المجلة الثقافية الجزائرية

ذلك الفتى الذي أحب الحلم أكثر مما أحب الحياة

بقلم: التجاني صلاح عبد الله المبارك

 

من المفارقات في عالم الأدب والابداع الإنساني، أن بعض الشخصيات الروائية ربما تنال من الخلود والبقاء ما لا يناله كثير من البشر الحقيقيين!؛ فبين حين وآخر يظهر كاتب، في مكان ما وزمان ما، ويؤلف شخصية رائعة في رواية محكمة بديعة، ثم يمضي الكاتب إلى مصيره الطبيعي، بينما تواصل شخصيته الروائية رحلتها الطويلة بين الأجيال، وتنجح في البقاء داخل الذاكرة الإنسانية، ربما بقدر اكبر مما ينجح فيه كثير من البشر الذين عاشوا أعمارًا كاملة، كما لو أن هذه الشخصية الروائية واحدة من معارفهم القدامى لا مجرد اسم عابر في كتاب. 

من بين هذه الشخصيات فيرتر، ذلك الشاب الألماني الذي خرج ذات يوم من مكتب كاتب شاب في القرن الثامن عشر، ثم مضى في طريقه الخاص حتى كاد يطغى حضوره على حضور مؤلفه نفسه، غير أن فيرتر في نهاية الأمر في تقديري وفي تقدير العديد من النقاد والخبراء، ليس شخصًا واحدًا بقدر ما هو حالة إنسانية كاملة، ربما تتكرر بأشكال مختلفة، كلما منح إنسان قلبه سلطة مطلقة على حياته اكثر مما ينبغي، وكلما أقام داخل صورة صنعها خياله بعناية ومحبة، ثم طالب العالم كله بأن يعترف بها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة، ولهذا بقي فيرتر حيًا بعد أكثر من قرنين ونصف القرن؛ لأنه كان يتحدث عن تلك المنطقة الغامضة التي تفصل دائمًا بين رغبات الفرد، وما يكون عليه العالم بالفعل.

 وقبل أن ندخل مع فيرتر إلى ذلك الإقليم الإنساني المزدحم بالأشواق والخيالات وسوء التقدير، فإن من الإنصاف أن نلتفت قليلًا إلى “يوهان فولفغانغ فون غوته” الذي كتب رواية ( آلام فيرتر) في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ونشرها عام 1774 وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، مستلهمًا جانبًا من تجربة عاطفية عاشها بنفسه مع فتاة تدعى “شارلوت بوف” كانت مرتبطة بغيره، ومتأثرًا كذلك بحادثة انتحار أحد معارفه، فامتزج عنده الواقع بالخيال، والممكن مع المستحيل، وخرجت الرواية بذلك القدر النادر من الصدق، الذي يجعل القارئ يشعر أحيانًا أنه لا يقرأ أدبًا بقدر ما يعايش مآساة كاملة، ويمتزج بصدق مع احاسيس فيرتر ورغباته البرئية المرهفة، فقد كان فيرتر واحدًا من تلك الاستثناءات النادرة التي تجاوزت حدود الأدب لتصبح جزءًا من السيرة الطويلة للروح الإنسانية وهي تتأرجح، منذ فجر التاريخ، بين ما تريده حقا وما تستطيع الوصول إليه. 

ولم تُستقبل الرواية يوم صدورها بوصفها عملًا ناجحًا فحسب، بل تحولت بالفعل إلى ظاهرة أوروبية كاملة؛ فقد انتشرت انتشارًا مذهلًا، ووجد آلاف الشباب أنفسهم في شخصية فيرتر إلى درجة دفعت بعضهم إلى تقليد ملبسه وهيئته وحتى لغته، بينما تحدث بعض المؤرخين لاحقًا عما عرف بـ “تأثير فيرتر”، في إشارة إلى حالات قيل إنها تأثرت بمصير بطل الرواية. أما النقاد فقد انقسموا بين من رأى فيها كشفًا غير مسبوق لأعماق النفس البشرية، ومن رأى أنها تدفع بالعاطفة إلى حدود خطرة، لكنهم اتفقوا جميعًا تقريبًا على أنها لم تكن رواية عادية، وإنما حدث أدبي وثقافي ترك أثرًا تجاوز حدود ألمانيا إلى أوروبا كلها.

 وربما لهذا السبب، بقيت الرواية حية حتى اليوم؛ لأنها لم تكن تتحدث عن قصة عابرة بقدر ما كانت تتحدث عن الانسان حين يقع أسير الصورة التي صنعها بنفسه عن العالم، ثم يطالب العالم بأن يتطابق معها كاملة غير منقوصة ولأنها لامست سؤالًا إنسانيًا وجوديا: ماذا يحدث حين يقرر القلب أن يعيش وفق منطقه الخاص، بعيدًا عن حسابات المجتمع؟

 ولعل اكثر ما يثير الاعجاب والتأمل في آن واحد، هو أن فيرتر لم يكن يعاني من قسوة شارلوت بقدر ما كان يعاني من وفائه المفرط لصورة رسمها لها في خياله، ولم يكن يصطدم بامرأة من لحم ودم بقدر ما كان يصطدم بالحياة نفسها وهي ترفض أن تُدار وفق قوانين القلب وحده، ولذلك فإن فيرتر لم يسقط صريع الحب وحده، وإنما سقط في ذلك الوادي الشاسع الذي يفصل بين عالم الرغبات وعالم الممكنات، وبعض الناس يعبرون ذلك الوادي بالايمان والحكمة، وبعضهم يعبرونه بالصبر، وبعضهم يبنون فوقه جسورًا من التنازلات المؤلمة، أما فيرتر فقد اختار أن يقف عند حافته مأخوذًا بجمال الحلم إلى الدرجة التي جعلته يفضل السقوط فيه على مغادرته.

 والحق أن البشرية لم تتعافَ يومًا من مرض فيرتر، لأن المرض لم يكن حب شارلوت، وإنما الاعتقاد بأن الرغبة تمنح صاحبها حقًا مكتسبًا في الواقع. ومنذ ذلك الزمن البعيد وحتى اليوم ما يزال البشر يكررون الرواية ذاتها بأسماء مختلفة؛ عندما يصطدم الواقع مع الرغبات، والممكن مع المستحيل. ولعل أكثر ما يثير التأمل ايضا أن غوته نفسه تجاوز فيرتر، وعاش بعده حياة طويلة حافلة بالكتابة والتجربة والمعرفة، بينما بقي بطله الشاب عالقًا في اللحظة ذاتها التي عجز فيها عن التمييز بين ما يحبه وما يستطيع امتلاكه. وكأن غوته كان يرسل إلينا، عبر القرون، رسالة بسيطة ومفزعة في آن واحد: ليس كل ما نحبه خُلق لنا، وليس كل ما نفقده هو نهاية العالم.