رواية “العطر: قصة قاتل” لباتريك زوسكيند، فجوهرها يتعلق بالرائحة. الرواية مأخوذة من واقعة حية حدثت عام 1738 في أحد أسواق السمك في باريس، حيث يُولد غرونوي من أم تُنهي حياة أطفال الزنا والسفاح برميهم في الأزبال بين الروائح المتراكمة النتنة، غير أن ولادة غرونوي وانكشافها برميه في الأزبال لمحاولة التخلص منه قادها إلى الإعدام، وهذه تفصيلة ثانوية. لكن هذا الطفل البائس مرّ بمراحل مثيرة، منها: تتكفل به مرضعة وراهب، لكنهما يتركانه لافتقاده إلى أية رائحة بشرية؛ يعيش معظم طفولته في دار أيتام؛ ينجو من كل الأمراض التي تصيب الأطفال حتى يكبر ويعمل في مدبغة، فيكتشف الروائح بحاسة شم استثنائية، ومنها يكتشف روائح باريس.

ينجذب غرونوي إلى رائحة غريبة لفتاة شابة، فتولدت لديه رغبة عنيفة في تملك عطرها، فقتلها خنقًا، وكانت لحظة استنشاق غرونوي لآخر آثار العطر في جسد الجثة هي الحاسمة في تحديده للهدف المستقبلي لحياته في أن يتعلم كيف يصنع جميع الروائح.

يعمل عند عطّار مبتكر لوصفات عطرية جديدة، فيتعلم بالتدريج صنعة خلط الروائح لاستنتاج العطور، بما في ذلك تعلمه تقنية التقطير التي يُستخلص منها الرائحة الزكية، وتقنيات الاستشراب. ينعزل لسبع سنوات في مغارة، صانعًا عوالم تخييلية من الروائح. لكن ذاكرته لا تنسى الرائحة المستخلصة من أول فتاة قتلها. يغتنم فرصة معرفته بأحد النبلاء، ويصل إلى استنتاج: أن من يسيطر على الروائح يسيطر على مشاعر وقلوب الناس. يعمل في معطرة مع سيدة، ويكتشف وجود فتاة اسمها لور ذات عطر جاذب، فيقتلها لاستخلاص عطرها الشخصي. يستمر في تنفيذ سلسلة من الجرائم بغرض استخلاص العطور الطبيعية لأجساد 24 من أجمل فتيات المدينة العذارى، ويتمكن من تركيب العطور بتوليفها من جثث الضحايا الصغيرات بطريقة ماهرة.

(3)

الجانب المثير من الوجه الآخر للحكاية المقاربة لها هو جزيرة إبستين الفاسدة، فقتل العذارى فيها يُشابه قتل فتيات غرونوي الصغيرات الجميلات، لكن اختلف الهدف. وظلت الرائحة تتحول إلى عطر في الحالتين؛ فإن كانت الرائحة عامة فالعطر ذو خصوصية فردية. وهذه الخصوصية التي اكتشفها غرونوي جعلت منه باحثًا عنها في أجساد الفتيات من دون أن يعرف أهميتها، لكنه بالنسبة له اكتشاف مذهل، وما يهمه أنه يستحصل جذوات العطور من أجساد ضحاياه، والإثارة فيها ليست طبيعية، فكان القتل أسهل طريقة للحصول على عطر الصغيرات والمراهقات. هذا على مستوى ثيمة الرواية.

أما على مستوى الفاسدين الإبستينيين في الجزيرة “العذراء”، وعادة هم ممن تجاوزوا الستين عامًا أو ما بعدها، فالأمر يُشابه الرواية إلى حد بعيد، فقتل المراهقات الصغيرات في الجزيرة (بعد عصر وسحب مادة هرمونية من أجسادهن) يقع تحت مفهوم طبي (لا أعرف مدى صحته) بأن المادة التي تفرزها هرمونات المراهقات، وهو سائل على الأغلب، يُطيل الأعمار ويقضي على الشيخوخة. لذلك فالمتابع لفضيحة الجزيرة الإجرامية يجد النوعين في ملابساتها:

الأول: القتل وقع على الصغيرات المراهقات.

الثاني: الفاعلون هم من كبار السن ومن طبقات مليارديرية سياسية معروفة.

هذا يؤكد ما ذهب إليه غرونوي في “العطر”، لكنه بسبب عدم خبرته العلمية كان يفتح بابًا غير مألوف لتقطير العطور البشرية التي فقدها هو، وأصبح طفلًا بلا رائحة، ومن ثم تم تصنيعها من قبله بالقتل.

“”العطر” رواية قاتل واحد، بينما في الجزيرة مجموعات من القتلة”

بقيت جزيرة إبستين بقعة سوداء لجريمة تذكّر باللاأخلاقيات الأميركية(Getty)

تشير الوثائق التي أُفرج عنها في قضية إبستين إلى أن الجرائم المرتكبة بحق الأطفال في الجزيرة ذهبت إلى جوهر العطر/الرائحة الموجود في أجساد الأطفال والمراهقات الصغيرات، لإطالة الأعمار وتقليل نسبة الكهولة إلى الحد الممكن بتجديد الخلايا البشرية. فهل التجأ الإبستينيون إلى خرافة القرن السابع عشر عبر فكرة غرونوي الإجرامية، أم ثمة سبب علمي وطبي جعلهم يتسابقون إلى انتهاك الإنسانية من خلال ترويع واغتصاب المراهقات الصغيرات، ومن ثم قتلهن بلا رحمة؟!

