لم تكن الأعمال الفنية التي أنتجتها الحرب الأخيرة على غزة مجرد استجابة تشكيلية لحدث كارثي، وإنما محاولة لالتقاط ما يبقى من الإنسان عندما ينهار المكان.
عبير خضر*

لم تكن الأعمال الفنية التي أنتجتها الحرب الأخيرة على غزة مجرد استجابة تشكيلية لحدث كارثي. في جوهرها الأعمق، تبدو هذه الأعمال محاولة لالتقاط ما يبقى من الإنسان عندما ينهار المكان، وما يبقى من المكان عندما يتحوّل إلى أثر عميق في الذاكرة، وما ينجو من الحسّ الجمالي نفسه تحت الحصار.
تنقل الصورة الصحفية الحدث لحظة وقوعه، أمّا العمل الفني فينصت إلى ما يفعله الحدث بالنفس واللغة والعلاقة بين الإنسان والإنسان، والإنسان والأشياء. لا يكتفي الفن بأن يخبرنا ما حدث، إنما يفتح لنا بابًا على الطريقة التي مرّ بها الحدث داخل الجسد والروح، وكيف استقرّ فيهما خوفًا وانتظارًا، ذنبًا ربما، حنينًا، وصمودًا أيضًا.
بهذا المعنى، تبدو أعمال فناني غزة وثائق بصرية ووجدانية للحرب في آن واحد؛ شهادات تُكتب من داخل الركام، أو من مسافة المنفى، أو تحمل المدينة في الذاكرة بعد سنوات طويلة من الابتعاد. وبين من بقوا داخل القطاع ينتجون من قلب الخطر، ومن خرجوا أثناء الحرب وواصلوا الرسم من مسافة مثقلة بالذنب، ومن غادروا غزة قبلها بسنوات لكنها لم تغادرهم، تتشكل خريطة بصرية متعددة للحرب: خريطة لا ترصد الدمار وحده، وإنما تتتبع أثره الإنساني.
في غزة، تبدو اللوحة كأنها تُنتج تحت تهديد دائم بالفقد. سهيل سالم، الذي دُمّر المكان الذي كان يستأجره كمرسم، وحمل ما تبقى من أعماله في لفائف، وجد نفسه يرسم في النزوح على دفاتر مدارس الأونروا بقلم حبر، ويعامل هذه الرسوم بوصفها مذكرات يومية قابلة للفقد في أي لحظة. نشرها بشكل شبه يومي، لا لأن الرسم عنده صار خبرًا عاجلًا، وإنما لأن بقاء هذه الرسوم لم يعد مضمونًا.

ومع ذلك، لا يسمّي سالم ما أنجزه توثيقًا بالمعنى الحرفي؛ وإنما يراه أقرب إلى مقاومة نفسية، وإلى «رثاء للقهر» ورحلة صمود في آن. هنا تكمن خصوصية عمله. يرفض سهيل أن يُحبس عمله في خانة التسجيل المباشر. يريد للوحة أن تحفظ كرامة من ترسمهم؛ أن تراهم كأشخاص كاملين، لهم وجوه وذاكرة وحضور، لا كصور عابرة للفاجعة أو مادة لاستهلاك بصري جديد. لذلك يمنح المقهورين «مساحة صامتة للتأمل»، ويجعل الخط المرتجف، كما يقول، قادرًا على اختصار ساعات من الخوف في خط واحد، وعلى تصوير ما قبل اللحظة وما بعدها، لا اللحظة وحدها.

