وهيبة جمال عبد الكريم
أعترف أنني لم أعد أدخل أي مؤسسة عمومية وأنا أفكر في معاملتي فقط، بل أفكر أيضًا في مزاج الموظف الذي سأجده خلف الشباك.
هل سينجزها اليوم؟ أم سيؤجلها إلى الغد؟ هل سيكتفي بالوثائق المطلوبة؟ أم سيطلب مني وثيقة جديدة لمجرد أنني وقعت أمامه في الوقت غير المناسب؟
هذا ما وصلنا إليه.
في أحد الأيام، دخلت إلى مؤسسة عمومية وأنا أحمل ملفًا تأكدت أكثر من مرة أنه مكتمل. وقفت أمام الشباك، وحين جاء دوري، اكتشفت أن دوري قد حان… أما الموظفة فلم يحن وقتها بعد. كانت منشغلة بمكالمة هاتفية، ثم بحديث جانبي، بينما كنت أقف أمامها أنتظر، وكأن وقتي لا قيمة له.
وحين انتهى الانتظار، بدأت رحلة أخرى. فوجئت بطلب وثيقة لم تكن ضمن الملف. في البداية، التمست لها العذر، وقلت لعلها تطبق التعليمات بدقة، فعُدت إلى المنزل، رغم بعد المسافة، وأحضرت ما طلبته.
لكن ما حدث بعد ذلك بدقائق نسف كل تلك الأعذار.
أعرف أن من حق الموظف أن يتحقق من هوية المراجع متى اقتضى الأمر، لكن ما لا يمكن قبوله هو أن تتحول الوثائق الإضافية إلى وسيلة لتأجيل الخدمة. فقد طُلبت مني وثيقة لم تكن ضمن الملف، ثم أُثيرت ملاحظات لا علاقة لها بالإجراء المطلوب. وبعد دقائق، عندما تقدم مراجع آخر بالملف نفسه، اكتفت الموظفة بالوثائق الأساسية وأنجزت المعاملة دون أي اعتراض.
عندها لم يعد السؤال: ما هي الوثائق المطلوبة؟ بل أصبح: هل أصبحت بعض الخدمات تُنجز وفقًا لما ينص عليه القانون، أم وفقًا لمزاج الموظف؟
ولم تكن تلك الحادثة سوى واحدة من مشاهد تتكرر كل يوم. ففي أحد البنوك، وقفت مع عشرات المواطنين أمام الشباك، بينما كانت الموظفة تتبادل أطراف الحديث مع زميلتها، فيما كانت طوابير الانتظار تكبر. ليس الاعتراض على دقيقة عابرة، وإنما على استهتار يتكرر، يجعل وقت المواطنين آخر ما يُؤخذ في الحسبان. فاحترام وقت المواطن ليس مجاملة، بل واجب وظيفي، تمامًا كما يُطلب منه احترام أوقات الدوام والتعليمات الإدارية.
والأخطر أننا بدأنا نعتاد هذا المشهد، حتى بات كثير من المواطنين يتجنبون الاعتراض أو حتى إبداء ملاحظة مهذبة، خشية أن تنعكس على معاملاتهم.
أي واقع هذا الذي يجعل صاحب الحق يخشى أن يطالب بحقه؟
وأي إدارة هذه التي يصبح فيها الملف مرهونًا برضا الموظف أكثر مما هو مرهون بالقانون؟
وهكذا، تتحول معاملة كان يمكن أن تُنجز في عشر دقائق إلى أيام، وربما إلى أسبوع كامل، لا بسبب تعقيد الإجراءات، بل بسبب الاستهتار بوقت الناس، والتراخي في أداء الواجب، وغياب الإحساس بأن خلف كل ملف إنسانًا له عمل، وله موعد، وله أسرة، وله حياة لا ينبغي أن تُعطل بلا سبب.
ولكي أكون منصفة، فليس الحديث هنا عن كل الموظفين. فما زال بين موظفي إداراتنا رجال ونساء يؤدون عملهم بإخلاص، ويعاملون المواطنين باحترام، وهؤلاء هم الصورة التي نتمناها للإدارة. لكن وجودهم لا يلغي وجود ممارسات خاطئة أصبحت تتكرر حتى كادت تتحول إلى أمر عادي.
ليست مشكلتنا مع الموظف، بل مع ثقافة تجعل بعض الموظفين ينسون أنهم موجودون لخدمة المواطن، لا ليختبروا صبره. ثقافة تجعل بعضهم يتصرف وكأن إنجاز المعاملة منحة، لا واجبًا، وكأن المواطن جاء يستجدي خدمة، لا يطالب بحق يكفله له القانون.
إن تحسين صورة الإدارة لا يحتاج دائمًا إلى قوانين جديدة، بقدر ما يحتاج إلى ترسيخ ثقافة احترام المواطن، وتعزيز قيم المسؤولية، وربط جودة الخدمة بالمساءلة والتقييم المستمر. فالإدارة الناجحة لا تُقاس بعدد مكاتبها، بل بقدرتها على خدمة المواطن بكفاءة وعدالة واحترام.
فالدولة التي تحترم مواطنيها تبدأ من خلف الشباك. هناك، حيث لا يحتاج المواطن إلى واسطة، ولا إلى رجاء، ولا إلى صمت خوفًا من أن يُرفض ملفه… بل يحتاج فقط إلى موظف يدرك أن احترام المواطن جزء من احترام الدولة نفسها.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تتأخر معاملة، بل أن يقتنع المواطن بأن حقه لا تحكمه الإجراءات، بل مزاج من يتولى تنفيذها.
وحين يصبح مزاج الموظف أقوى من القانون… لا يخسر المواطن وحده، بل تخسر الإدارة هيبتها، وتخسر الدولة ثقة أبنائها.
ما رايك
*كاتبة وأستاذة لغة عربية