هذا لم يُثبت علميًا تمامًا، وربما المحاولات العالمية تخبرنا لاحقًا بإمكانية حدوث هذا العلاج من أجساد المراهقات وصغيرات السن حصريًا، بتجديد خلايا الكهول والشيوخ. إذ يمكن استشفاف خلايا المراهقات الصغيرة في أوج نضجها الهرموني، بالرغم من محاولات عالمية ما زالت تحاول التجريب على الفئران في مختبراتها، والتي أظهرت بعض التحسن في خلاياها من حيث تجديدها. وهو علاج جيني يصحح إجهاد الخلايا ويقيها الشيخوخة المبكرة.

ما يتوجب معرفته أن هناك تغيرات ترافق البنت في مراهقتها وتجعلها تفرز هرمونات خاصة لها رائحة مختلفة في الجسد ذاته. وقد تكون هي التي تجدد الخلايا لدى كبار السن في خرافة أو انتباهة خيالية، أو هي حقيقية من القرن السابع عشر في رواية “العطر”، حتى عصر الفاسد إبستين وجزيرته الملعونة التي قتلت أجيالًا طفولية من دون الإحساس بالذنب، من أجل إطالة الأعمار البشعة.

(4)

ننوّه إلى الفرق بين مفردتين متقاربتين هما “عطر” و”رائحة”، بالرغم من أن كلتيهما تبدوان في المعنى ذاته. العطر (Perfume) يُصنع من مركبات كيميائية، في حين أن الرائحة (fragrance) عمومية المعنى ترتبط بحاسة الشم وتستلهمها من البيئة والطبيعة مباشرة، بمعنى لا تتدخل المركبات الكيميائية في تصنيعها. إنها مكوّن طبيعي مباشر من دون تدخلات كيميائية وتركيبية، والعطور كلها روائح، ولكن الروائح ليست عطورًا بالمعنى الفني لها. تكون مصادرها نباتية – الأزهار بأنواعها – أو حيوانية – مسك الغزال وإفرازات نوع من الحيتان – لكنها تُخلط بمواد كيميائية لتنتج عطرًا.

لهذا فإن التحول في التسمية السردية من رائحة إلى عطر في رواية زوسكيند هو تحول الشم الطفولي (رائحة نتانة من أحشاء سمك ميت) إلى تركيب كيميائي فطري في ما بعد، عندما عرف غرونوي بفطرته الاستثنائية أن الرائحة يجب أن تكون “خامة” وليست مركبة أو مصنّعة، فقادته الروح الشريرة فيه إلى أن يجد العطر السري في خلايا الصغيرات المهيّأة للنضج بقتلهن، وهو الأمر ذاته الذي قاد مجرمي إبستين إلى “الوصول” إلى سر الشيخوخة عبر أجساد الصغيرات اللاتي يحملن الرائحة الأثيرة للقضاء على الشيخوخة فعلًا.

هذا تأويل نادر في أن يُستخلص العطر من رائحة مهبلية على الأكثر، هي رائحة بداية النضوج الذي ينتشر في الجسد المراهق الصغير، للدلالة على الوصول إلى الدورة الشهرية أو هو قريب منها. أما أنه يطيل عمر الفرد ويقضي على شيخوخته، فهذا أمر متروك للعلم والطب لاحقًا، لكن لنا رؤية مباشرة للذين مارسوا القتل في الجزيرة وتشرّبوا من عصارة تلك الرائحة بأنهم ما يزالون شيوخًا تخطّوا الثمانين عامًا والتسعين منه، وما يزالون في الواجهات السياسية والاجتماعية، أي ما زالوا شيوخًا شبابًا: ترامب، كلينتون، هيلاري كلينتون، جاك لانغ – وزير الثقافة الفرنسي السابق، غيلين ماكسويل، جيس ستالي الرئيس التنفيذي السابق لبنك باركليز، ليون بلاك الشريك المؤسس لشركة “أبولو غلوبال مانجمنت”، لاري سامرز وزير الخزانة الأميركي الأسبق، كاثرين روملر المسؤولة السابقة في البيت الأبيض، ولية العهد النرويجية، السلوفاكي ميروسلاف لايتشاك، مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء، والمنتج السينمائي وودي آلن وزوجته سون- يي بريفين… هذا على سبيل المثال.

 

 

 

 

 

(5)

لا ينتابنا الشك في أن علمية “العطر” ليست افتراضية في الأحوال كلها، وواقعيتها تشير إلى زمنها، أما علميتها فيُدركها المؤلف الحاذق وهو يُنشئ سردية معاصرة بناءً على تلك الافتراضات. وقد تكون حقيقة الجزيرة ومالكها الداعر وأصحابه من السياسيين والفنانين والسحرة والرؤساء والمليارديريين قد تنبّهوا إلى وجود تلك الهرمونات الناشئة في أجساد الفتيات الصغيرات، بطريقة علمية أو وصفة شعبية سحرية شريرة، أودت إلى مثل هذه الأفعال التي لا تُعقل ولا تُصدق.

نصل إلى نتيجة أن “العطر” رواية قاتل واحد، بينما في الجزيرة مجموعات من القتلة. ولم يدرك غرونوي في الرواية أن اكتشافه الفطري المذهل سوف يقود إلى سلسلة جرائم مقصودة لانتزاع رائحة الخلود من صغيرات السن ومراهقات الغد، لسياسيين ورجال أعمال وشيوخ سن تدفعهم غريزة البقاء والخلود إلى سلسلة جرائم مخطّط لها من أجل رائحة غريبة، هي رائحة تنتشر في الجسد النسائي وتشير إلى اقتراب النضج الجسدي.

فهل هذا واقعي أم هو من شطحات السرد الخيالي؟

*ضفة ثالثة