يساعد هذا العملان لسهيل سالم على فهم هذا التنقل بين شهادة الحدث ورثاء من عاشه. ففي رسوماته بالحبر الأسود، حيث تتكدس الوجوه أو تتقارب الأجساد كأنها تحتمي ببعضها من الفقد، لا يظهر العنف بوصفه مشهدًا مباشرًا، وإنما كأثر متراكم على الملامح: وجوه متعبة، أجساد متلاصقة، وعيون خاشعة كأنها تنتمي إلى جمهور حداد طويل.
في العمل الذي تبدو فيه سيدة تسند شهيدًا فوق كتلة من الصبار والخراب، لا نكون أمام مشهد وصفي، بل أمام استعارة كثيفة للأمومة والصبر في لحظة صار فيها الجسد نفسه مأوى أخيرًا بعد انهيار البيوت.
أمر مشابه نراه في تجربة محمد حرب بوصفها مثالًا بليغًا على تحوّل اليومي الصغير إلى لغة للحرب. فالفنان الذي لم يعد يملك مرسمًا ثابتًا، وصار ينتج أعماله في أي مساحة متاحة، لم يتجه إلى تصوير الانفجار أو الجثة أو المشهد الكارثي المباشر. وإنما اختار الطاولة والكرسي والنافذة والسمكة.
هذه الأشياء ليست تفاصيل منزلية بريئة في أعمال حرب، وإنما شواهد زمنية على الغياب، وعلى انكماش الحضور الإنساني حتى لا يبقى منه سوى أثره. وهذا ما توضحه لوحته «سمكة غزة»: كرسيان فارغان، مائدة بسيطة، سمكة كاملة تعلو المشهد، هيكل عظمي لسمكة في الطبق، ونباتات منزلية صغيرة تتشبث بحضور هش. لا يظهر في اللوحة جسد بشري واحد، ومع ذلك يملأ الغياب الإنساني كامل المساحة. الفراغ هنا ذاكرة مشبعة بمن رحلوا أو مُنعوا من الجلوس إلى مائدتهم. يعرف محمد حرب أن الكاميرا تستطيع أن ترى الكرسي والطاولة، لكن الفن وحده يستطيع أن يحمّلهما هذا الثقل الوجداني؛ أن يجعل من الأشياء سجلًا داخليًا لما تركه الحدث في الروح.

أما ماجد شلا، الذي دُمّر مرسمه بالكامل، وصار يتنقل بين خيمة وأخرى ومعه القلم الأسود والورق فقط، فيمثل طرفًا آخر من هذه التجربة الداخلية. هو كذلك يرفض أن يسمّي ما يفعله توثيقًا، ويقول بوضوح إنه كان يحاول أن يفهم ما يحدث بعد أن «انقلبت حياته رأسًا على عقب».
يعلو في لوحته شكلان بشريان متعانقان فوق كتلة من البيوت المدمرة والخيام المتلاشية. تظهر الحرب هنا كتهديد لفكرة البيت نفسها، بما تعنيه من حماية واحتواء. العناق هنا بيت بديل، وجدار أخير، وسقف هش فوق مدينة تنهار. لذلك تبدو اللوحة شديدة الرقة والقسوة في الوقت نفسه: رقة الخطوط المائية، وتلاشي اللون، والاقتصاد البصري، كلها عناصر لا تخفف الألم بقدر ما تجعله أكثر هشاشة وإنسانية.

تتبدل صورة الحرب عندما تُرسم من خارج غزة أيضًا. هنا تأتي تجارب فنانين خرجوا أثناء الحرب مثل دينا مطر وشريف سرحان ورائد عيسى. لم يكن خروجهم نجاة كاملة؛ فقد تركوا خلفهم أهلًا وبيوتًا ومراسم وأعمالًا وأعمارًا كاملة، وحملوا معهم سؤالًا قاسيًا: ماذا يعني أن ينجو الجسد، بينما يظل القلب والذاكرة عالقين في مكان يُدمَّر كل يوم؟ في هذه التجارب، لا تصنع المسافة برودة أو حيادًا. على العكس، تجعل الفقد أبطأ، والذنب أثقل، والمدينة أكثر حضورًا على اعتبارها مكانًا لا يمكن بلوغه ولا الانفصال عنه.
تقول دينا مطر إنها حملت معها لوحات أنقذتها من تحت ركام منزلها، وخرجت بخوف لم يفارقها، وبإحساس حاد بالذنب لأنها نجت بينما بقي والداها الكبيران يواجهان النزوح والمرض ونقص الغذاء والدواء. في أعمالها الأخيرة، كما تصفها، انتقلت غزة من كونها موضوعًا خارجيًا ترسمه الفنانة إلى حضور داخلي يكتب نفسه داخل اللوحة؛ صارت «كلمات حب ورسائل إلى غزة»، وصارت الأعمال مرسومة «بالدموع والذكريات».

هذا هو التحول الأساسي في تجربتها: لم تعد اللوحة مساحة لتسجيل الفاجعة كما وقعت، وإنما وسيلة لحماية صورة غزة من التبدد الكامل. ترسم دينا مطر كي لا تتحول الذاكرة إلى نحيب صرف، وكي لا تُختزل المدينة في أنقاضها وحدها. لذلك تضيء في أعمالها على الذكرى الجميلة التي عاشتها في غزة، بوصف ذلك مقاومة لا هروبًا. في لوحاتها الأخيرة، تحضر غزة كهوية حيّة: نساء بثبات داخلي واضح، وعناصر بصرية فلسطينية مثل القدس والكوفية والزيتون والزخارف، تظهر كمفردات صمود واستعادة للمعنى. هكذا تواجه دينا مطر الخراب بإعادة بناء صورة الوطن من داخله.

أمّا شريف سرحان فيذهب في اتجاه متقاطع ومكمّل. هو الآخر فقد مرسمه وأعمالًا راكمها على مدى ثلاثين عامًا، وفقد «مساحة شبابيك»، البيت الأول لتجربته الفنية ولتجربة العديد من فناني غزة. لكنه اختار ألّا يحصر غزة في صورة الضحية. مشروعه «عزيزتي غزة… أنا أحبك» مقاومة للدمار من داخل الذاكرة الحية.
في نظره، ثمة صورتان لغزة: صورة الدمار والوجع التي ينقلها الإعلام، وصورة أخرى لا تقل حقيقية عنها، هي صورة الحياة التي كانت، والتفاصيل الصغيرة التي صنعت ذاكرة المدينة وأهلها، ثم الحياة التي تظل تولد بين الخيام والركام. وهي صورة يعجز الخبر غالبًا عن رصدها.
وفي رسومات رائد عيسى، لا يظهر الجسد بوصفه موضوعًا مرسومًا فحسب، بل كأثر مؤرشف داخل نظام طبي بارد: جسدٌ تحوّل تحت الحرب إلى رقم وملف ووصفة وسجلّ علاج. يستخدم رائد عيسى السجلات الطبية لا كخلفية للعمل، بل كطبقة دلالية تكشف كيف انتقلت الأجساد من حيّز الحياة اليومية إلى حيّز التوثيق السريري؛ وجوه مطموسة فوق لغة تشخيصية دقيقة، كأن الفن يعيد إلى هذه السجلات ما عجزت عن حفظه: الاسم والملامح والإنسان.


يصعب اختزال أعمال فناني غزة في عنوان «فن الحرب». ما نراه في هذه التجارب أكثر تركيبًا: فن عن الإنسان على حافة الفقد، وعن الأشياء اليومية وقد تحولت إلى أوعية لذاكرة أصحابها، وعن الجمال عندما يفقد معناه التزييني ويصير عبئًا أخلاقيًا أو فعل نجاة.
من دفاتر سهيل سالم الصغيرة، إلى طاولات محمد حرب وكراسيه الفارغة، إلى هشاشة أعمال ماجد شلا، إلى لوحات دينا مطر الخارجة من تحت الركام، إلى حب شريف سرحان العنيد لغزة، إلى وجوه رائد عيسى وأجساده المعلقة بين الإصابة والنجاة، تتشكل أمامنا لوحة أكبر من كل لوحة منفردة: غزة بوصفها ذاكرة مفتوحة، لا تستنفدها الحرب ولا يحيط بها الخبر.
ربما هذا ما يستطيع الفن أن يفعله عندما تعجز اللغة الخبرية عن الإحاطة: أن ينسج الذاكرة بدل أن يصفها فقط، وأن يحفظ للإنسان شيئاً من حضوره عندما يُراد له أن يتحول إلى رقم، أو إلى صورة عابرة، أو إلى رمز مريح لضمير بعيد. في هذه الأعمال، لا تقف الحرب خارج اللوحة؛ إنها تدخلها، ثم تتحول فيها إلى سؤال أخلاقي وجمالي معاً: كيف نرى الإنسان بعد الكارثة؟ وكيف نمنعه من أن يُمحى مرة ثانية، في الطريقة التي يُرى ويُعرض بها؟
*حبر





